نهضه الإمام الحسین (علیه السلام) الخالده
ولکن مع کل هذا وذاک ، فإنّ هذه الثوره العظیمه ، تجذّرت فی نفوس محبِّیها وعشَّاقها ، وقد أمست هذه الثوره ـ وبحق ـ ملکاً وإرثاً إنسانیاً عظیماً ، یتفاخر به الملأ من دعاه الحریه والعدل ، وتتغنَّى بها القلوب الولهى ، والمُحِبَّه للسلام ، والتائقه لمبادئ الحریه ، لا بل إنّها أصبحت ملکاً للإنسانیه جمعاء ، بغض النظر عن میولها واتجاهاتها الدینیه أو العقائدیه .
اللَّهُم إلاّ أولئک الذین هم على شاکله ابن زیاد وسیّده یزید ومن لفّ لفّهما ، فهمْ ویزید بن معاویه متساوون فی کل الرذائل ، وربَّما تشابهوا حتى فی اختیارهم لنوعیه قرودهم التی تؤنسهم برقصها لیلاً ونهاراً . فهذا الصنف من الناس ، أو هؤلاء الطغاه ، لا یأنسون بوقوفهم إلاّ حیثما وُجد الظلم والجور ونهب أموال المظلومین والجیاع ، وسلبهم لحرِّیَّاتهم ، تماماً بالضد من العدل والحق ؛ لأنّ التأریخ الطویل الذی عاشته وتعیشه البشریه ، أثبت ، وبما لا یقبل الجدل ، أنّ مسیره الإنسانیه وعبر سیرها الطویل والحثیث ، أبت إلاّ أن تکون سالکه لسبیلین لا ثالث لهما ، فهی : إمّا شاکره وإمّا کفوره .
والسبیل الثانی هو الغالب دوماً ، على الرغم من کل ما جاءت به الرُّسُل والأنبیاء من رسالات سماویه ، تهدی إلى سبیل الحق والعدل ، دون الباطل والشر . ولکن أنّى لهذا العدل أن یعمَّ ربوع البشریه ، وهذه الدنیا بمغریاتها لم تتوان قط ، ومن وراءها أبالسه الإنس قبل الشیاطین ، عن تقدیم إغراءاتها لهذا الإنسان الذی شرّفه الله تعالى ، بأنْ جعله خلیفه له فی الأرض ، فما أعظمه من تشریف ، ولکن ما أقبح جحود البعض من هؤلاء البشر .
ولکن فی قبال ذلک الجحود ، ما أعظم بعض هذا البشر ، الذی سما ویسمو فی کل شیء فی الوجود ، إلاّ من إقراره وهو متصاغر بعبودیته لله تعالى . هذا الإقرار الذی بلغ لدى البعض من المخلصین ، درجه من الفناء المطلق فی ذات الله ، حتى أصبح لا یرى شیئاً إلاّّ ویرى الله معه وبعده وقبله وفیه ، وتراه إذْ یناجی ربه قائلاً : ( عُمیتْ عین لا تراک علیها رقیباً , وخسرت صفقه عبدٍ لم یکن لک فیها نصیباً ) . وهکذا هی العبودیه الحقّه ، وهکذا کان هو الحسین (علیه السلام) ، هذا الإمام الذی فجّر ثوره عظیمه فی کل شیء … برجالها وأبطالها وبتضحیاتها وبأهدافها .
لقد ضمّتْ هذه الثوره من الخصائص : الإیثار ، والتضحیه ،وروح الاقتحام ، والإباء ، والشجاعه النادره . وقَلَّ أن تجد لمثلها ثوره فی تاریخ البشریه قاطبه ، من حیث المبادئ والإخلاص لله تعالى ؛ وهذا هو الذی جعل من هذا الإمام المظلوم والمنتصر فی آن واحد ، مع إخوته وأهل بیته وصحبه ، یخلّدون فی أعظم صفحات التأریخ وإلى الأبد .
وإنّی لأرى التأریخ وهو ینحنی متصاغراً وهزِءاً من نفسه ومحتقراً لها ، إذْ هو یرى من نفسه ، أنّه لم یستطع أن یجد فی صفحاته المشرقه الخالده ، مکاناً أوفر بهاءً وأعظم منزله ودرجه ، من تلک التی أُنزل بها الحسین (علیه السلام) وصحبه ، على الرغم من عظم المنزله ؛ لأنً التأریخ یشعر بقراره نفسه ، أنَّ درجه هؤلاء الأبطال المیامین وسیَّدهم ، لا تسعهم صفحاته المتواضعه ، لأنّ هذا التاریخ مهما عظم ، سیظل فی الواقع ، أدنى منزله من قطره دم واحده سالتْ من أجساد هؤلاء الأبطال الأباه …. لأنّ شخصاً کالحسین (علیه السلام) ، والذی بکته الأرض قبل ملائکه السماء ـ وأکبر من ذلک أنَّه بکاه ، وقبل استشهاده ، سید الکائنات على الإطلاق ـ حریٌ به أنْ تکون منزلته فی سویداء قلوب الأجیال المتعاقبه ، وإلى ما شاء الله من أیَّام الدنیا التی لا یعلم مداها أو عددها إلاّ الله …
أمّا الآن ، فلنتناول جانباً من الجوانب الکثیره والمشرقه لهذه الثوره العظیمه ، ولیکن ذلک عن العوامل الرئیسیه التی ساهمت ، بشکل أو بآخر ، فی تفجیر هذه الواقعه الألیمه ، مراعین فی ذلک ضیق المساحه وعدم تناسبها مع الحجم الذی یستحقُّه الموضوع .
إنّ العوامل التی أسهمت بشکل فاعل وأثّرت فی قیام نهضه الإمام الحسین (علیه السلام)، والتی فجّرت الموقف بوجه الدکتاتوریه الأُمویه الفاسده ، یمکن إجمالها بثلاثه عوامل مهمه :
۱ـ قضیه البیعه لیزید ، والمحاولات المتکرِّره والملحَّه من سلطه یزید الغاشمه ، لإجبار الإمام الحسین (علیه السلام) على الرضوخ لمطلبهم .
۲ ـ إعلان أهل الکوفه نصرتهم للإمام من خلال آلاف الرسائل التی بعثوا بها إلیه .
۳ ـ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر الذی رأى الأمام فی ضوءه ، أنّ تکلیفه الشرعی یوجب علیه العمل بمحتواه لمواجهه الأوضاع الفاسده .
أمّا العامل الأول ( البیعه لیزید ) ، فلم یکن هذا الأمر بالجدید على الأمام ، ولا کان غائباً عن تفکیره ، فلطالما کان هذا الأمر یؤرِّق معاویه أیَّام خلافته ، وقد سعى جاهداً من أجل التمهید لانتقال سلطه الخلافه من بعده لابنه یزید .
والتاریخ یذکر لنا ، أنّ معاویه قد ذهب بنفسه ، أیَّام اغتصابه الخلافه ، إلى المدینه لکی یمهِّد لهذا الأمر ، بعد أن نقض شروط الصلح مع الإمام الحسن (علیه السلام) ، فقام بتدبیر موته بالسم ، والتقى ببعض وجهائها . وکان من أبرز مَن التقاهم : عبد الله بن الزبیر ، وعبد الله بن عمر ، والإمام الحسین بن علی (علیه السلام) . وحاول من خلال ما عُرف به من دهاء ، إیصال فکره استخلاف أبنه یزید من بعده ، ولکنّ الوقائع التاریخیه تقول إنّه أخفق فی ذلک .
وبعد وفاته سارع ابنه یزید ، بإرسال مبعوث عنه إلى المدینه ، محمّلاً إیّاه رسالتین فی وقت واحد ، کانت الأُولى تحمل نبأ وفاه معاویه إلى أهل المدینه ، بینما کانت الثانیه یطلب یزید فیها من عامل المدینه ، بأن یستدعی الحسین (علیه السلام) ویأخذ البیعه منه عنوه وقسراً ، وإنْ رفض ذلک ، فلا خیار لک فی قتله : ( خذ الحسین بالبیعه أخذاً شدیداً ) .
لکن الإمام (علیه السلام) لم یستجب لهم ، ورفض أن یبایع لیزید . وکان هذا الرفض من جانب الإمام الحسین (علیه السلام) یعنی الشیء الکثیر بالنسبه لمستقبل خلافه یزید . وبعد أن تدارس الإمام (علیه السلام) وضعه ، قرَّر الانتقال من المدینه إلى مکَّه ، وکان فی قراره نفسه یعرف ، أنّ یزیداً سوف لا یترکه دون أن یخطِّط لاغتیاله . وفعلاً کان حدس الإمام صحیحاً وفی مکانه ؛ إذْ إنّ یزید أرسل ثلاثین رجلاً لیقوموا باغتیال الإمام (علیه السلام) .
أمّا رأی الإمام (علیه السلام) فی هذه البیعه ورفضه لها ، فقد شاع خبره بین الناس : ( مثلی لا یبایع مثله أبداً ) . وفی کلام آخر للإمام (علیه السلام) فقد بیّن للناس حقیقه یزید وما هو علیه من فساد : ( وعلى الإسلام السلام ، إذْ بُلیتْ الأُمَّه براعٍ مثل یزید ) .
أمّا العامل الثانی ، فهو دعوه أهل الکوفه للإمام ، ومؤازرتهم له ، والطلب إلیه التوجُّه إلى العراق . وهم قد سمعوا حتماً أخبار رفض الإمام البیعه لیزید ، وعدم رضوخه لسلطته الجائره . ومن المعروف أنّ الکوفیین کانوا قد ذاقوا مراره سیاسه معاویه تجاههم ، فضلاً عن قیامه بقتل بعض الرموز البارزه من الکوفیین .
إذن ، والحال هذه ، فإنّ التکلیف الشرعی یدعو الإمام الحسین (علیه السلام) لأن یستجیب لدعوه الکوفیین له ؛ طالما أبْدوا له تأییدهم واستعدادهم للوقوف إلى جانبه .
إضافه إلى أنّ هذه الدعوه هی بمثابه حجه على الإمام ألقاها الکوفیون فی عنقه ، وعلیه ینبغی الاستجابه لهذه الدعوه ؛ لأنّها تلتقی ضمنیاً مع مبدأ الأمر بالمعروف الذی هو العامل الثالث من عوامل الثوره .
والحقیقه أنّ فریضه الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، تعتبر الأکثر حضوراً فی ذهن وتخطیط الإمام (علیه السلام) ، خاصهً وهو یرصد عن وعی ما آلت إلیه الأمور من الفساد والجور ، وانتهاک حدود الله ، فی ظل حاکم فاسد مثل : یزید .
والدلیل على أنّ الحسین (علیه السلام) کان جُلّ تفکیره منصبّاً للعمل بموجب مبدأ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، هو ما نراه فی خطاباته وحواراته فی تلک الفتره ، والتی عبّرت ، بشکل أو بآخر ، عن رفض الإمام (علیه السلام) المطلق لسلطه یزید اللاَّشرعیه . وإنّ هذه الخطابات والمراسلات کانت تشیر بوضوح ، إلى أنّه کان یتحرَّک وفقاً لمعیار الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، حتى أنّه (علیه السلام) قد ذکر ذلک صراحه ، معتبراً هذا المبدأ شعاره الرئیسی ، الذی ینبغی السعی إلى تحویل محتواه إلى واقع عملی ملموس . ونجد ذلک فی وصیَّته لأخیه محمد بن الحنفیه ، إذْ یقول : ( إنّی لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ؛ وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح فی أُمَّه جدِّی . أُرید أن آمر بالمعروف وأنهی عن المنکر ، وأسیر بسیره جدِّی وأبی ) .
وعلى العموم یمکننا فی الختام أن نلمس بعض الترابط الذی یجمع ما بین هذه العوامل الثلاثه رغم خصوصیه کل منهما .. فنستطیع القول :
إنّه بناءً على موقف الإمام (علیه السلام) الرافض وبشده لبیعه یزید ، وتحرُّکه من المدینه إلى مکَّه ، فهذا التحرُّک یعنی من ضمن ما یعنیه ، أنّ موقف الإمام (علیه السلام) وفی هذا الظرف بالذات ، کان موقفاً دفاعیاً عن النفس ، ولکنّه بوجهه الآخر ینطلق من موقف مبدأی للإمام (علیه السلام) فحواه : أنّ هذا الرفض للبیعه هو امتناع عن فعل منکر ؛ لأنّ البیعه لفاسد من أنکر المنکرات .
بینما العامل الثانی ( وأقصد به : استجابه الإمام (علیه السلام) لدعوه أهل الکوفه له والتوجُّه إلى العراق ؛ إذْ ناصروه من خلال آلاف الرسائل الموجَّهه إلیه منهم ) ، فإنّه یعنی التکلیف الشرعی للإمام (علیه السلام) ، یجیز له قبول هذه الدعوه ؛ لأنّ هذه الدعوه تعنی فی أحد وجوهها : أنّها حجه ملقاه على الإمام (علیه السلام) ، وإنّه لیدرک ذلک تماماً .
بینما وجهها الآخر فی حاله استجابته لدعوه الکوفیین ، فإنّ الإمام (علیه السلام) سیکون قد انتقل من محدودیه ظرف العامل الأوَّل ، والتی کانت ـ کما قلنا ـ مرحله دفاع عن النفس ، إلى مرحله أخرى، تکون فی مرتبتها الأُولى التهیّؤ والاستعداد ، بینما مراحلها اللاحقه سیکون من شأنها توفیر بعض عناصر القوه التی یستطیع الإمام (علیه السلام) من خلالها الانتقال من مرحله الدفاع المحض عن النفس ، إلى مرحله الهجوم إنْ تطلَّبت المرحله ذلک …
أمّا العامل الثالث ( وأعنی به : الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ) ، فأنّ هذا العامل هو الحاکم على العاملین السابقین ، لا بل هو المیزان الذی یزن به الإمام کل المستجَدَّات والتطوُّرات ، وعلى کل الأصعده ، بحیث إنّ الإمام (علیه السلام) جعله الشعار المرکزی لنهضته ، منذ تحرُّکه من المدینه المنوَّره ، مروراً بمکّه ، وإلى لحظه استشهاده هو وأهل بیته وصحبه (علیهم السلام) .