کیفیه خلق حوّاء

0

( یاأَیُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَه وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجالاً کَثِیراً و نِساءً… ) .( [۱])
ونحن إذا أمعنا النظر فی الآیه المبارکه نجد أنّه قد استعمل الحرف «من» فی قوله: ( خَلقَ منها ) ، وهذا یعنی انّ حوّاء من نفس الجنس الذی خلق منه آدم(علیه السلام) ، لأنّ «من» هنا لبیان الجنس بمعنى أنّ البشریه ترجع إلى أب واحد وأُم واحده وإلى زوجین متماثلین فی الخلق، وانّهما جمیعاً قد خلقا من التراب.
ثمّ إذا أمعنا النظر أیضاً فی عملیه عطف خلق حواء على آدم یتّضح لنا انّ المراحل التی طوتها عملیه خلق آدم هی بعینها قد مرّت فیها عملیه خلق حواء أیضاً، وانّ الآیه تهدف إلى تحقیق مفهوم أخلاقی سام طالما انتظرته البشریه طویلاً، وهو إلغاء حاله التمییز العنصری الذی ابتلیت به، ذلک التمییز الکاذب الذی یبتنی على مجموعه من الأمجاد الواهیه کاللغه أو اللون أو الوطن أو الزمان و…، فإذن الآیه تؤکد أنّ جمیع البشر یرجعون إلى أصل واحد فلا مبرر لهذا التمییز المبنی على العنصر أو اللغه أو الوطن، ولا فضل ولا امتیاز لأحدهما على الآخر إلاّ بالتقوى.
وقد فسّر البعض حرف الجرّ فی الآیه «من» قائلاً: إنّه یفید «التبعیض» والجزئیه، أی انّ حواء خلقت من جسم آدم(علیه السلام) ، واعتمدوا فی هذا المجال على مجموعه من الروایات الضعیفه التی لا اعتبار لها فی التراث الشیعی تشیر إلى أنّ حواء خلقت من الضلع الأیسر لآدم. إلاّ أنّ هذا التفسیر غیر صحیح لوجهین:
۱٫ إنّ الآیات التی تحدّثت عن خلق مطلق الزوجات، قد ورد فیها نفس التعبیر الذی جاء بخصوص حوّاء(علیها السلام) حیث قال سبحانه:
( وَ مِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْکُنُوا إِلَیْهَا ) .( [۲])
وهل یوجد عاقل یدّعی أنّ کلّ رجل قد خلقت منه زوجته اعتماداً على هذا التفسیر؟!
فمن الواضح أنّ مراد الآیه هو انّ اللّه خلقهنّ من جنسکم أیُّها الرجال، لا أنّه خلقهنّ من أعضاء جسمکم.
۲٫ انّ فکره خلق حواء من ضلع آدم من الأفکار التی وردت فی التوراه ( [۳])، وهذا یدلّ وبوضوح على انّ تلک الروایات هی من الموضوعات و الإسرائیلیات التی دسّت فی التراث الإسلامی، هذا من جهه; ومن جهه ثانیه انّ هناک العدید من الروایات والأحادیث الإسلامیه التی تعارض تلک الروایات و تفنّد وتکذّب فکره الخلق تلک المزعومه( [۴]).( [۵])
[۱] . النساء: ۱٫
[۲] . الروم: ۲٫ وانظر النحل:۷۲، الشورى:۱۱، الذاریات: ۴۹٫
[۳] . التوراه، سفر التکوین، الفصل الثانی، الجمله۲۱، طبع لندن، عام ۱۸۵۶م.
[۴] . تفسیر العیاشی:۱/۲۱۶، الحدیث ۷٫
[۵] . منشور جاوید:۱۱/۱۰۹ـ ۱۱۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.