رؤیه الله عقیده یهودیه مستورده
نشرت الجمعیه العلمیه السعودیه لعلوم السنّه مقالاً حول رؤیه الله ـ جلّ جلاله ـ یوم القیامه، ونسبتها إلى الصحابه والتابعین وأئمّه الإسلام المعروفین بالإمامه فی الدین وأهل الحدیث وسائر طوائف أهل الکلام المنسوبین إلى السنّه والجماعه، ثمّ استدلّ صاحب المقال بأدلّه من الکتاب والسنّه على أنّ رؤیه الله بالأبصار جائزه عقلاً فی الدنیا والآخره، ثمّ استدلّ بآیات متعدّده سوف ندرسها کما استدلّ بحدیث عن أبی هریره فی الصحیحین.
قبل دراسه الأدلّه نذکر مقدّمه وهی:
إنّ الاعتقاد بالرؤیه عقیده یهودیه أصیله جاءت فی العهد القدیم وإلیک مقتطفات منها:
۱٫ رأیت السید جالساً على کرسی عال فقلت: ویل لی لأنّ عینیّ قد رأتا الملک رب الجنود.( ۱)
۲٫ کنت أرى أنّه وضعت عروش وجلس القدیم الأیام، لباسه أبیض کالثلج، وشعر رأسه کالصوف النقی، وعرشه لهیب نار.(۲ )
۳٫ أمّا أنا فبالبر أنظر وجهک.( ۳)
۴٫ فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لأنّنا قد رأینا الله.( ۴)
۵٫ فغضب الرب على سلیمان، لأنّ قلبه مال عن الرب، إله إسرائیل الذی تراءى له مرّتین.( ۵)
۶٫ وقد رأیت الرب جالساً على کرسیّه وکلّ جند البحار وقوف لدیه.( ۶)
۷٫ کان فی سنه الثلاثین فی الشهر الرابع فی الخامس من الشهر وأنا بین المسبیین. عند نهر خابور، أنّ السماوات انفتحت فرأیت رؤى الله ـ إلى أن قال: ـ هذا منظر شبه مجد الرب ولما رأیته خررت على وجهی وسمعت صوت متکلم .( ۷)
هذا نزر یسیر ممّا ورد فی العهد القدیم الذی یرکّز على رؤیه الله تعالى فی الدنیا فضلاً عن الآخره.
إنّ مَن تدبّر فی آیات الذکر الحکیم یقف على أنّه کلّما یذکر الرؤیه فإنّما یذکرها بإنکار واستنکار، یقول سبحانه مسلّیاً للنبی الأکرم(صلى الله علیه وآله):(یَسْأَلُکَ أَهْلُ الْکِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَیْهِمْ کِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَکْبَرَ مِنْ ذَلِکَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَهً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَهُ بِظُلْمِهِمْ…).(۸ )
ولمّا سأل الکلیم ـ بضغط من قومه ـ رؤیته سبحانه وقال: (ربّ أرنی أنظر إلیک)( ) أُجیب بنفی قاطع، قال: (لن ترانی) إلى غیر ذلک من الآیات التی تدلّ على أنّ الرؤیه أمر مستحیل وأنّ طلبه محال، وأنّ الإصرار علیه یستوجب العتاب والعقاب.
وأی کلام أوضح فی بیان العقیده الإسلامیه من قوله سبحانه:(لاَ تُدْرِکُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوَ یُدْرِکُ الأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ)( ۱۰)، ومن المعلوم أنّ الإدراک إذا نسب إلى الأبصار یراد به الرؤیه البصریه، وإذا نسب إلى السمع یراد به الإدراک بالسمع. وحاصل الآیه أنّه یَرى ولا یُرى کما تفرّد سبحانه بالصفات التالیه; فهو یطعم ولا یُطعَم ویجیر ولا یجار علیه، قال سبحانه:(أَغَیْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِیًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ یُطْعِمُ وَ لاَ یُطْعَمُ)(۱۱ )، وقال سبحانه:(قُلْ مَنْ بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَیْء وَ هُوَ یُجِیرُ وَ لاَ یُجَارُ عَلَیْهِ إِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).( ۱۲)
ولسنا فی هذا المقال بصدد سرد أدلّه المنکرین فإنّها مذکوره فی الکتب الکلامیه والتفاسیر وغیرهما، وإنّما الغایه نقد المقال الذی نشرته الجمعیه العلمیه السعودیه لعلوم السنّه (لاحظ موقعهم على شبکه الانترنت بعنوان www.sunnah.org.sa).
کان الرأی السائد تبعاً للذکر الحکیم وکلمات العتره الطاهره هو تنزیه الله سبحانه عن الرؤیه بالإبصار، إلاّ أنّ أوّل من نشر الرؤیه بین المحدّثین هو کعب بن ماتع الحمیری المعروف بکعب الأحبار، فقد کان حبراً یهودیاً ماکراً استطاع أن یستقطب عدداً من الصحابه والمحدّثین بمکره الثعلبی، وکان یرکّز فی کلماته على أمرین:
۱٫ الترکیز على التجسیم
قال: إنّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّی واطئ على بعضک، فاستعلت إلیه الجبال وتضعضعت له الصخره فشکر لها ذلک، فوضع علیها قدمه فقال: هذا مقامی ومحشر خلقی وهذه جنتی وناری وهذا موضع میزانی، وأنا دیّان الدین.( ۱۳)
۲٫ الترکیز على رؤیه الله
من کلامه أیضاً:إنّ الله تعالى قسّم کلامه ورؤیته بین موسى و محمّد(۱۴ ).
وعلى هذا فلا تعجب من أن تصبح الرؤیه عقیده إسلامیه یرکّز علیها إمام الحنابله والأشاعره حتى المفکّرین منهم تبعاً للصحیحین.
وها نحن ندرس الآیات التی استدلّ بها فی المقال المذکور على وجه الإیجاز.
الدلیل الأوّل(لصاحب المقال)
قوله تعالى:(وُجُوهٌ یَوْمَئِذ نَاضِرَهٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَهٌ).(۱۵ )
وقال: وهی من أظهر الأدلّه وأمّا من أبى إلاّ تحریفها بما یسمّیه تأویلاً، فتأویل نصوص المعاد والجنه والنار والحساب أسهل من تأویلها على أرباب التأویل، وهذا هو الذی أفسد الدنیا والدین، هکذا فعلت الیهود والنصارى فی نصوص التوراه والإنجیل حذّرنا الله أن نفعل مثلهم، فهل قتل عثمان إلاّ بالتأویل الفاسد، وکذا ما جرى فی یوم الجمل وصفین ومقتل الحسین والحرّه.(۱۶ )
أقول: فقد عزب عن الکاتب أنّ التدبّر فی الآیه غیر التأویل، فقد أمر الله سبحانه بالتدبّر فی الآیات وقال: (أَفَلاَ یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(۱۷ ).
وقد شغلت هذه الآیه بال الأشاعره والمعتزله، فالفرقه الأُولى تصرّ على أنّ النظر بمعنى الرؤیه، والثانیه تصرّ على أنّها بمعنى الانتظار لا الرؤیه .
ونحن نقول: إنّ النظر سواء أُرید به المعنى الأوّل أو المعنى الثانی لا یدلّ على الرؤیه، وذلک لأنّ المستدلّ لم یذکر مجموع الآیات الأربع التی کلّ یقابل الآخر، وإلیک نقل الآیات ثم تنظیمها:
۱٫ (وُجُوهٌ یَوْمَئِذ نَاضِرَهٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَهٌ*وَ وُجُوهٌ یَوْمَئِذ بَاسِرَهٌ * تَظُنُّ أَنْ یُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَهٌ).
هذه هی الآیات الأربع فی سوره القیامه، وبالمقابله یمکن أن یتیسّر لنا فهم الآیه ورفع إبهامها، ولیس تفسیر الآیه بآیه أُخرى تأویلاً وإنّما هو تدبّرٌ أُمرنا به، وإلیک تنظم الآیات حسب المقابله.
(وُجُوهٌ یَوْمَئِذ نَاضِرَهٌ) یقابلها قوله:(وُجُوهٌ یَوْمَئِذ بَاسِرَهٌ)
(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَهٌ)یقابلها قوله:(تَظُنُّ أَنْ یُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَهٌ)
وبما أنّ قوله:(تَظُنُّ أَنْ یُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَهٌ) واضح المعنى، یکون قرینه على المراد من مقابلها أعنی قوله:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَهٌ)فإذا کان المقصود من المقابل أنّ الطائفه العاصیه تظن وتتوقع أن ینزل بها عذاب یکسر فقارها، ویقصم ظهرها، یکون المراد من عِدله وقرینه عکسه وضدّه، ولیس هو إلاّ أنّ الطائفه المطیعه تکون مستبشره برحمته ومتوقعه فضله وکرمه، لا النظر إلى جماله وذاته وهویته وإلاّ لخرج المتقابلان عن التقابل فی المعنى، وهو خلف.
وأنت ترى أنّ هذا النوع من التفسیر استنطاق آیه بآیه أُخرى، والله سبحانه یصف القرآن بقوله:(تِبْیَانًا لِکُلِّ شَیْء)، وحاشا أن یکون تبیاناً لکلّ شیء ولا یکون تبیاناً لنفسه.
وإن شئت توضیحاً أکثر فنقول:
یجب أن یکون المتقابلان ـ بحکم التقابل ـ متّحدی المعنى والمفهوم. ولا یکونان مختلفین فی شیء سوى النفی والإثبات، فلو کان المراد من المقابل الأوّل ـ أعنی: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَهٌ) ـ هو رؤیه جماله سبحانه وذاته، فیجب أن یکون الجزاء فی قرینه ـ أعنی: (تَظُنُّ أَنْ یُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَهٌ) ـ هو حرمان هؤلاء عن الرؤیه أخذاً بحکم التقابل.
وبما أنّ تلک الجمله ـ أعنی: القرین الثانی ـ لا تحمل ذلک المعنى، أعنی: الحرمان من الرؤیه، بل صریحه فی انتظار العذاب الفاقر، یکون ذلک قرینه على المراد من القرین الأوّل وهو رجاء رحمته وانتظار فرجه وکرمه.
***
ثمّ إنّ فی الآیه دلیلاً واضحاً على أنّ المراد من النظر غیر الرؤیه; وذلک لأنّه إذا أُریدت الرؤیه نسب النظر إلى العیون لا إلى الوجوه، فالمسند إلیه فی الآیتین هو الوجوه:
(وُجُوهٌ یَوْمَئِذ نَاضِرَهٌ)
(وُجُوهٌ یَوْمَئِذ بَاسِرَهٌ)
وهذا یدلّ على أنّ النظر حتى بمعنى الرؤیه کنایه عن الانتظار لرحمه الله سبحانه، وهو دلیل على أنّه کُنّی بالنظر إلى الله عن الانتظار لرحمته وشمول فضله وکرمه، وله نظائر فی الکتاب العزیز، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِینَ یَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَ أَیْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِیلاً أُولَئِکَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِی الآخِرَهِ وَ لاَ یُکَلِّمُهُمُ اللهُ وَ لاَ یَنْظُرُ إِلَیْهِمْ یَوْمَ الْقِیَامَهِ وَ لاَ یُزَکِّیهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ).(۱۸ )
والمراد من قوله: (وَ لاَ یَنْظُرُ إِلَیْهِمْ) هو المعنى المکنّی عنه، أی عدم شمول رحمته لهم.
إلى هنا تبیّن مفهوم الآیه وأنّ ما ذکرناه هو مدلولها لکن بشرط التدبّر، ولا صله له بالتأویل الباطل الذی ورد فی النص النبوی: «أنّ مَن فسّر القرآن برأیه فلیتبوّأ مقعده من النار».
الدلیل الثانی(لصاحب المقال)
قد طمع موسى فی رؤیه الله فأخبره ربه أنّه لن یراه فی الدنیا ولا یستطیع، قال تعالى:(وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِیقَاتِنَا وَ کَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِی أَنْظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِی…)(۱۹ ).
فلو کانت الرؤیه أمراً مستحیلاً لما یخفى على موسى أنّه مستحیل.
یلاحظ علیه: أنّ المستدلّ أخذ بآیه واحده، وترک التدبّر فی سائر الآیات الوارده حول الموضوع، وتصوّر أنّ الکلیم ابتدأ بالسؤال وأُجیب بالنفی، وعلى ذلک بنى استدلاله بأنّه لو کان ممتنعاً لمّا سأله الکلیم.
ولکن الحقیقه غیر ذلک وإلیک بیانها: إنّ الکلیم لمّا أخبر قومه بأنّ الله کلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا لن نؤمن بک حتى نسمع کلامه کما سمعت، فاختار منهم سبعین رجلاً لمیقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سیناء وسأله سبحانه أن یکلمه فلمّا کلّمه الله وسمعوا کلامه، قالوا: (لن نؤمن لک حتى نرى الله جهره)فعند ذلک أخذتهم الصاعقه بظلمهم وعتوّهم واستکبارهم.
وإلى هذه الواقعه تشیر الآیات التالیه:
۱٫ (وَ إِذْ قُلْتُمْ یَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَکَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَهً فَأَخَذَتْکُمُ الصَّاعِقَهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).( )
۲٫ (یَسْأَلُکَ أَهْلُ الْکِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَیْهِمْ کِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَکْبَرَ مِنْ ذَلِکَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَهً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَهُ بِظُلْمِهِمْ).( )
۳٫ (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِینَ رَجُلاً لِمِیقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَهُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَکْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِیَّایَ أَتُهْلِکُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِیَ إِلاَّ فِتْنَتُکَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِی مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِیُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ أَنْتَ خَیْرُ الْغَافِرِینَ).( )
إلى هذه اللحظه الحسّاسه لم یُحم الکلیم حول الرؤیه ولم ینبس بها ببنت شفه ولم یطلب شیئاً، بل طلب منه سبحانه أن یجیبهم حتى یدفع اعتراض قومه من نفسه إذا رجع إلیهم، فلربما قالوا: إنّک لمّا لم تکن صادقاً فی قولک: إنّ الله یناجیک، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلک أحیاهم الله وبعثهم معه کما یحکی مقاله عنه سبحانه ویقول: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَکْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِیَّایَ أَتُهْلِکُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِیَ إِلاَّ فِتْنَتُکَ).
فلو کان هناک سؤال من موسى فإنّما کان بعد هذه المرحله وبعد إصابه الصاعقه للسائلین وعودهم إلى الحیاه بدعاء موسى.
وعند ذلک یطرح السؤال الآتی:
هل یصحّ أن ینسب إلى الکلیم ـ بعد ما رأى بأُمّ عینیه ما أصاب القوم من الصاعقه والدمار، إثر سؤالهم ـ الرؤیه وأنّه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرّر أو بلا ضروره؟ أو أنّه ما قام بالسؤال ثانیاً إلاّ بعد إصرار قومه وإلحاحهم علیه أن یسأل الرؤیه لا لهم بل لنفسه، حتى تحصل رؤیه الله مکان رؤیتهم، فیؤمنوا به بعد إخباره لهم بالرؤیه.
لا شکّ أنّ الأوّل بعید جداً لا تصحّ نسبته إلى مَن یملک شیئاً من العقل والفکر، فضلاً عن نبی عظیم مثل الکلیم، کیف وقد رأى جزاء مَن سأل الرؤیه، فالثانی هو المتعیّن.
وفی نفس الآیه قرائن تدلّ على أنّ السؤال فی المرّه الثانیه کان بإصرار القوم وإلحاحهم وکفى فی القرینه، قوله:(أَتُهْلِکُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)حیث یعدّ سؤال الرؤیه من فعل السفهاء، ومعه کیف یصحّ له الإقدام بلا ملزم ومبرّر أو بلا ضروره وإلجاء، وبما أنّ الله سبحانه یعلم بأنّه لم یقدم على السؤال إلاّ بإصرار قومه حتى یفحم هؤلاء ویسکتهم، لم یوجّه إلى الکلیم أیّه مؤاخذه بل خاطبه بقوله:(لَنْ تَرَانِی وَ لَکِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِی).
***
ونحن نعید السؤال على المستدلّ بأنّ المسلمین اتّفقوا على امتناع رؤیه الله فی الدنیا أو عدم جواز طلبها، فحینئذ فهل کان موسى جاهلاً بهذا الأمر، أو عالماً؟ والأوّل غیر لائق بمقام کلیم الله، والثانی ینافی عصمته، إذ مع علمه بالامتناع أو بعدم جواز الطلب، فکیف طلب رؤیه الله من غیر مبرر وبلا سبب وجیه؟!
الدلیل الثالث(للکاتب)
قوله تعالى فی الکفّار:(کَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ یَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِیمِ)(۲۳ ).
فلو کان الحجب عامّاً للکافر والمؤمن لما کان وجه لتخصیص الکفّار به.
یلاحظ علیه: أنّ الاستدلال مبنی على أنّ المراد من الحجب هو الحرمان عن رؤیه الله سبحانه، مع أنّ المناسب لظاهر الآیه کونهم محجوبین عن رحمه ربهم بسبب الذنوب التی اقترفوها.
وإلیک الآیه مع ما قبلها وما بعدها:
(إِذَا تُتْلَى عَلَیْهِ آیَاتُنَا قَالَ أَسَاطِیرُ الأَوَّلِینَ * کَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا کَانُوا یَکْسِبُونَ * کَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ یَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِیمِ ).(۲۴ )
فإنّ لحن الآیه یکشف عن غضب الله علیهم من أجل وصف الآیات بأنّها من أساطیر الأوّلین، وعندئذ استوجبوا أمرین:( کَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ یَوْمَئِذ لَمَحْجُوبُونَ)، أی محرومون عن رحمته ومغفرته، وبالتالی: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِیمِ) أی یصلون النار، ولا دلاله فی الآیه على أنّ المراد هو الحجب عن الرؤیه وإنّما هو تأویل جرّ القائل إلیه الرأی المسبق فهؤلاء تبنّوا عقیده، ثم ذهبوا یطلبون الدلیل لها من الذکر الحکیم، وهذا هو نفس تفسیر القرآن بالرأی.
الدلیل الرابع(لصاحب المقال)
قوله تعالى: (لِلَّذِینَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِیَادَهٌ وَلاَ یَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لاَ ذِلَّهٌ أُولَئِکَ أَصْحَابُ الْجَنَّهِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ)( )
ثم قال: المراد من الزیاده التی وُعِد بها المؤمنون، هو النظر إلى وجهه الکریم.
یلاحظ علیه: بأی دلیل جعل متعلّق الزیاده هو الرؤیه؟ إذ لا دلیل على حمل اللام على العهد بل المراد الجنس، ومعنى الآیه إنّ الذین أحسنوا لهم المثوبه الحسنى مع زیاده على ما یستحقّونه، فقد جرت سنّه الله على جزاء سیئه بمثلها وجزاء الحسنه بأکثر منها. قال سبحانه:(وَالَّذِینَ کَسَبُوا السَّیِّئَاتِ جَزَاءُ سَیِّئَه بِمِثْلِهَا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّهٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم کَأَنَّمَا أُغْشِیَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّیْلِ مُظْلِمًا أُولَئِکَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ).(۲۶ )
وفی آیه أُخرى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَهِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).(۲۷ )
هذه هی الآیات التی استدلّ بها الکاتب تبعاً للرازی وغیره على رؤیه الله تعالى یوم القیامه.
***
ثمّ إنّ الکاتب قال: تواترت الروایات حول الرؤیه، وذکر منها روایه أبی هریره، قال: وفی الصحیحین عن أبی هریره: أنّ الناس قالوا: یا رسول الله هل نرى ربّنا یوم القیامه؟ قال: هل تمارون فی القمر لیله البدر لیس دونه سحاب؟ قالوا: لا یا رسول الله، قال: فهل تمارون فی الشمس لیس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنّکم ترونه کذلک.
أقول: إنّ هذا الحدیث مهما کثرت رواته وتعدّدت نقلته، لا یصحّ الرکون إلیه فی منطق الشرع والعقل، وذلک لأنّه:
۱٫ إنّه خبر واحد لا یفید علماً فی باب الأُصول والعقائد، وإن کان حجّه فی الفروع والأحکام، لأنّ المطلوب فی العقائد هو الإذعان ورفع الریب والشک عن وجه الشیء، وهو لا یحصل بخبر الواحد أو بخبر الاثنین إلاّ إذا بلغ حدّاً یورث القطع والإذعان.
۲٫ إنّ هذا الحدیث رواه مسلم أیضاً فی صحیحه عن أبی سعید الخدری وجاء فی ذیله هذه الفقرات:
«… حتى إذا لم یبق إلاّ مَن کان یعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمین سبحانه وتعالى فی أدنى صوره من التی رأوه فیها قال: فما تنتظرون، تتبع کلّ أُمّه ما کانت تعبد، قالوا: یا ربّنا فارقنا الناس فی الدنیا أفقر ما کنّا إلیهم ولم نصاحبهم، فیقول: أنا ربّکم، فیقولون: نعوذ بالله منک لا نُشرک بالله شیئاً مرتین أو ثلاثاً حتى أنّ بعضهم لیکاد أن ینقلب، فیقول: هل بینکم وبینه آیه فتعرفونه بها؟ فیقولون: نعم، فیکشف عن ساق، فلا یبقى مَن کان یسجد لله من تلقاء نفسه إلاّ أذن الله له بالسجود، ولا یبقى من کان یسجد اتّقاء وریاء إلاّ جعل الله ظهره طبقه واحده کلّما أراد أن یسجد خرّ على قفاه…».( 28)
أقول: ماذا یرید الراوی بقوله: «آتاهم رب العالمین سبحانه وتعالى فی أدنى صوره من الّتی رأوه فیها… فیقول: أنا ربّکم»؟ فهل کان لله سبحانه صوراً متعدّده یعرفون بعضها وینکرون البعض الآخر وما ندری متى عرفوها؟ فهل کان ذلک منهم فی الدنیا؟ أو کان فی البرزخ أو فی الآخره؟!
وماذا یرید الراوی بقوله:«نعم، فیکشف عن ساق، فلا یبقى من کان یسجد لله من تلقاء نفسه»؟! فإنّ معناه أنّ المؤمنین والمنافقین یعرفون الله سبحانه بساقه، فکانت هی الآیه الدالّه علیه.
وکلمتی الأخیره هی بذل النصح لهؤلاء الذین یعیشون فی إطار محدود وبیئه ضیقه أن یقرأوا ویدرسوا کتب الشیعه الإمامیه عن کثب، وأخصّ بالذکر کتب العقائد والمعارف بدقّه وإمعان نظر من دون نظر مسبق فربما یحصل التقارب بین الطائفتین والتفاهم بین الفئتین، ولعلّ الله یحدث بعد ذلک أمراً.
[۱] اشعیاء:۶/۱ـ۶٫
[۲] دانیال:۷/۹٫
[۳] مزامیر داود:۱۷/۱۵٫
[۴]القضاه:۱۳/۲۳٫
[۵] الملوک الأوّل:۱۱/۹٫
[۶] الملوک الأوّل:۲۲/۱۹٫
[۷] حزقیال:۱/۱ و ۲۸٫
[۸] النساء:۱۵۳٫
[۹] الأعراف:۱۴۳٫
[۱۰] الأنعام:۱۰۳٫
[۱۱] الأنعام:۱۴٫
[۱۲] المؤمنون:۸۸٫
[۱۳] حلیه الأولیاء، ج۶، ص ۲۰٫
[۱۴] شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید المعتزلی:ج۳، ص ۲۳۷٫
[۱۵] القیامه:۲۲ و ۲۳٫
[۱۶] شرح الطحاویه، ص ۱۸۹٫
[۱۷] محمد:۲۴٫
[۱۸] آل عمران:۷۷٫
[۱۹] الأعراف:۱۴۳٫
[۲۰] البقره:۵۵٫
[۲۱] النساء:۱۵۳٫
[۲۲] الأعراف:۱۵۵٫
[۲۳] المطففین:۱۵ـ۱۶٫
[۲۴] المطففین:۱۳ـ۱۶٫
[۲۵] یونس:۲۶٫
[۲۶] یونس:۲۷٫
[۲۷] الأنعام:۱۶۰٫
[۲۸] صحیح مسلم:۱/۱۱۵، باب معرفه طریق الرؤیه.