ادعاء الواقفه الغیبه على العسکری ( ع )

0

 
ادعاء الواقفه الغیبه على العسکری ( ع )
ثم ادعت الواقفه على الحسن بن علی بن محمد علیهم السلام أن الغیبه وقعت به لصحه أمر الغیبه عندهم
وجهلهم بموضعها وأنه القائم المهدی ، فلما صحت وفاته علیه السلام بطل قولهم فیه وثبت بالاخبار الصحیحه
التی قد ذکرناها فی هذا الکتاب أن الغیبه واقعه بابنه علیه السلام دونه .
 
فمما روى فی صحه وفاه الحسن بن على بن محمد العسکری
ما حدثنا به أبی ، ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الولید ـ رضی الله عنهما ـ قالا : حدثنا سعد بن عبد الله ، قال :
حدثنا من حضر موت الحسن بن علی بن محمد العسکری علیهم السلام ودفنه ممن لا یوقف على إحصاء
عددهم ولا یجوز على مثلهم التواطؤ بالکذب . وبعد فقد حضرنا فی شعبان سنه ثمان وسبعین ومائتین وذلک بعد
مضی أبی محمد الحسن ابن علی العسکری علیهما السلام بثمانیه عشره سنه أو أکثر مجلس أحمد بن عبید
الله بن یحیى ابن خاقان ( ۲ ) وهو عامل السلطان یومئذ على الخراج والضیاع بکوره قم ، وکان من أنصب خلق
الله وأشدهم عداوه لهم ، فجرى ذکر المقیمین من آل أبی طالب بسر ـ من رأى ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم
عند السلطان ، فقال أحمد بن عبید الله : ما رأیت ولا عرفت بسر من رأى رجلا من العلویه مثل الحسن بن علی
بن محمد بن علی الرضا علیهم السلام ، ولا سمعت به فی هدیه وسکونه وعفافه ونبله وکرمه عند أهل بیته
والسلطان وجمیع بنی هاشم ، وتقدیمهم إیاه على ذوی السن منهم والخطر ، وکذلک القواد والوزراء والکتاب
وعوام الناس فانی کنت قائما ذات یوم على رأس ابی وهو یوم مجلسه للناس إذ دخل علیه حجابه فقالوا له : إن
ابن الرضا على الباب ، فقال بصوت عال : ائذنوا له ( ۳ ) فدخل رجل أسمر أعین حسن القامه ، جمیل الوجه ،
جید البدن
____________
( ۱ ) العنوان من المؤلف .
( ۲ ) فی أعلام الورى « أحمد بن عبد الله بن یحیى بن خاقان » .
( ۳ ) زاد فی الکافی ج ۱ ص ۵۰۳ « فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا یکنون رجلا على أبی بحضرته ولم
یکن عنده الا خلیفه أو ولى عهد أو من أمر السلطان أن یکنى » .

حدث السن ، له جلاله وهیبه ، فلما نظر إلیه أبی قام فمشى إلیه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بنی
هشام ولا بالقواد ولا بأولیاء العهد ، فلما دنامنه عانقه وقبل وجهه ومنکبیه وأخذ بیده فأجلسه على مصلاه الذی
کان علیه ، وجلس إلى جنبه ، مقبلا علیه بوجهه ، وجعل یکلمه ویکنیه ، ویفدیه بنفسه وبأبویه ، وأنا متعجب
مما أرى منه إذ دخل علیه الحجاب فقالوا : الموفق قد جاء ( ۱ ) ، وکان الموفق إذا جاء ودخل على أبی تقدم
حجابه وخاصه قواده ، فقاموا بین مجلس أبی وبین باب الدار سماطین ( ۲ ) إلى أن یدخل ویخرج ، فلم یزل أبی
مقبلا علیه ( ۳ ) یحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصه فقال حینئذ : إذا شئت فقم جعلنی الله فداک یا أبا محمد ،
ثم قال لغلمانه : خذوا به خلف السماطین کیلا یراه الامیر ـ یعنی الموفق ـ فقام وقام أبی فعانقه وقبل وجهه
ومضى ، فقلت لحجاب أبی وغلمانه : ویلکم من هذا الذی فعل به أبی هذا الذی فعل ؟ فقالوا : هذا رجل من
العلویه یقال له : الحسن بن على یعرف با ابن الرضا ، فازددت تعجبا ، فلم أزل یومى ذلک قلقا متفکرا فی أمره
وأمر أبی وما رأیت منه حتى کان اللیل وکانت عادته أن یصلی العتمه ، ثم یجلس فینظر فیما یحتاج إلیه من
المؤامرات وما یرفعه إلى السلطان فلما صلى وجلس ( ۴ ) جئت فجلست بین یدیه فقال ، : یا أحمد ألک حاجه ؟
فقلت : نعم یا أبه إن أذنت سألتک عنها ؟ فقال : قد أذنت لک یا بنی فقل ما أحببت فقلت له : یا أبه من کان
الرجل الذی أتاک بالغداه وفعلت به ما فعلت من الاجلال و الاکرام والتبجیل ، وفدیته بنفسک وبأبویک ؟ فقال : یا
بنی ذاک إمام الرافضه ، ذاک ابن الرضا ، فسکت ساعه فقال : یا بنی لوزالت الخلافه عن خلفاء بنی العباس ما
استحقها
____________
( ۱ ) الموفق هو أخو الخلیفه المعتمد على الله أحمد بن المتوکل وکان صاحب جیشه .
( ۲ ) السماط : الصف من الناس ، یعنى ردیفین منظمین ، وفى الکافی « فقاموا بین مجلس أبی وبین باب الدار
سماطین إلى أن . »
( ۳ ) أی مقبلا على أبى محمد علیه السلام .
( ۴ ) فی بعض النسخ « فلما نظر وجلس » .
( ۴۲ )

أحد من بنی هاشم غیر هذا ، فان هذا یستحقها فی فضله وعفافه وهدیه وصیانه نفسه وزهده وعبادته وجمیل
أخلاقه وصلاحه ، ولو رأیت أباه لرأیت رجلا جلیلا نبیلا خیرا فاضلا ، فازددت قلقا وتفکرا وغیظا على أبی مما
سمعت منه فیه ولم یکن لی همه بعد ذلک إلا السؤال عن خبره ، والبحث عن أمره ، فما سألت عنه أحدا من
بنی هاشم ومن القواد والکتاب والقضاه والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عندهم فی غایه الاجلال والاعظام
والمحل الرفیع والقول الجمیل والتقدیم له على جمیع أهل بیته ومشایخه وغیرهم وکل یقول : هو إمام الرافضه ،
فعظم قدره عندی إذ لم أرله ولیا ولاعدوا إلا وهو یحسن القول فیه والثناء علیه .
فقال له بعض أهل المجلس من الاشعریین : یا أبا بکر فما خبر أخیه جعفر ؟ فقال : ومن جعفر فیسأل عن خبره ( ۱
) أو یقرن به ، إن جعفرا معلن بالفسق ، ماجن ( ۲ ) ، شریب للخمور ، وأقل من رأیته من الرجال وأهتکهم لستره
، فدم خمار ( ۳ ) قلیل فی نفسه ، خفیف ، والله لقد ورد على السلطان وأصحابه فی وقت وفاه الحسن بن علی
علیهما السلام ما تعجبت منه وما ظننت أنه یکون وذلک أنه لما اعتل بعث إلى أبی أن ابن الرضا قد اعتل ، فرکب
من ساعته مبادرا إلى دار الخلافه ، ثم رجع مستعجلا ومعه خمسه نفر من خدام أمیر المؤمنین کلهم من ثقاته
وخاصته فمنهم نحریر ( ۴ ) وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علی علیهما السلام وتعرف خبره وحاله ، وبعث إلى نفر
من المتطببین فأمرهم بالاختلاف إلیه ( ۵ ) وتعاهده صباحا ومساء ، فلما کان بعد ذلک بیومین جاءه من أخبره أنه
قد ضعف فرکب حتى بکر إلیه ثم أمر المتطببین بلزومه وبعث إلى قاضی
____________
( ۱ ) المراد به جعفر الکذاب .
( ۲ ) الماجن : من لم یبال بما قال وما صنع ، والشریب ـ کسکین ـ المولع بالشراب .
( ۳ ) الفدم : العیى عن الکلام فی رخاوه وقله فهم ، والاحمق والمراد الثانی .
( ۴ ) کان من خواص خدم الخلیفه ، وکان شقیا من الاشقیاء . والنحریر : الحادق الفطن .
( ۵ ) یعنى بالاختلاف : النردد للاطلاع على أحواله علیه السلام .
( ۴۳ )

القضاه فأحضره مجلسه وأمره أن یختار من أصحابه عشره ممن یوثق به فی دینه وأمانته وورعه ، فأحضرهم فبعث
بهم إلى دار الحسن علیه السلام وأمرهم بلزوم داره لیلا ونهارا فلم یزالوا هناک حتى توفی علیه السلام لایام
مضت من شهر ربیع الاول من سنه ستین و مائتین ، فصارت سر من رأى ضجه واحده ـ مات ابن الرضا ـ وبعث
السلطان إلى داره من یفتشها ویفتش حجرها ، وختم على جمیع ما فیها وطلبوا أثر ولده وجاؤوا بنساء یعرفن
بالحبل ، فدخلن على جواریه فنظرن إلیهن فذکر بعضهن أن هناک جاریه بها حمل ( ۱ ) فأمر بها فجعلت فی حجره
ووکل بها نحریر الخادم وأصحابه ونسوه معهم ، ثم أخذوا بعد ذلک فی تهیئته ، وعطلت الاسواق ورکب أبى وبنو
هاشم والقواد والکتاب وسائر الناس إلى جنازته علیه السلام فکانت سر من رأى یومئذ شبیها بالقیامه ، فلما
فرغوا من تهیئته بعث السلطان إلى أبى عیسى بن المتوکل فأمره بالصلاه علیه ، فلما وضعت الجنازه للصلاه دنا
أبو عیسى منها فکشف عن وجهه فعرضه على بنی هاشم من العلویه والعباسیه والقواد والکتاب والقضاه
والفقهاء والمعدلین ، وقال : هذا الحسن ابن علی بن محمد ، ابن الرضا مات حتف أنفه ( ۲ ) على فراشه حضره
من خدم أمیر المؤمنین وثقاته فلان وفلان ، ومن المتطببین فلان وفلان ، ومن القضاه فلان وفلان ، ثم غطى وجهه
وقام فصلى علیه وکبر علیه خمسا وأمر بحمله فحمل من وسط داره ودفن فی البیت الذی دفن فیه أبوه علیه
السلام .
فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه فی طلب ولده وکثر التفتیش فی المنازل والدور وتوقفوا على
قسمه میراثه ، ولم یزل الذین وکلوا بحفظ الجاریه التى توهموا علیها الحبل ملازمین لها سنتین وأکثر حتى تبین
لهم بطلان الحبل فقسم میراثه بین أمه وأخیه جعفر وادعت أمه وصیته ، وثبت ذلک عند القاضی . والسلطان
على ذلک یطلب أثر ولده ، فجاء جعفر بعد قسمه المیراث إلى أبی ، وقال له : اجعل لی مرتبه
____________
( ۱ ) فی بعض النسخ « لها حبل » وفى بعضها « بها حبل » .
( ۲ ) یعنى مات من غیر قتل ولاضرب ولاخنق .
( ۴۴ )

أبی وأخی وأوصل إلیک فی کل سنه عشرین ألف دینار مسلمه ، فزبره ( ۱ ) أبی وأسمعه وقال له : یا أحمق إن
السلطان ـ أعزه الله ـ جرد سیفه وسوطه فی الذین زعموا أن أباک وأخاک أئمه لیردهم عن ذلک فلم یقدر علیه ولم
یتهیأ له صرفهم عن هذا القول فیهما ، وجهد أن یزیل أباک وأخاک عن تلک المرتبه فلم یتهیأ له ذلک ، فان کنت عند
شیعه أبیک وأخیک إماما فلا حاجه بک إلى السلطان یرتبک مراتبهم ولا غیر السلطان وإن لم تکن عندهم بهذه
المنزله لم تنلها بنا ، واستقله ( أبی ) عند ذلک واستضعفه وأمر أن یحجب عنه ، فلم یأذن له بالدخول علیه حتى
مات أبی وخرجنا والامر على تلک الحال ، والسلطان یطلب أثر ولد الحسن بن علی علیها السلام حتى الیوم .
وکیف یصح الموت إلا هکذا وکیف یجوز رد العیان وتکذیبه ، وإنما کان السلطان لا یفتر عن طلب الولد لانه قد کان
وقع فی مسامعه خبره وقد کان ولد علیه السلام قبل موت أبیه بسنین ، وعرضه على أصحابه وقال لهم : « هذا
إمامکم من بعدی وخلیفتی علیکم أطیعوه فلا تتفرقوا من بعدی فتهلکوا فی أدیانکم ، أما إنکم لن تروه بعد یومکم
هذا ، فغیبه ولم یظهره ، فلذلک لم یفتر السلطان عن طلبه .
وقد روى أن صاحب هذا الامر هو الذی تخفى ولادته على الناس ویغیب عنهم شخصه لئلا یکون لاحد فی عنقه
بیعه إذا خرج وأنه هو الذی یقسم میراثه وهو حی ، وقد أخرجت ذلک مسندا فی هذا الکتاب فی موضعه ، وقد
کان مرادنا بایراد هذا الخبر تصحیحا لموت الحسن بن علی علیهما السلام ، فلما بطل وقوع الغیبه لمن ادعیت له
من محمد بن علی بن الحنفیه ، والصادق جعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، والحسن بن علی العسکری
علیهم السلام بما صح من وفاتهم فصح وقوعها بمن نص علیه النبی والائمه الاحد عشر صلوات الله علیهم وهو
الحجه بن الحسن بن علی بن محمد العسکری علیهم السلام وقد أخرجت الاخبار المسنده فی ذلک الکتاب فی
أبواب النصوص علیه صلوات الله علیه .
____________
( ۱ ) أی زجره .
( ۴۵ )
 
وکل من سألنا من المخالفین عن القائم علیه السلام لم یخل من أن یکون قائلا بامامه الائمه الاحد عشر من
آبائه علیهم السلام أو غیر قائل بامامتهم ، فان کان قائلا بإمامتهم لزمه القول بامامه الامام الثانی عشر لنصوص
آبائه الائمه علیهم السلام علیه باسمه ونسبه وإجماع شیعتهم على القول بامامته وأنه القائم الذی یظهر بعد
غیبه طویله فیملا الارض قسطا وعدلا کما مئلت جورا وظلما . وإن لم یکن السائل من القائلین بالائمه الاحد
عشر علیهم السلام لم یکن له علینا جواب فی القائم الثانی عشر من الائمه علیهم السلام وکان الکلام بیننا
وبینه فی إثبات إمامه آبائه الائمه الاحد عشر علیهم السلام ، وهکذا لو سألنا یهودی فقال لنا : لم صارت الظهر
أربعا والعصر أربعا والعتمه أربعا والغداه رکعتین والمغرب ثلاثا ؟ لم یکن له علینا فی ذلک جواب ، بل لنا أن نقول له
: إنک منکر لنبوه النبی الذی أتى بهذه الصلوات وعدد رکعاتها ، فکلمنا فی نبوته وإثباتها فان بطلت بطلت هذه
الصلوات وسقط السؤال عنها ، وإن ثبتت نبوته صلى الله علیه وآله لزمک الاقرار بفرض هذه الصلوات على عدد
رکعاتها لحصه مجیئها عنه واجتماع امته علیها ، عرفت علتها أم لم تعرفها ، وهکذا الجواب لمن سأل عن القائم
علیه السلام حذو النعل بالنعل .

Leave A Reply

Your email address will not be published.