الشفاعه فی القرآن الکریم والسنّه -۱-

0

 
من الألفاظ الشائعه فی القرآن الکریم لفظ (الشفاعه) ومشتقاتها التی ربما تبلغ أکثر من ثلاثین مورداً، والمستفاد من مجموع الآیات التی ورد فیها لفظ الشفاعه، أنّها من الأمور الثابته المتحقّقه بلا ریب ولا إشکال، إلا أنّ فی بعضها تنسب الشفاعه إلى الله تعالى بالأصاله، وفی بعضها الآخر تنسبها إلى غیره عزّ وجلّ برضاه وإذنه، فهی لا تنفی الشافعه من أصلها.
والشفاعه من الموضوعات التی کثر الاهتمام بها فی الإسلام، بل فی سائر الأدیان الإلهیه، فقد بحث عنها فی غیر واحد من العلوم الإسلامیه، کعلم الکلام، وعلوم التفسیر والحدیث والفقه.
والإلمام بها یقتضی البحث فی مفهوم الشفاعه ومتعلّقاتها، وثبوتها، ومورد جریانها، وشروطها، وزمان تحقّقها، ومَن تصحّ منه، ونسبتها إلى سائر المفاهیم الشرعیه التی تثبت العفو والمغفره وغیر ذلک.
مفهوم الشفاعه:
ماده (شفع) تأتی بمعنى ضم الشیء مع غیره لغرض یترتب علیه، فالشفاعه هی انضمام المشفوع له مع المستشفع لنیل غرض لا یناله إلاّ بها. وهی من الأمور الدائره بین أفراد الإنسان، لتحقیق أغراض خاصه وإنجاح بعض المقاصد، کما أنّها من الروابط الاجتماعیه الوثیقه بین الحاکم والمحکوم علیه.
وإذا تأملنا فی الشفاعه الدائره فی الاجتماع الإنسانی، نلاحظ أنها تکون من متمِّمات الأسباب، فهی جزء المقتضی بالتعبیر العلمی، لا العله التامه المنحصره، لأنها لا تکون فیها إذا کان المشفوع له قابلاً فی الجمله لنیل الغرض المترتب على الشفاعه. فلا مجرى لها فی ما لا قابلیه له أصلاً، کما أنها متوقّفه على إذن المشفوع عنده للشفیع، فإذا أراد فرد أن ینال کمالاً أو خیراً یلیق به – مادیاً کان أو معنویاً – أو أراد الخلاص من عقاب المخالفه بعد استحقاقه، یلجأ إلى الشفاعه، فیضم إلى سببه الناقص – الذی عنده من لیاقه أو نحوها – سببیه الشفیع، الذی هو بدوره لا بد أن یکون مؤهَّلاً لقیامه بهذه الوساطه، فالشفاعه من الأسباب المتمِّمه فی التأثیر لا المستقلّه، هذه هی الشفاعه الدائره فی المجتمع، وإنَّها تتقوَّم بأمور:
الأوّل: أن یکون المشفوع له مؤهلاً وقابلاً لنیل الغرض والمراد فی الجمله، وإن کان ناقصاً من جهه فیتمم تلک الجهه بالشفاعه، فلا أثر للشفاعه فی ما لا قابلیه له أصلاً، کالشفاعه لفرد أُمی لا یعرف شیئاً أن یجوز منصباً علمیاً کبیراً، أو الشفاعه للمشرک أن یدخل الجنه.
الثانی: الشفاعه إنّما تکون فی الأمور الخارجیه عن الذات، کالکمالات الاکتسابیه التی تکون بالاختیار، أو الأُمور الموجبه لمخالفه القانون بالاختیار.
الثالث: أنّه لا مجرى للشفاعه فی الأمور التکوینیه والأسباب الطبیعیه، سواء کانت من الخیر والشر، أو النفع والضر، إلا بالعنایه فیها، فلا بد من الرجوع إلى أسبابها الطبیعیه والوسائل المناسبه، فإنّ العطش مثلاً إنّما یرتفع بالارتواء والشرب، والجوع بالأکل، والمرض بالدواء، والحر بالوسائل المناسبه، والبرد باللبس وغیر ذلک من الأمور الطبیعیه، ولا أثر للشفاعه فیها.
نعم فی جمله من التکوینیات یکون انضمام شیء إلى شیءٍ آخر موجباً لحصول الغرض المقصود، وتسمیه ذلک بالشفاعه تکون بالعنایه.
الرابع: أنّ الشفیع إنّما یکون جزءً متمماً آخر منضماً لسببیه المشفوع له إذا کان بحدّ نفسه قابلاً للقیام بالسببیه ومؤهلاً لها، فیتوسط بین المشفوع له والمشفوع عنده بما یوجب نیل الکمال أو دفع الشر والعقاب، وهو إنّما یتوسّل لدى المشفوع عنده بما یؤثر علیه من صفات حمیده فیه عنده، کالرحمه والکرم ونحوهما، أو فی المشفوع له کالعبودیه والمذلّه وغیرهما.
الخامس: أنّ الشفیع إنّما یرجع إلى المشفوع عنده بما یرتضیه، لا بما هو غیر ممکن أو لا یرتضیه، فإنّ ذلک قبیح لا یمکن أن یکون مورد الشفاعه، فلا یرجع علیه فی خلع المولویه عن نفسه، أو إبطال الحکم والتشریع، أو إلغاء المجازاه ونحو ذلک، فإنّ الأمور ممّا تقبح الشفاعه فیها، وهو من المضاده والمعارضه، لا من الشفاعه، وإلى ذلک یشیر قول نبیّنا الأعظم "صلى الله علیه وآله": (مَن حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله عزّ وجلّ، فقد ضاد الله فی أمره).
فالشفاعه عند العرف توسط بین السبب ومسبّبه، فهی لا تخرج عن مطلق قانون السببیه، ولکن لا على نحو المضاده والمعارضه والغلبه، کما فی الأسباب الطبیعیه والتکوینیه.
الشفاعه فی الإسلام:
تقدّم أنّ الشفاعه قد وردت فی القرآن الکریم فی مواضع متعدّده والسنّه الشریفه بما لا یحصى، ولم یرد تحدید من الشرع فیها، فیستفاد أنّها فی الإسلام هی نفس ما علیه فی العرف والاجتماع الإنسانی، إلا أنّ أثرها الکبیر یظهر فی یوم القیامه، ولیس لها فی هذه الدنیا ذلک الأثر الکبیر، ولکن نسبه الشفاعه إلى الله عزّ وجلّ تکون على نحوین:
الأول: توسط الأسباب بینه تعالى وبین غیره، فإنّه عزّ وجلّ المبدأ والمنتهى، وإلیه یرجع الأمر کله، وهو المالک للخلق على الإطلاق والرب لهم، وله من الصفات العلیا الحسنى والقیومیه العظمى التی یدبر بها خلقه. وبینه تعالى وبین خلقه المحتاج إلیه أسباب عادیه وعلل وجودیه ووسائط کثیره، فإنّه أبى أن یجری الأمور إلا بأسبابها، فتکون مجاری إعمال قدرته مثل مجاری الطبیعه والتکوین.
وإطلاق الشفاعه على هذا النوع من السببیه صحیح ولا مانع منه عقلاً، بل یستفاد ذلک من قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّکُمُ اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِی سِتَّهِ أَیَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ یُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِیعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) (سوره یونس، الآیه:۳)، حیث أورد الشفاعه بعد خلق السموات والأرض والتدبیر لهما، فلا تکون إلاّ فی أمور التکوین، ویستفاد من الآیه أن الشفاعه بهذا المعنى هی من جمله تدبیر الخلق وتنظیم النظام الأحسن الربوبی، ویؤیّد ذلک أیضاً قوله تعالى: (لهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) (سوره البقره ، الآیه: ۲۵۵)، فهذه هی الشفاعه التکوینیه، أی توسیط العلل والأسباب الوجودیه بین مسبب الأسباب وخالق الأرض والسماء، وبین خلقه المفتقر إلیه .
الثانی: الشفاعه لدیه تعالى بمعنى رفع العقاب عن عباده العاصین، أو زیاده الثواب لعباده المطیعین، فإن الله تعالى أرسل الرسل مبشرین ومنذرین، مبلِّغین صادعین بالحق، وأنزل معهم الکتاب المشتمل على الاحکام التشریعیه الراجعه إلى مصالح العباد، ووضع الثواب للمطیعین والعقاب على العاصین، وأقام الحجّه فی العباد وأتّمها علیهم (لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَهٍ وَیَحْیَا مَنْ حَیّ عَنْ بَیِّنَهٍ)(سوره الأنفال ، الآیه: ۴۲)، ولکنه تعالى رأفه بخلقه ورحمه بعباده جعل الشفاعه لنفسه، وهو من شؤون رحمته المطلقه التی وسعت کل شیء، وهذه هی الشفاعه فی الجعل والتشریع.
وبعد کون أصل الشفاعه بیده وتحت استیلائه وقدرته، له تبارک وتعالى أن یجعلها لمن یشاء من خلقه ویرید، وفق الحکمه البالغه والعلم الأتم، وتدلّ على ذلک جمله من الآیات الشریفه، فقال تعالى: (یَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَهُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِیَ لَهُ قَوْلا) (سوره طه ، الآیه: ۱۰۹)، وقال تعالى: (لا تُغْنِی شَفَاعَتُهُمْ شَیْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن یَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن یَشَاء وَیَرْضَى) (سوره الأنبیاء ، الآیه: ۲۸)، وإطلاق قوله تعالى: (وَلَا یَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)(سوره الأنبیاء ، الآیه : ۲۸)، یدلّ على أنه لا بد فی الشفاعه من إذنه فی المشفوع له والشفیع، وقال تعالى: (وَلَا یَمْلِکُ الَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَهَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ یَعْلَمُونَ) (سوره الزخرف، الآیه: ۸۶) .
والمستفاد من جمیع ذلک: أنّ الشفاعه بجمیع جهاتها وخصوصیاتها لا بد أن تکون تحت اختیاره وإرادته، کما تدلّ على ذلک القاعده العقلیه أیضاً، فالشفاعه على نحو ما تقدّم مطابقه للعقل والشرع والعرف، فمن أنکرها بهذا المعنى إنّما ینکر أمراً وجدانیاً، یعترف به بجنانه وینکره بلسانه.
ثبوت الشفاعه:
لا ریب ولا إشکال فی إمکان الشفاعه، فهی لیست من المحالات الأولیه، لما هو المتسالَم بین الفلاسفه من أصاله الإمکان فی کل شیءٍ إلاّ إذا دلّ دلیل معتبر على الامتناع، ولم یتخیل أحد فی أنّ الشفاعه من الممتنعات الذاتیه، هذا بالنسبه إلى الإمکان الذاتی.
وأما الإمکان الوقوعی، فقد دلّت الأدلّه العقلیه والنقلیه على وقوعها فی الخارج على ما یأتی من التفصیل، وقد استدلّ على تحقّق الشفاعه بالأدله الأربعه: الکتاب، والسنّه، والإجماع، والعقل.
الشفاعه فی القرآن:
تدلّ علیها آیات کثیره منطوقاً ومفهوماً، نفیاً وإثباتاً فی الدنیا والآخره وهی على طوائف:
الأولى: الآیات التی تدلّ على انحصار الشفاعه فی الله واختصاصها به عزّ وجلّ، قال تعالى: (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَهُ جَمِیعًا لَّهُ مُلْکُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ) (سوره الزمر، الآیه: ۴۴)، وقال تعالى: (مَا لَکُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِیٍّ وَلَا شَفِیعٍ أَفَلَا تَتَذَکَّرُونَ)(سوره السجده، الآیه: ۴)، وقال تعالى: (لَیْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِیٌّ وَلاَ شَفِیعٌ) (سوره الأنعام، الآیه: ۷۰).
الثانیه: ما تدلّ على التعمیم وثبوتها لغیره عزّ وجلّ بإذنه ورضاه وهی کثیره..
منها: قوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) (سوره البقره، الآیه:۲۵۵).
ومنها: قوله تعالى: (وَلَا یَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (سوره الأنبیاء، الآیه: ۲۸).
ومنها: قوله تعالى: (لا یَمْلِکُونَ الشَّفاعَهَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) (سوره مریم، الآیه: ۸۷).
ومنها: قوله تعالى: (یَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَهُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِیَ لَهُ قَوْلًا) (سوره طه، الآیه: ۱۰۹).
ومنها: قوله تعالى: (وَکَم مِّن مَّلَکٍ فِی السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِی شَفَاعَتُهُمْ شَیْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن یَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن یَشَاء وَیَرْضَى) (سوره النجم، الآیه: ۲۶).
الثالثه: ما تدلّ على ثبوت الشفاعه فی الدنیا، قال تعالى: (منْ یَشْفَعْ شَفَاعَهً حَسَنَهً یَکُنْ لَهُ نَصِیبٌ مِنْهَا وَمَنْ یَشْفَعْ شَفَاعَهً سَیِّئَهً یَکُنْ لَهُ کِفْلٌ مِنْهَا وَکَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ مُقِیتاً) (سوره النساء، الآیه: ۸۵)، فإنّ سیاقها یدلّ على أنها فی الدنیا.
الرابعه: ما تدلّ على نفی الشفاعه إما مطلقاً أو فی یوم القیامه أو عن طائفه خاصه، قال تعالى: (یَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَهُ) (سوره طه، الآیه: ۱۰۹)، وقال تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَ یَوْمٌ لا بَیْعٌ فِیهِ وَلا خُلَّهٌ وَلا شَفَاعَهٌ وَالْکَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (سوره البقره، الآیه: ۲۵۴) ، وقال تعالى: (وَلَا یَمْلِکُ الَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَهَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ یَعْلَمُونَ) (سوره زخرف ، الآیه: ۸۶) ، وقال تعالى: (لَا یَمْلِکُونَ الشَّفَاعَه إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا)(سوره مریم، الآیه: ۸۷) ، وقال تعالى: (مَا لِلظَّالِمِینَ مِنْ حَمِیمٍ وَلا شَفِیعٍ یُطَاعُ) (سوره غافر ، الآیه: ۱۸)، والمراد من الظالمین الکافرین، بقرینه قوله تعالى: (وَالْکَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
والمستفاد من مجموعها: أنّ الشفاعه ثابته لله تعالى أصاله، وهو المالک لها، تکون لغیره تعالى بإذنه ورضاه، وهی لا تکون فی یوم القیامه إلاّ لمن ارتضاه الله تعالى وأذن له بالشفاعه، وهذا هو الذی تقتضیه القواعد العقلیه، لانحصار مالکیه کل شیء فیه تعالى، وجمیع تلک الآیات المبارکه تدلّ على عدم ثبوتها لغیره عزّ وجلّ اقتراحاً من الناس ومن دون مشیئه الله تعالى وارتضائه، فتحمل الآیات النافیه للشفاعه إما على الشفاعه الاقتراحیه للناس، أو على وقت دون وقت.
ونسبه الشفاعه إلیه عزّ وجلّ کنسبه سائر الأمور المختصّه به عزّ وجل، التی یفیضها على غیره: کعلم الغیب، والرزق، والحکم، والملک وغیر ذلک ممّا هو کمال له، فإنّه تعالى یثبته لنفسه عزّ وجلّ، وینفیه عن غیره، ثم یثبته له بإذنه وارتضائه، وهذا شائع فی القرآن الکریم، فإنّ الأمر لله وهو فعّال لما یرید.
الشفاعه فی السنّه:
وردت أخبار متواتره بین المسلمین فی الشفاعه، وأنّها المقام المحمود الذی وعد الله به نبیّنا الأعظم "صلى الله علیه وآله" یوم القیامه، ففی صحیح مسلم: عن أنس، عن رسول الله " صلى الله علیه وآله "، أنه قال: (أنا أوّل شفیع فی الجنه، لم یصدق نبی من الأنبیاء ما صدقت، وإنّ من الأنبیاء نبیاً ما یصدقه من أُمته إلا رجل واحد)، ذکره جمع غفیر من العلماء.
وأخرج البیهقی فی الاعتقاد: عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله " صلى الله علیه وآله " أنه قال: (أنا قائد المرسلین ولا فخر، وأنا خاتم النبیّین ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفَّع ولا فخر)، رواه الدارمی فی سننه أیضاً عن صالح بن عطاء.
وأخرج البخاری: عن أنس، عن رسول الله " صلى الله علیه وآله " أنّه قال: (إنّ لکلِّ نبی دعوه قد دعا بها فی أُمته، وإنّی اختبأت دعوتی شفاعه لأُمتی).
وروى أبو داود: عن أبی بن کعب أنّ النبی "صلى الله علیه وآله" قال: (إذا کان یوم القیامه کنت إمام الأنبیاء وخطیبهم، وصاحب شفاعتهم من غیر فخر).
وروى أبو داود أیضاً والحاکم عن عمر، عن النبی "صلى الله علیه وآله": (إنّ الشمس تدنو یوم القیامه حتى یبلغ العرق نصف الأُذن، فبینما هم کذلک استغاثوا بآدم علیه السلام، فیقول: لست بصاحب ذلک، ثم بموسى، فیقول کذلک، ثم بمحمد "صلى الله علیه وآله " فیشفع لیقضی بین الخلق، فیمشی حتى یأخذ بحلقه باب الجنه، فیومئذٍ یبعثه الله مقاماً محموداً، یحمده أهل الجمع کلّهم).
وروى البیهقی عن أبی سعید الخدری: قال رسول الله "صلى الله علیه وآله": (یخرج قوم من النار قد احترقوا فیدخلون الجنه، فینطلقون إلى نهر یقال له الحیاه فیغتسلون فیه فینضرون کما ینضر العود، فیمکثون فی الجنه حیناً، فیقال لهم: تشتهون شیئاً؟ فیقولون: أن یرفع عنا هذا الاسم، قال "ص": فیرفع عنهم).
وعن سماعه، عن أبی عبد الله "علیه السلام": (سألته عن شفاعه النبی "صلى الله علیه وآله" یوم القیامه؟ قال "علیه السلام": یلجم الناس یوم القیامه العرق ویرهقهم القلق. فیقولون: انطلقوا بنا إلى آدم یشفع لنا، فیأتون آدم "علیه السلام" فیقولون: اشفع لنا عند ربک، فیقول إنّ لی ذنباً وخطیئه فعلیکم بنوح، فیأتون نوحاً فیردّهم إلى مَن یلیه، ویردّهم کلّ نبیّ إلى مَن یلی حتّى ینتهوا إلى عیسى فیقول: علیکم بمحمد "صلى الله علیه وآله"، فیعرضون أنفسهم علیه، ویسألونه فیقول: انطلقوا فینطلق بهم إلى باب الجنه ویستقبل باب الرحمه، ویخر ساجداً فیمکث ما شاء الله، فیقول الله عزّ وجلّ: ارفع رأسک واشفع تُشفَّع وسل تعطَ ، وذلک قوله تعالى: (عَسَى أَن یَبْعَثَکَ رَبُّکَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) .
وروى البرقی عن سعید بن جبیر، عن ابن عباس قال: (قال رسول الله "صلى الله علیه وآله": أُعطیت خمساً لم یعطها أحد قبلی: جعلت لی الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت بالرعب، وأُحلّ لی المغنم، وأُعطیت جوامع الکلم، وأُعطیت الشفاعه).
وعن داود بن سلیمان، عن الرضا "علیه السلام"، عن آبائه عن أمیر المؤمنین "علیه السلام" قال: (قال رسول الله "صلى الله علیه وآله": إذا کان یوم القیامه ولّینا حساب شیعتنا، فمَن کانت مظلمته فیما بینه وبین الله عزّ وجلّ حکمنا فیها فأجابنا، ومَن کانت مظلمته فیما بینه وبین الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومَن کان مظلمته فیما بینه وبیننا کنا أحق ّ مَن عفا وصفح).
وعن أبی الحسن الرضا "علیه السلام"، عن أبائه عن علیّ "علیه السلام" قال: (من کذّب بشفاعه رسول الله "صلى الله علیه وآله" لم تنله) إلى غیر ذلک من الروایات المتواتره بین المسلمین، کما یأتی التعرّض لقسم آخر منها.
الشفاعه والإجماع:
وهو من المسلمین بأجمعهم، بل تعدّ من ضروریات الدِّین إلا ممّن لا یعتنی بمخالفته، وتعرّضوا للإجماع فی کتبهم الکلامیه والحدیثیه والتفسیریه، بل یمکن ادعاء إجماع الملّیین على ذلک، فإنّ الشفاعه مسلَّمه فی الکتب المقدّسه، وصرَّح علماؤهم بتحقّقها.
الشفاعه والعقل:
ویمکن تقریره بوجوه:
منها: أن الله تعالى غنی بالذات عن طاعه عباده، لا ینتفع منها بشیءٍ أبداً، ولا یضرّه عصیان جمیعهم، ولا ینقص بسبب ذلک منه شیء أبداً، ولا ریب فی تسلّط الشیطان والنفس الأمّاره على الإنسان وإحاطتهما به، کما هو محسوس بالوجدان، وحینئذٍ فالشفاعه کالعفو والإغماض عن الخطأ والزلل مع تحقّق الشرائط حسن عقلاً، لا سیّما فی عالَم تنحصر الأسباب فی ذات واحده، وفیه من الأهوال والشدائد ما لا یحصى، فانحصر رفعها فی واحد فقط، فترک العفو و الإغماض عمّن یقدر علیهما بمجرّد بقول: (کن فیکون)، مع عدم مانع فی البین قبیح، وهو مستحیل بالنسبه إلیه عزّ وجلّ، فتجب الشفاعه علیه عقلاً فی النظام الأحسن الربوبی، کالرزق الواجب علیه تعالى فی عالَم الدنیا، کلّ بالأسباب المعدّه له، والشفاعه رزق معنوی یکون الناس أحوج إلیها بمراتب کثیره.
ومنها: أنّ تنظیم العوالِم بالأحسن یجب عقلاً على مدیرها ومدبرها المنحصر فی الحیِّ القیوم، ومن أهم جهات التنظیم والترتیب العفو والإغماض عن العاصی الأثیم بعد وجود الشرائط، وترک ذلک وإهماله موجب لإخلال النظم، وهو محال على الحکیم العلیم.
ومنها: أنّ الشفاعه معلوله لأصل تشریع الأحکام، تدور معه أینما دار، وحیث إنّ أصل التشریع منحصر بالله تعالى، فالشفاعه والثواب والعقاب لا بد أن تنحصر فیه مباشرهً أو تسبیباً.  
فالکلّ من نظامه الکیانی *** ینشأ من نظامه الربانی
ومنها: أن ترک الشفاعه مع وجود المقتضى لها وفقد المانع عنها، نقض فی رحمته التی هی عین ذاته تعالى، فیرجع إلى نقض الذات، وهو من المحالات الأولیه بالنسبه إلیه جلّت عظمته.
ثم إنه یمکن إدخال الشفاعه فی مفهوم قوله تعالى: (یَغْفِرُ لِمَنْ یَشَاءُ وَیُعَذِّبُ مَنْ یَشَاءُ وَکَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِیمًا) (سوره الفتح، الآیه ۱۴)، وقوله تعالى: (یُعَذِّبُ مَنْ یَشَاءُ وَیَرْحَمُ مَنْ یَشَاءُ وَإِلَیْهِ تُقْلَبُونَ) (سوره العنکبوت، الآیه ۲۱)، وقوله تعالى: (یَمْحُو اللّهُ مَا یَشَاء وَیُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْکِتَابِ) (سوره الرعد، الآیه ۳۹)، وثبوت الاختیار له تعالى فی البقاء کثبوته له عزّ وجل فی أصل الحدوث، وهو مقتضى تمام ملکه ومالکیته وقهّاریته.
ویمکن الاستدلال على تحقق الشفاعه بالقاعده المسلّمه بین الفلاسفه، من أنّ الخیر المحض بل الخیر بالإضافه مقدم على الشر، وقد قرّرها الله جلّ جلاله بقوله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئَاتِ) (سوره هود، الآیه: ۱۱۴)، فأنبیاء الله تعالى سیّما أشرفهم وسیدهم-وأولیاؤه المنقطعون إلى الله من کل جهه، وبتمام معنى الانقطاع، من الخیر المحض، فینعدم بوجوداتهم المقدّسه الشر بإذن الله تعالى، ولا معنى للشفاعه إلاّ هذا.
وللحدیث بقیه …
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.