اللّه ومسأله الهدایه والضلاله

0

انّ تحلیل هذا التساؤل المهم وبیان أمر الهدایه والضلاله المنسوبین إلیه سبحانه لا یمکن أن یتمّ من دون جمع الآیات ودراستها بإمعان وتحلیلها تحلیلاً علمیاً محکماً، ولکن یمکن من خلال التفریق بین نوعین من الهدایه: الهدایه العامه، والهدایه الخاصه، ومن خلال الإمعان فی معنى الهدایه الخاصه یتّضح جلیاً معنى الإضلال والخذلان الإلهی.
الهدایه العامّه
والمراد منها أنّه سبحانه من خلال نداء الفطره الإنسانیه ودعوه العقل، وبعث الرسل والأنبیاء، یمهد طریق الهدایه والسعاده أمام جمیع الناس، وکذلک یبیّن لهم طریق الشقاء والانحراف، وقد تعلّقت الإراده والمشیئه الإلهیه بأن یقع جمیع أفراد البشر تحت هذا النوع من الهدایه والإرشاد، ویشهد على ذلک الکثیر من الآیات المبارکه کقوله تعالى:
( …قَدْجاءَکُمُ الحََقُّ مِنْ رَبِّکُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما یَهْتَدِی لِنَفْسِِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما یَضِلُّ عَلَیْها وَمَا أَنَا عَلَیْکُمْ بَِِوَکِیل ) .( [۱])
فقد أشار القرآن الکریم فی الآیه المذکوره إلى الهدایه العامه وشمولیتها بقوله: ( فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما یَهْتَدِی لِنَفْسِهِ ) وانّ هذه الهدایه شامله للجمیع بحیث یتسنّى للکلّ أن یستفیدوا من تلک الوسائل الموصله إلى الهدایه، والتی تتمثل فی «الفطره والعقل وبعث الرسل» فانّه سبحانه جهّز الجمیع بتلک الطاقات والإمکانات ولم یحرم منها أحداً من الناس.
الهدایه الخاصه
والمراد من هذا النوع من الهدایه هو الإمداد الغیبی الذی یوصل الإنسان إلى مراده بصوره أسرع، وهذا النوع خارج عن قدرات الإنسان وإمکاناته، وانّه یختص بجمله من الأفراد الذین استضاءُوا بنور الهدایه العامه واستفادوا منها، الذین لم یخالفوا نداء الفطره ودلیل العقل ودعوه الرسل، وهکذا استطاعوا وضع أنفسهم تحت مصب الرحمه الإلهیه، وفی طریق نسیم الهدایه الربانیه لینالوا السعاده القصوى والکمال المطلق، یقول سبحانه فی حقّ هذه الطائفه: ( وَالّذِینَ اهْتَدَوا زادَهُمْ هُدىً… ) .( [۲]) وقال سبحانه أیضاً: ( وَالّذِینَ جاهَدُوا فِینَا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِینَ ) .( [۳])
فإذا اتّضح انّ المراد من الهدایه هو تهیئه وتوفیر سبل السعاده ووسائل الرشاد لمن استفاد من الهدایه العامه وتثبیتهم وتسدیدهم فی مزالق الحیاه إلى سبل النجاه. وانّ المراد من الضلاله هو منعهم وحرمانهم من هذه المواهب وخذلانهم فی الحیاه وإیکالهم إلى أنفسهم، من هنا نجد أنّ طائفه من آیات الذکر الحکیم التی تتعلّق بالضلاله تقول:
( وَیُضِلُّ اللّهُ الظّالِمین… ) .( [۴])
و ( کَذلِکَ یُضِلُّ اللّه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتابٌ ) .( [۵])
( …کَذلِکَ یُضِلُّ اللّهُ الکافِرین ) .( [۶])
فهذه الآیات ونظائرها فی القرآن الکریم کثیره جداً حیث تبیّن وبوضوح تام العلّه والسبب فی ضلال هؤلاء إذ تقول: لأنّهم ظالمون ومسرفون وکافرون ومرتابون و… فلذلک فهم ضالّون، وهذا یعنی وبوضوح أنّهم لم یستفیدوا من تلک الإمکانات والمواهب التی منحهم اللّه سبحانه إیّاها فی مرحله الهدایه العامه، فلذلک لم یقعوا مورداً للعنایه الإلهیه الخاصه ولم یشملهم ذلک اللطف وتلک الرحمه الإلهیه حیث منعهم سبحانه من تلک المواهب التی أفاضها فی مرحله الهدایه الخاصه، لأنّهم ـ و بسبب فسقهم وظلمهم وإسرافهم ـ لم یکونوا جدیرین بهذا اللطف الإلهی الخارج عن العاده. وحال هؤلاء کحال من یسأل عن الطریق فیرشد إلیه ویقال له: اسلک هذا الطریق، فإذا وصلت إلى المکان الفلانی فإنّک ستجد هناک علامه کذا، حینها تکون قد وصلت إلى مرادک ومقصودک.
فلا ریب انّ هذا الفرد إنّما یستفید من هذا الإرشاد فی حاله واحده وهی فیما إذا سلک ذلک الطریق ووصل إلى العلامه التی أُشیر إلیها، وهذا یعنی أنّ الوصول إلى المقصد الثانی والاستفاده من العلامه التی هی دلیله لا تتمّ إلاّ بعد الاستفاده من الدلیل الأوّل، وهو طی ذلک الطریق الذی وصف له. وأمّا إذا لم یستفد من الدلیل الأوّل ولم یسلک ذلک الطریق، أو أنّه سار على عکس الطریق الذی رسم ووصف له، فلا ریب أنّه لا یمکن له أن یستفید من الدلیل الثانی (العلامه) ثمّ الوصول إلى مراده.
إذاً ومن خلال هذا المثال الحسّی یتّضح لنا جلیاً مفاد قوله تعالى: ( فَیُضِلُّ اللّهُ مَنْ یَشاءُ وَیَهدی مَنْ یَشاءُ ) ، فإنّ الآیه تشیر وبلا ریب إلى الهدایه الخاصه، وانّ المراد من الهدایه هو توفیر مقدّمات السعاده والهدایه الخاصه، والمراد من الضلاله قطع تلک العنایه الإلهیه، ولا علاقه للآیه أبداً بمسأله الجبر لا من بعید ولا من قریب.
إذا اتضّح هذا الجانب من البحث، لابدّ من الإشاره إلى عامل آخر من عوامل الضلاله الذی یتعلّق بانحراف وضلال الإنسان فقط وهو:
العامل الثانی من عوامل الضلال
إنّ القرآن الکریم یذکر ـ و فی مناسبات مختلفه ـ مجموعه من العوامل التی لا تکون نتیجتها إلاّ الانحراف والضلال وإخراج الإنسان عن الصراط المستقیم والطریق القویم، وإنّ معرفه هذه العوامل لمن أراد السعاده والتکامل والفوز بالرضوان تکون سبباً للصلاح والفلاح والتکامل، لأنّه صحیح أنّ تلک العوامل مهلکه وانّها سبب الانحطاط والانحراف لمن استسلم لها وأسلس لها العنان بحریته وإرادته فأهوت به فی درک المهالک، إلاّ أنّ نفس تلک العوامل تکون سبباً لنجاه وهدایه وتکامل المؤمنین الواعین والمنتبهین إلى خطوره الطریق ووعوره المسلک وتکون سبباً لثبات واستحکام أُسسهم الدینیه والأخلاقیه.
وذلک لأنّ الإنسان عندما یدرک انّ له رقیباً وعدواً یرصد حرکاته وسکناته، فلا ریب أنّ هذا الإدراک وهذا الوعی لا یخلو من نفع وفائده، لأنّ العدو سیکون السبب فی معرفه الإنسان بنقاط الضعف والخلل الموجوده فیه ثمّ السعی لمعالجتها وإصلاحها.
وهکذا الکلام فی المجتمع فإنّ المجتمع الذی تنتفی فیه الرقابه والمنافسه الشریفه، والمعقوله، فإنّه سیصاب لا محاله بحاله من الرکود والخمول والتراجع إلى الوراء ثمّ تکون عاقبه ذلک کلّه الاندثار والإباده.
إنّ «الشیطان» هو العدو اللدود للإنسان، وإنّ هذا العدو الذی أقسم على غوایه الإنسان وإضلاله ( فَبِعِزَّتِکَ لأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعین * إِلاّ عِبادکَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصین )( [۷]) فهذا العدو الخطیر ـ نفسه ـ یُعدّ سبباً لتکامل عباد اللّه المخلصین الذین عرفوه وأدرکوا خططه ومکره وحبائله، وصمّموا على مواجهته وإفشال وإحباط جمیع خططه وتمزیق جمیع مصائده وتقطیع حبائله. وذلک لأنّ الإنسان عندما یدرک أنّ هناک عدواً خفیاً یتحیّن الفرص للانقضاض علیه وإلقائه فی الهلکه، حینئذ یبقى هذا الإنسان یقظاً منتبهاً یرصد ما حوله ویحاول الاستفاده من کلّ إمکاناته واستعدادته للخلاص من هذا العدو الماکر، وحینئذ سوف تتکامل قدراته وتترسّخ أُسسه وتقوى إرادته و….
ثمّ إنّ وجود العدو بالنسبه إلى الإنسان ـ فرداً أو جماعه ـ کوجود المیکروبات التی تحفّز فی داخل الإنسان عوامل المقاومه والمواجهه ثم توفر له عوامل الاستقامه والثبات، ولذلک فإنّ الإنسان الذی یسعى للعیش فی فضاء خال من کلّ أنواع المیکروبات ولا یتناول من الطعام والفواکه إلاّ المعقم، فلا ریب سوف یسقط أمام أیّ حاله یتعرض فیها لهجوم المیکروبات الخفیه التی لم یلتفت إلیها، مثله مثل الرواتع الخضره( [۸]) التی تسقط أمام النسیم فضلاً عن الأعاصیر، ولذلک نجد الأطباء ـ الیوم ـ ینصحون بانتهاج طریق وسط بالنسبه إلى المیکروبات للحفاظ على سلامه البدن فی مقابل تعرضه لهجوم تلک الموجودات الخفیه.( [۹])
[۱] . یونس: ۱۰۸٫
[۲] . محمد: ۱۷٫
[۳] . العنکبوت: ۶۹٫
[۴] . إبراهیم: ۲۷٫
[۵] . غافر: ۳۴٫
[۶] . غافر: ۷۴٫
[۷] . ص:۸۲ـ ۸۳٫
[۸] . الأشجار والأعشاب الغضّه الناعمه التی تنبت فی الأرض الندیه.
[۹] . منشور جاوید:۳/۱۵۳ـ ۱۵۶٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.