قصه أصحاب الفیل

0

ذکر المفسِّرون والمؤرِّخون هذه القصه بأسالیب مختلفه ، واختلفوا فی سنه وقوعها ، لکن أصل القصه متوافره ، ونحن نذکرها ـ بتلخیص ـ استناداً إلى الروایات المعروفه فی :
[ أ ـ ] " سیره ابن هشام " .
[ ب ـ ] و" بلوغ الأرب " .
[ جـ ـ ] و" بحار الأنوار " .
[ د ـ ] و" مجمع البیان " .
" ذو نواس " ملک الیمن اضطهد نصارى نجران قرب الیمن ؛ کی یتخلُّوا عن دینهم ( ذکر القرآن قصه هذا الاضطهاد فی موضوع أصحاب الأخدود فی سوره البروج ، وبیَّناها بالتفصیل هناک ) . بعد هذه الجریمه نجا من بین النصارى رجل اسمه ( دوس ) ، وتوجَّه إلى قیصر الروم ، الذی کان على دین المسیح ، وشرح له ما جرى .
ولمَّا کانت المسافه بین الروم والیمن بعیده ، کتب القیصر إلى النجاشی ( حاکم الحبشه ) لینتقم من ( ذو نواس ) لنصارى نجران ، وأرسل الکتاب بید القاصد نفسه .
جهَّز النجاشی جیشاً عظیماً یبلغ سبعین ألف محارب بقیاده ( أریاط ) ، ووجَّهه إلى الیمن . وکان ( أبرها ) أیضاً من قوَّاد ذلک الجیش . اندحر ( ذو نواس ) وأصبح ( أریاط ) حاکماً على الیمن . وبعد مده ثار علیه ( أبرها ) ، وأزاله من الحکم وجلس فی مکانه .
بلغ ذلک النجاشی ، فقرَّر أن یقمع ( أبرها ) . لکن أبرها أعلن استسلامه الکامل للنجاشی ووفاءه له . حین رأى النجاشی منه ذلک ، عفا عنه وأبقاه فی مکانه .
و( أبرها ) من أجل أن یثبت ولاءه ، بنى کنیسه ضخمه جمیله غایه الجمال ، لا یوجد على ظهر الأرض مثلها آنذاک ، وقرَّر أن یدعو أهل الجزیره العربیه لأن یحجُّوا إلیها بدل ( الکعبه ) ، وینقل مکانه الکعبه إلى أرض الیمن .
ارسل ( أبرها ) الوفود والدعاه إلى قبائل العرب فی أرض الحجاز ، یدعونهم إلى حج کنیسه الیمن ، فأحسَّ العرب بالخطر ؛ لارتباطهم الوثیق بمکَّه والکعبه ، ونظرتهم إلى الکعبه على أنَّها من آثار إبراهیم الخلیل ( علیه السلام ) .
تذکر بعض الروایات أنَّ مجموعه من العرب جاؤوا خفیه وأضرموا النار فی الکنیسه ، وقیل : إنَّهم لوَّثوها بالقاذورات ؛ لیعبِّروا عن اعتراضهم على فعل ( أبرها ) ویهینوا معبده . غضب ( أبرها ) وقرَّر أن یهدم الکعبه هدماً کاملاً ؛ للانتقام ، ولتوجیه أنظار العرب إلى المعبد الجدید .
فجهَّز جیشاً عظیماً کان بعض أفراده یمتطی الفیل ، واتَّجه نحو مکَّه . عند اقترابه من مکَّه ، بعث مَن ینهب أموال أهل مکَّه . وکان بین النهب مائتا بعیر لعبد المطَّلب .
بعث ( أبرها ) قاصداً إلى مکَّه ، وقال له : ابحث عن کبیر القوم ، وقل له : إنَّ ( أبرها ) ـ ملک الیمن ـ یدعوک [ ویقول لک : ] أنا لم آتِ لحربٍ ، بل جئتُ لأهدم هذا البیت . فلو استسلمتم ، حُقِنَت دماؤکم .
جاء رسول ( أبرها ) إلى مکَّه ، وبحث عن شریفها ، فدلُّوه على عبد المطَّلب ، فحدَّثه بحدیث ( أبرها ) ، فقال عبد المطلب : نحن لا طاقه لنا بحربکم ، وللبیت ربٌ یحمیه .
ذهب عبد المطَّلب مع القاصد إلى النجاشی . فلمَّا قدِم علیه ، جعل النجاشی ینظر إلیه ، وراقه حسنه وجماله وهیبته ، حتى قام من مکانه احتراماً وجلس على الأرض ، وأجلس عبد المطَّلب إلى جواره ؛ لأنَّه ما أراد أن یجلس عبد المطَّلب على سریر ملکه ، ثمَّ قال لمترجمه : أسأله ما حاجتک ؟ قال عبد المطَّلب : نُهبت إبِلی ، فمرهم بردِّها علیَّ . فاندهش أبرها وقال لمترجمه : قل له إنَّه احتل مکاناً فی قلبی حین رأیته ، والآن قد سقط من عینی ؛ أنت تتحدَّث عن إبِلک ولا تذکر الکعبه ! وهی شرفک وشرف أجدادک ، وأنا قدمت لهدمها . قال عبد المطَّلب : أنا ربُّ الإبل ، وللبیت ربٌّ یحمیه .
عاد عبد المطَّلب إلى مکَّه ، وأخبر أهلها أن یلجأوا إلى الجبال المحیطه بها ، وذهب هو وجمع معه إلى جوار البیت لیدعو ، فأخذ حلقه باب الکعبه وانشد أبیاته المعروفه :
لاهُمَّ إنَّ المرءَ یمنعُ رَحْ لــه فـامـنع رحـالک
لا یَـغْلِبَنّ صلیبُهم ومحا لـهـم أبــداً مـحالک
جرُّوا جمیع بلادهم والفی ل کـی یـسبوا عـیالک
لاهُمَّ إنَّ المرءَ یمنعُ رَح ْلــه فـامـنع عـیالک
وانـصر على آل الصلی ب وعـابدیه الـیوم آلک
ثمَّ لاذَ عبد المطَّلب وجمع من قریش بإحدى شِعاب مکَّه ، وأمر أحد ولْده أن یصعد على جبل ( أبو قبیس ) لیرى ما یجری . عاد الابن مسرعاً إلى أبیه ، وأخبره أنَّ سحابه سوداء تتَّجه من البحر ( البحر الأحمر ) إلى أرض مکَّه . استبشر عبد المطَّلب وصاح : " یا معشر قریش ، ادخلوا منازلکم ! فقد أتاکم الله بالنصر من عنده " .
من جانب آخر ، توجَّه ( أبرها ) راکباً فیله المسمَّى " محموداً " مع جیشه الجرَّار ، مخترقاً الجبال ومنحدراً إلى مکَّه ، لکن الفیل أبى أن یتقدَّم . أمَّا حینما یوجِّهوه نحو الیمن ، یهرول . تعجَّب ( أبرها ) من هذا وتحیَّر .
وفی هذه الأثناء وصلت طیور قادمه من جانب البحر کأنَّها الخطاطیف ، وهی تحمل حجراً فی منقارها وحجرین فی رجلها ، بحجم الحمُّصه ، وألقوها على جیش أبرها ، فأهلکتهم . وقیل : إنَّ الحجر کان یسقط على الرجل منهم ، فیخترقه ویخرج من الجانب الآخر .
ساد الجیش ذعرٌ عجیب ، فهلک منه مَن هلک ، وفرَّ مَن استطاع الفرار ، صوب الیمن ، وکانوا یتساقطون فی الطریق . ( أبرها ) أصیب بحجر وجُرح ، فأعید إلى صنعاء عاصمه ملکه ، وهناک فارق الحیاه . وقیل : إنَّ مرض الحصبه والجدری شُوهد لأوَّل مرَّه فی أرض العرب فی تلک السنه . وقیل : إنَّ ( أبرها ) جاء بفیل واحد کان یرکبه ، واسمه محمود ، وقیل : بل ثمانیه أفیال ، وقیل : عشره ، وقیل : اثنی عشر .
وفی هذا العام ولد رسول الله ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) حسب الروایه المشهوره ، وقیل : إنَّ بین الحادثتین ارتباطاً .
على أیِّ حال ، فإنَّ أهمیه هذه الحادثه الکبرى ، بلغت درجه تسمیه ذلک العام بـ : " عام الفیل " ، وأصبح مبدأ تاریخ العرب ( ۱ ) .
___________________________
(۱) سیره ابن هشام : ۱ / ۳۸ ـ ۶۲ ، وبلوغ الأرب : ۱ / ۲۵۰ ـ ۲۶۳ ، وبحار الأنوار : ۱۵ / ۱۳۰ وما بعدها ، ومجمع البیان : ۱۰ / ۵۴۲ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.