الشفاعه فی القرآن والسنه -۲-

0

 
الشفاعه وشروطها:
یستفاد من مجموع الأدلّه: أنّ للشفاعه أهمیه کبرى ومنزله عظمى، فهی الأولى من مراتب الکمالات الإنسانیه، وأوسع باب من أبواب الجنّه الإلهیه، یرغب کلّ فرد إلیها، ویرجوها فی الدنیا والآخره، ولکن لا یمکن أن ینالها کلّ أحد إلاّ إذا توفرت فیه شروط خاصه، لأنّ الشفاعه لا تخلو عن کونها توسّط الأسباب، ولا یمکن أن تکون مطلقه، وإلاّ لزم بطلان قانون السببیه واختلال النظام، ویدلّ علیه ما عن حفص المؤذن، عن أبی عبد الله "علیه السلام": (واعلموا أنّه لیس یغنی عنکم من الله أحد من خلقه، لا مَلَک مقرَّب، ولا نبیّ مرسل، ولا من دون ذلک، مَن سرَّه أن ینفعه شفاعه الشافعین عند الله، فلیطلب إلى الله أن یرضى عنه) .
وشروطها هی:
الأول: یعتبر فی مورد الشفاعه أن یکون الذنب باقیاً إلى یوم القیامه، فلو سقط بالتوبه والاستغفار، أو التکفیر بإتیان الحسنات لقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئَاتِ) (سوره هود، الآیه: ۱۴۴)، أو الحدود الشرعیه، فإنّه لا موضوع للشفاعه حینئذٍ، واعتبار ذلک من الشروط مسامحه، لأنِّه محقّق لأصل موضوعها.
ویدلّ علیه ما روی عن الکاظم، عن آبائه "علیه السلام"، عن النبی "صلى الله علیه وآله" قال: (إنما شفاعتی لأهل الکبائر من أُمتی).
الثانی: یعتبر فیها إذن الله تعالى فی مورد الشفاعه، وموضوعها، والمشفوع له، والشفیع، فلیس لکلّ أحد أن یشفع فی کلِّ أمر، ولکلِّ أحد، وقد تقدَّمت الأدله على ذلک.
وفی تفسیر القمی: فی قوله تعالى: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَهُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، قال "علیه السلام": (لا یشفع أحد من أنبیاء الله ورسله یوم القیامه حتى یأذن الله له -الحدیث)، وتقتضیه قاعده انحصار الأمر فیه تعالى یوم القیامه.
الثالث: أن یکون المشفوع له من المؤمنین المذنبین، ویدلّ علیه قوله تعالى: (کُلُّ نَفْسٍ بِمَا کَسَبَتْ رَهِینَهٌ *إِلَّا أَصْحَابَ الْیَمِینِ * فِی جَنَّاتٍ یَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِینَ * مَا سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ * وَلَمْ نَکُ نُطْعِمُ الْمِسْکِینَ * وَکُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِینَ * وَکُنَّا نُکَذِّبُ بِیَوْمِ الدِّینِ * حَتَّى أَتَانَا الْیَقِینُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَهُ الشَّافِعِینَ) (سوره المدثر، الآیات: ۳۸ – 48).
ویستقاد من هذه الآیات الشریفه أنّ سبب عدم کونهم أهلاً للشفاعه لهم، هو عدم الإیمان والخوض فی الملاهی وزخارف الدنیا والرکون إلیها، التی تکون صارفه عن الإقبال على الله تعالى والإیمان بیوم الدین والجزاء، فإذا لم یکن هذا السبب فلا مانع من شمول الشفاعه له إذا کان مذنباً، وهو من أصحاب الیمین، وهم الذین ارتضى لهم دینهم، وأما أعمالهم فقد تکون مرضیه، وهم المذنبون الذین خلطوا عملاً صالحاً وآخر سیئاً، فأولئک هم المرجون للشفاعه.
فیکون موردها هم المؤمنون بدین الحقّ الذین عملوا المعاصی والکبائر، فهم یدخلون النار بسبب أعمالهم، ثم یخرجون منها بالشفاعه، أو أنّها تمنعهم من دخول النار، لأنهم متفاوتون فی نیل الشفاعه ودرجتها، ویشهد لما ذکرنا ما روی عن الکاظم عن أبیه عن آبائه "علیهم السلام"، عن النبی "صلى الله علیه وآله" قال: إنّما شفاعتی لأهل الکبائر من أُمتی، فأما المحسنون فما علیهم من سبیل. قیل: یا ابن رسول الله، کیف تکون الشفاعه لأهل الکبائر والله تعالى یقول: ولا یشفعون إلا لمَن ارتضى، ومَن ارتکب الکبیره لا یکون مرتضى؟! فقال "علیه السلام": ما من مؤمن یرتکب ذنباً إلاّ ساءه ذلک وندم علیه، وقال النبی "صلى الله علیه وآله": کفى بالندم توبه، وقال "صلى الله علیه وآله": مَن سرَّته حسنته وسائته سیئته فهو مؤمن، فمَن لم یندم على ذنب یرتکبه فلیس بمؤمن، ولم تجب له الشفاعه، وکان ظالماً، والله تعالى ذکره یقول: (مَا لِلظَّالِمِینَ مِنْ حَمِیمٍ وَلا شَفِیعٍ یُطَاعُ)، فقیل له: یا ابن رسول الله، وکیف لا یکون مؤمناً مَن لا یندم على ذنب یرتکبه؟ فقال: ما من أحد یرتکب کبیره من المعاصی وهو یعلم أن سیعاقب علیه، إلا ندم على ما ارتکب، ومتى ندم کان تائباً مستحقاً للشفاعه، ومَن لم یندم علیها کان مصرّاً، والمصرّ لا یغفر له، لأنّه غیر مؤمن بعقوبه ما ارتکب، ولو کان مؤمناً بالعقوبه لندم، وقد قال النبی "صلى الله علیه وآله": لا کبیره مع الاستغفار، ولا صغیره مع الإصرار، والدِّین الإقرار بالجزاء على الحسنات والسیئات، فمَن ارتضى دینه ندم على ما ارتکبه من الذنوب، لمعرفته بعاقبته فی القیامه.
أقول: المراد من قوله "علیه السلام": (ما من مؤمن یرتکب ذنباً إلا ساءه ذلک وندم علیه)، الندم الإجمالی الثابت فی مرتبه الإیمان على کلِّ ذنب فی الجمله، لا الندم التفصیلی الفعلی الالتفاتی على کلِّ ذنب حتى یکون موجباً لمحو الذنب، کما قال "صلى الله علیه وآله": (کفى بالندم توبه)، وحینئذٍ ینتفی موضوع الشفاعه کما ذکرنا، ومثل هذا الندم الإجمالی من لوازم الإیمان فی الجمله، وهو مقتضٍ لثبوت الشفاعه فی یوم القیامه، فهی تکون بمنزله الجزء الأخیر فی العلّه التامه.
وقوله "علیه السلام": (مَن سرّته حسنته وساءته سیئته فهو مؤمن)، یبیِّن مرتبه الاقتضاء فقط کما مرّ، لا الفعلیه الالتفاتیه التفصیلیه.
وقوله "علیه السلام": (فمَن لم یندم على ذنب یرتکبه فلیس بمؤمن)، یدلّ على نفی الندم مطلقاً ولو على نحو الاقتضاء، فیکون نفی الإیمان بنفی هذا الندم من باب انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، فیصیر مثل هذا الشخص متهاوناً فی التکالیف ومنهمکاً فی المعاصی، کما یدلّ علیه قوله "علیه السلام" بعد ذلک: (وهو یعلم أن سیعاقب علیه إلا ندم على ما ارتکب)، حیث لا معنى للاعتقاد بالمبدأ والمعاد والتکالیف فی الجمله إلا ذلک، وکلّ ذلک من اللوازم والملزومات.
وقوله "علیه السلام": (ومتى ندم کان تائباً مستحقاً للشفاعه)، أی: تائباً على نحو الاقتضاء لا التوبه الفعلیه من کلِّ حیثیه وجهه حتى لا یبقى موضوع للشفاعه، کما ذکرنا.
وبعباره أخرى: الاعتقاد بالتوبه والندامه على المعصیه غیر حصول التوبه الفعلیه، ولذا کان مستحقاً للشفاعه فی الأول دون الثانی، فإنّها تزیل موضوع الشفاعه.
وقوله "علیه السلام": (والدِّین الإقرار بالجزاء على الحسنات والسیئات)، یبیّن ما ذکرناه من التفصیل بین الموردین، أی الاعتقاد بالتوبه وحصول الندامه الإجمالیه والتوبه الفعلیه الجامعه للشرائط، والأولى موضوع الشفاعه وتکشف عن الإیمان أیضاً، بخلاف الثانیه فإنها رافعه لموضوعها.
والإقرار بالجزاء على الحسنات والسیئات من لوازم الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، کما أثبتناه سابقاً.
والحاصل: أنّ مثل هذا الحدیث ظاهر فی اعتبار هذا الشرط.
وفی سیاق هذا الحدیث عدّه أحادیث، فلا بد فی تحقیق الشفاعه للمشفوع له من السببیه لها فی الجمله، فمَن لم یؤمن بشریعه سید المرسلین لا تناله شفاعته ولا شفاعه أحد ممّن له الشفاعه، إذا لا بد أن یکون هو بنفسه موجداً للمقتضی لها، وبعد تحقّق الموانع – وهی المعاصی والذنوب – التی تمنع من دخول الجنه، تصل النوبه إلى الشفاعه، ویرشد إلى ذلک قوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ کَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (سوره التوبه، الآیه: ۸۴) ، وهذه الآیه المبارکه تدلّ على حرمان مثل هذا الشخص الکافر بالله ورسوله عن الشفاعه، لعدم حصول التسبّب منه لها.
وبعباره أخرى: موضوع الشفاعه مرکب من أمرین، حصول المقتضی على نحو الإجمال من المشفوع له فی الدنیا، وتتمیم اقتضاء هذا المتقضی من الشفیع فی الآخره، کما عرفت أنه مفهوم الشفاعه.
ما أُورد على الشفاعه:
تقدّم أن الشفاعه ثابته، بل هی حقیقیه من الحقائق القرآنیه، لا یمکن إنکارها. وقد ذکرنا أنها لا تثبت إلا بشروط خاصه، فلیست هی مطلقه مرسله یمکن أن ینالها کلّ أحد، فإنّ ذلک خلال الحکمه المتعالیه وقانون الجزاء والحساب، وبطلان للسببیه، کما تقدّم.
والشفاعه بالمعنى الذی قلناه ممّا تدل علیه الأدلّه الأربعه، ولا یسع أحد إنکارها.
ومن ذلک فقد أورد بعض على الشفاعه مناقشات وإشکالات واهیه، وإنما هی نشأت من قلّه التدبّر فی الآیات الشریفه وما ورد فی الشفاعه من السنّه الشریفه، ونحن نذکر جمله منها وهی:
الأولى: أن الشفاعه لیس إلا الدعاء فقط، فما هو معتبر فی الدعاء یعتبر فیها ، وما ورد علیه یرد علیها أیضاً ، فلیست لها حقیقه أخرى غیر الدعاء ، فیجوز لکل أحد طلب الشفاعه.
والجواب عنها: أنّ کون الشفاعه هی الدعاء ممّا لا ینکر ، بل هو اعتراف بحقیقتها ، لکن الشفاعه هی دعاء الشفیع لدى المشفوع عنده للصفح عن المشفوع له. وکما أنه لا استقلالیه للدعاء بوجه أبداً وإنّما هو طریق محض لقضاء الحاجه ، والشفاعه أیضاً کذلک ، فالجمیع یرجع إلى التأثیر من الله تعالى ، ولا مشاحه فی مجرد الاصطلاح.
هذا ، مضافاً إلى أن اختلاف مفهوم الشفاعه مع مفهوم الدعاء أوضح من أن یخفى.
مع أنه لو قانا بأن الشفاعه هی الدعاء ، فقد دلّ الکتاب والسنّه على أنها مختصّه بالله تعالى ، ولغیره بالإذن والارتضاء ، فلیست هی کمطلق الدعاء من هذه الجهه ، وقد تقدّم ما یرتبط بالدعاء فی آیه (۱۸۶).
الثانیه: أن القول بالشفاعه موجب لتجرِّی الناس على المعاصی ، وإغراء لهم على المخالفه وارتکاب محارم الله تعالى ، وهو ینافی الغرض من بعث الأنبیاء والمرسلین ، وهو سوق الناس إلى العبودیه والطاعه ، فلا بد من تأویل ما ورد فی الشفاعه لئلا توجب إغراء الناس بالفساد.
وهی مردوده. .
 
أما أولاً: فبالنقض بما ورد فی شمول المغفره والتوبه والرحمه ، قال تعالى: (وَرَحْمَتِی وَسِعَتْ کُلَّ شَیْءٍ) (سوره الأعراف ، الآیه: ۱۵۶) ، وقوله تعالى: (یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَهِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ) (سوره الزمر ، الآیه ۵۳) ، وقال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَنْ یَشَاءُ ) (النساء ، الآیه: ۴۸) ، وما ورد فی الاستغفار وغیر ذلک من الآیات المبارکه والروایات الدالّه على سعه رحمته وغفرانه ، فهل یتصوّر أحد فی أنها موجب للتجرّی والتمرد؟! فکلّ ما یقال فیها یقال فی الشفاعه أیضاً.
وأما ثانیاً: فبأن الأدلّه الداله على ثبوت الشفاعه ، إنّما تدلّ علیها بالإهمال والإجمال ، فلم یعیَّن فیها نوع الجرم الذی تجری فیه الشفاعه ، ولا المجرم الذی تناله الشفاعه ، بل کانت مبهمه من هذه الجهه ، بحیث تجعل الناس بین الخوف والرجاء فلا تکون موجبه للتجرِّی والتمرّد ، وهذا هو داب القرآن فی جعل الإنسان بین الخوف من ارتکاب المعاصی والتمرّد على الأحکام ، والرجاء حذراً من القنوط والیأس من روح الله تعالى ، بل یمکن أن تکون الشفاعه بهذا النحو من موجبات الانقلاع عن المعصیه ، ویدلّ على ما ذکرنا ما رواه حفص المؤذن عن أبی عبد الله علیه السلام فی رسالته لأحبائه: ((واعلموا أنه لیس یغنی عنکم من الله أحد من خلقه ، لا مَلَک مقرَّب ولا نبی مرسل ولا من دون ذلک ، مَن سرّه أن ینفعه شفاعه الشافعین عند الله فلیطلب إلى الله أن یرضى عنه)) ، والمستفاد من هذه الروایه أن الإنسان لا بد أن یکون مراقباً لنفسه ، لئلا یقع فی سخط الله تعالى ، فإنه لا تنفعه شفاعه الشافعین ، هذا مع أنّا اشترطنا فی تحقّق الشفاعه وجود أصل الإیمان فی الجمله.
الثالثه: أن أقصى ما یستفاد من الأدله الداله على ثبوت الشفاعه هو إمکانها دون وقوعها، بل إن فی أصل دلاله العقل علیها منعاً، وأما النقل، فإن ما ورد فی الکتاب الکریم إما أن یدل على نفی الشفاعه مطلقاً، مثل قوله تعالى: (لَا بَیْعٌ فِیهِ وَلَا خُلَّهٌ وَلَا شَفَاعَهٌ) (سوره البقره، الآیه ۲۵۴)، أو یدلّ على نفی الأثر عنها مثل قوله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَهُ الشَّافِعِینَ) (سوره المدثر، الآیه ۴۸)، أو ما ورد فیه الاستثناء، کقوله تعالى: (وَلَا یَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (سوره الأنبیاء، الآیه ۲۸)، وقوله تعالى: (إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) (سوره یس، الآیه ۳)، وقوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (سوره البقره، الآیه ۲۵۵)، وجمیع ذلک یرجع إلى النفی کما فی أمثال ذلک مما ورد فیه الاستثناء بالمشیئه، فإنه یستعمل فی القرآن الکریم فی مقام النفی القطعی، وهو کثیر، قال تعالى: (خَالِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّکَ) (سوره هود، الآیه ۱۰۷)، هذا حال القرآن الکریم.
وأما السنه الشریفه، فإنه لا یمکن التعویل علیها أیضاً، مع أنّها لا تزید على الکتاب الکریم دلاله.
والجواب عنها یظهر بعد الإحاطه بما ذکرناه فی مفهوم الشفاعه ودلاله الأدله التی أقیمت على ثبوتها، وذکرنا أن الآیات المبارکه النافیه لمطلق الشفاعه أنها تنفیها عند عدم المقتضى أو وجود المانع، ولا یقول أحد بالشفاعه حینئذٍ وأما الشفاعه المطلوبه إنّما هی عند وجود شروطها، أو أنّها تنفیها عن غیره تعالى.
وأما الآیات النافیه لأثر الشفاعه، فإنما هی تنفیه فی مورد خاص، وهو خصوص المجرمین المنکرین للجزاء والدّین، فهی فی الواقع تثبت الشفاعه فی غیر المورد المنفی فیه أثر شفاعه الشافعین، فالآیه الشریفه على ثبوتها أدل.
وأما الآیات المشتمله على الاستثناء، فهی واضحه فی أنها تدلّ على ثبوت الشفاعه لمن أن له الرحمان، والقول بأنّها تدلّ على مجرد الاستثناء الدّال على النفی القطعی، اجتهاد فی مقابل النص الصریح، وشبهه واهیه لا یمکن الإصغاء إلیها، وأما السنّه، فهی متواتره صریحه فی المطلوب، وقد تقدّم شطر منها.
الرابعه: أن الآیات المبارکه الدّاله على ثبوت الشفاعه، إنّما هی آیات متشابهات، ولیس للعقل فیها سبیل، فلا بد من ارجاع علمها إلى الله تعالى کما أمرنا بذلک.
والجواب عنها: أن الآیات الدّاله على تحقّق الشفاعه لیست من المتشابهات، بل هی من المحکمات بعد ردّ بعضها إلى بعض، والعقل یدلّ علیها بوضوح کما عرفت سابقاً.
الخامسه: أنّ الشفاعه فی رفع العقاب بعد الاستحقاق إما أن تکون عدلاً أو ظلماً، وعلى الأول یستلزم کون تشریع أصل الحکم ظلماً، وهو قبیح بالنسبه إلیه تعالى، وعلى الثانی کانت الشفاعه ظلماً، وهو لا یلیق بالنسبه إلى المشفوع عنده والأنبیاء الشافعین.
وهو باطل: لأنّ تشریع الأحکام حقٌّ وعدل، ولیس غایه تشریع الأحکام أو الغرض منه خصوص الامتثال فقط، بل لها حِکَمٌ ومصالح کثیره أخرى، مثل تکمیل العباد وامتحانهم، ومنها إظهار سعه رحمته بعد المخالفه، إلى غیر ذلک من الحِکَم، مضافاً إلى ما تقدّم فی مفهوم الشفاعه من أنها لا تغیّر الحکم، بل توجب العفو عن المجرم بعد شمول العقاب له، فیکون الحکم والشفاعه ورفع العقاب کلها عدلاً.
ومن ذلک یظهر الجواب عمّا یقال: من أنّ الشفاعه فی رفع العقاب عن المجرمین موجبه للاختلاف فی الفعل، واستلزام نقض الغرض المنافی للحکمه، فإن بطلانه واضح، لأنه تحدید للأغراض الواقعیه بنظر الإنسان وقدر إدراکه، مع أنّ الواقع أعم من ذلک، کما ثبت بالبراهین العقلیه فی الفلسفه. والشفاعه من الأسباب التی جعلها الله تعالى لینال الرحمه والغفران کما عرفت..

Leave A Reply

Your email address will not be published.