الإمامه عند أهل السنه
ولیست هناک أیه أبعاد شرعیه تعطی خصوصیه للإمام عندهم، فهو فرد کبقیه أفراد الرعیه، تقوده الظروف إلى الحکم بطریق السیف أو الوراثه أو الاختیار من قبل أهل الحل والعقد ، فیصبح إمام الأمه ویجب على جمیع المسلمین أن یدینوا له بالسمع والطاعه حتى وإن کان فاجرا ظالما ( ۱ ) .
* اختیار الإمام : وعند السنه نصب الإمام واجب حسما للفتنه . وطریق وجوبها السمع والعقل . وتنصیبه یکون عن طریق أهل الاجتهاد أو الحل والعقد الذین یختارون من تتوافر فیه شرائط الإمامه . . ( ۲ ) .
إلا أن الراصد لحرکه تنصیب أئمه الحکم فی واقع المسلمین منذ وفاه الرسول صلى الله علیه وآله وحتى یومنا هذا لا یجد أثرا لأهل الاجتهاد هؤلاء ولا دورا . إنما یجد صورا مختلفه لتنصیب الحاکم تخرج الباحث فی النهایه أنه لیست هناک صوره محدده لاختیار الحاکم ولشکل الدوله فی الإسلام . .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر العقیده الطحاویه والعقیده الواسطیه والأحکام السلطانیه وشرح المقاصد للتفتازانی والتمهید للباقلانی ومنهاج السنه لابن تیمیه .
( ۲ ) أنظر الأحکام السلطانیه لأبی یعلى . ( * )
والحق أن مثل هذه النتیجه إنما تولدت من خلال الممارسات المنحرفه للحکم فی التاریخ ، والتی اختفت فیها صوره الشورى والاختیار الحر .
ومثل هذه الحکومات التی قامت بالغصب والوراثه لا یصح أن تتخذ مقیاسا للتطبیق الإسلامی الصحیح ، وإن کان الفقهاء قد اعترفوا بهذه الحکومات وأضفوا علیها الشرعیه .
وقد عمل أهل السنه على حصر الإمامه فی قریش وهو الشعار الذی رفعه الجناح القرشی بقیاده أبی بکر وعمر فی مواجهه الأنصار ( الأوس والخزرج ) عند اشتداد النزاع على الحکم بعد وفاه الرسول صلى الله علیه وآله . وقال أبو بکر : إن العرب لا تدین إلا بهذا الدین من قریش . . ( ۱ ) .
ونقلوا قول الرسول صلى الله علیه وآله : " إن هذا الأمر ( الحکم ) فی قریش لا یعادیهم أحد إلا کبه الله على وجهه ما أقاموا الدین " ( 2 ) . وقول الرسول صلى الله علیه وآله : " لا یزال هذا الأمر فی قریش ما بقی منهم اثنان " ( 3 ) .
إلا أن هذه القاعده شذ عنها بعض الفقهاء فی مقدمتهم ابن خلدون الذی اعتبر أن قریشا کانت مرکز العصبیه فی العرب آنذاک وأن العصبیه من الممکن أن تنتقل منها إلى مناطق أخرى ، وبالتالی یصبح وجود إمام من خارج قریش أمرا مقبولا شرعا ، هذا لکون أن کثیرا من حکام المسلمین لیسوا من قریش کالعثمانیین والممالیک من قبلهم ( ۴ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر أحداث السقیفه فی کتب التاریخ . . انظر لنا السیف والسیاسه .
( ۲ ) رواه البخاری . . کتاب الأحکام . . ویذکر أن راوی هذا الحدیث هو معاویه بن أبی سفیان فی معرض الهجوم على عبد الله بن عمرو بسبب أنه حدث أنه سیکون ملک من قحطان ، ولعل معاویه رأى فی روایه ابن عمرو تهدیدا لسلطانه . . انظر فتح الباری : ۱۳ / ۱۱۴ .
( ۳ ) البخاری کتاب الأحکام .
( ۴ ) وهذه نظره تبریریه فی مواجهه النصوص . . انظر مقدمه ابن خلدون . . ویذکر أن الممالیک بدایه من عصر الظاهر بیبرس أرادوا تطبیق حدیث الأئمه فی قریش حتى یضفوا على حکمهم الشرعیه فقاموا باستجلاب بقیه العائله العباسیه الفاره من وجه التتار إلى مصر وأحیوا الخلافه العباسیه وجعلوا القاهره مقرا لها . . غیر أن خلفاء بنی العباس فی مصر لم یکونوا سوى صوره أو لافته توضع وتنزع وتستبدل حسب أهواء الممالیک . ( * )
من هنا اشترط الفقهاء فی الإمام أربعه شروط هی :
– أن یکون قرشیا من الصمیم .
– أن یکون حرا عاقلا بالغا عالما .
– أن یقوم بأمر الأحکام الحدود والحرب والسیاسه .
– أن یکون أفضل القوم علما ودینا ( ۱ ) .
ویقرر الفقهاء أن من غلب المسلمین بالسیف حتى صار خلیفه وسمی بأمیر المؤمنین لا یحل لأحد یؤمن بالله والیوم الآخر أن بییت ولا یراه إماما علیه ، برا کان أو فاجرا فهو أمیر المؤمنین ( ۲ ) .
واختلفوا فی الخلیفه الذی یداوم على السکر واللهو والغلول ( مصادره الغنائم لنفسه ) هل یجوز الجهاد معه أم لا . ؟ ( ۳ )
وتنص عقیده أهل السنه على أن الجهاد ماض وراء کل أمیر برا کان أو فاجرا ( ۴ ) .
وقد أفرد الفقهاء أبوابا فی کتب الفقه تدور حول أهلیه الإمام واستمراریته فی الحکم لو فقد یده أو عینه أو رجله أو أصابه خرس أو مرض أو ما شابه ذلک ( ۵ ) .
والمتأمل فی مثل هذه الأمور التی ربطها أهل السنه بمسأله الإمامه یتبین له أنها تفوح منها رائحه السیاسه . ویبدو هذا الأمر بوضوح فی تحدید الفقهاء لطریقین اثنین لانعقاد الإمامه هما :
– اختیار أهل الحل والعقد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الأحکام السلطانیه .
( ۲ ) المرجع السابق .
( ۳ ) أنظر تفاصیل هذا الخلاف فی کتب العقائد .
( ۴ ) أنظر العقیده الطحاویه والعقیده الواسطیه .
( ۵ ) أنظر الأحکام السلطانیه والسیاسه الشرعیه لابن تیمیه وکتب العقائد والفرق . ( * )
– العهد أو الوصیه من سابقه .
فبالنسبه للأمر الأول استنبطوه من فعل السقیفه .
وبالنسبه لأمر الثانی ( الوصیه ) استنبطوه من فعل أبی بکر حین أوصى لعمر .
وبالنسبه للعهد فقد استنبطوه من فعل بنی أمیه وبنی العباس ( ۱ ) .
وتبدو السیاسه بصوره أکثر وضوحا حین یقرر أهل السنه أن من أصول الاعتقاد أن الخلیفه بعد الرسول أبو بکر ثم عمر ثم عثمان ثم علی هکذا بالترتیب . ومع أن المتأمل فی أحداث السقیفه واختیار أبی بکر یجد أن المسأله قد جانبت الشورى وطغت فیها القبلیه وافتقدت فیها النصوص القاطعه بخلافته ( ۲ ) .
أما خلافه عمر فقد جاءت بوصیه من أبی بکر ولم تکن بمشوره المسلمین ، وقد عاضها کثیر من الصحابه وقتها ( ۳ ).
أما خلافه عثمان فقد جاءت باختیار من وسط سته من أفراد حددهم عمر ، تحالف أربعه منهم مع عثمان ضد السادس وهو الإمام علی ( ۴ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر لنا فقه الهزیمه .
( ۲ ) أنظر أحداث السقیفه فی کتب التاریخ وفی کتابنا السیف والسیاسه .
( ۳ ) أنظر کتب التاریخ . . وقد قال بعضهم لأبی بکر : أتولی علینا غلیظ القلب ؟
( ۴ ) أنظر کتب التاریخ . . والأربعه هم سعد بن أبی وقاص و عبد الرحمن بن عوف وطلحه بن عبید الله والزبیر . . وقال عمر : إذا
اجتمع ثلاثه على رأی وثلاثه على رأی . . أی استقر رأی اثنین على واحد . . والاثنین الآخرین على واحد – فحکموا عبد الله بن عمر .
وعبد الله هذا هو الذی قال فیه أبوه حین أشار علیه أحدهم باستخلافه : قاتلک الله . . والله ما رأیت الله بهذا . . استخلف من لم یحسن أن یطلق امرأته . وقال عمر للسته : لیحل هؤلاء فی بیت ( للتشاور ) فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالف فاضربوا عنقه . وقال الزبیر : قد جعلت أمری إلى علی . وقال طلحه : قد جعلت أمری إلى عثمان . وقال سعد : قد جعلت أمری إلى عبد الرحمن بن عوف . وانسحب ابن عوف فأصبح سعد مع عثمان . ثم فصل الأمر ابن عوف بأن رفع ید عثمان وبایعه . . والغریب أنه قبل أن یستقر الأمر لعثمان قال عمر والقوم یتشاورون : إن تولوها الأجلح ( علی ) یسلک بهم الطریق فقال له ابنه : ما یمنعک یا أمیر المؤمنین منه . . ؟ قال أکره أن أتحملها حیا ومیتا وفی روایه : أن ابن عوف طلب من علی أن یبایع على کتاب الله وسنه رسوله وسنه الشیخین فقال أبایع على کتاب الله وسنه رسوله وأجتهد برأیی . . فقال لعثمان أتبایع على کتاب الله وسنه رسوله . سنه الشیخین قال نعم . . فبایعه . والطریف هنا أن عثمان بعد أن تولى خرج عن کتاب الله وسنه رسوله وسنه الشیخین . .
انظر تفاصیل اختیار عثمان – فتح الباری : ج ۷ / ۶۱ . ۶۹ کتاب فضائل الصحابه باب مناقب عمر . ( * )
وخلافه علی لم یجتمع علیها القوم حتى أن بعض الفقهاء اعتبرها غیر کامله المشروعیه ، وقد اعترف بها القوم من باب التستر على أخطاء وتجاوزات الثلاثه الذین سبقوه ، وحتى لا ینکشف انحیازهم الکامل للخط القبلی ( ۱ ) .
تقول العقیده الطحاویه : ونثبت الخلافه بعد رسول الله صلى الله علیه وسلم أولا لأبی بکر تفضیلا له وتقدیما على جمیع الأمه ، ثم لعمر بن الخطاب ، ثم لعثمان ، ثم لعلی بن أبی طالب . وهم الخلفاء الراشدون والأئمه المهدیون ( ۲ ) .
ویقول ابن تیمیه : ثم من طریقه أهل السنه والجماعه اتباع وصیه الرسول صلى الله علیه وسلم حیث قال : " علیکم بسنتی وسنه الخلفاء الراشدین المهدیین من بعدی تمسکوا بها وعضوا علیها بالنواجذ ویرون إقامه الحج والجهاد والجمع والأعیاد مع الإمام " ( 3 ) .
وقد استدل بعضهم بقوله تعالى : ( إنی جاعل فی الأرض خلیفه ) على وجوب نصب الإمام .
یقول القرطبی : هذه الآیه أصل فی نصب إمام وخلیفه یسمع له ویطاع لتجتمع به الکلمه وتنفذ به أحکام الخلیفه . ولا خلاف فی وجوب ذلک بین الأمه ولا بین الأئمه . . وعندنا النظر طریق إلى معرفه الإمام .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر کتب التاریخ . . ویبرر هذا الموقف من خلافه الإمام عند أهل السنه أن الصحابه لم یجمعوا علیه وقد وقف منهم قطاع مع معاویه ضده بینما آثر قطاع الحیاد وفی مقدمتهم ابن عمر .
انظر لنا السیف والسیاسه وتأمل اعتبارهم عثمان قتل مظلوما بینما اعتبر بعضهم قاتل الإمام متأولا . . ولم یذکر فی کتب أهل السنه أن الإمام قتل مظلوما . والبخاری روى لعمران بن حطان شاعر الخوارج الذی أنشد یمدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام ..
( ۲ ) أنظر العقیده الطحاویه والواسطیه وجوهره التوحید وکتب العقائد .
( ۳ ) العقیده الواسطیه . ( * )
وإجماع أهل الاجتهاد طریق أیضا إلیه . . ولیس فی العقل ما یدل على ثبوت الإمامه لشخص معین . وکذلک لیس فی الخبر ما یوجب العلم بثبوت إمام معین . واختلف فیما یکون به الإمام إماما وذلک على ثلاثه طرق :
أحدها : النص وقال به جماعه من أصحاب الحدیث والحسن البصری والحنابله وغیرهم . وذلک أن النبی صلى الله علیه وسلم نص على أبی بکر بالإشاره . وأبو بکر على عمر . فإذا نص المستخلف على واحد معین کما فعل أبو بکر أو على جماعه کما فعل عمر وهو الطریق الثانی . ویکون التخییر إلیهم فی تعیین واحد منهم کما فعل الصحابه فی تعیین عثمان .
الطریق الثالث : إجماع أهل الحل والعقد . وذلک إن الجماعه فی مصر من الأمصار إذا مات إمامهم ، ولم یکن له إمام ولا استخلف ، فأقام أهل ذلک المصر الذی هو حضره الإمام وموضعه إماما لأنفسهم اجتمعوا علیه ورضوه ، فإن کل من خلفهم وأمامهم من المسلمین فی الآفاق یلزمهم الدخول فی طاعه ذلک الإمام ، إذا لم یکن الإمام معلنا بالفسق والفساد لأنها محیطه بهم تجب إجابتها ولا یسع أحد التخلف عنها لما لإقامه إمامین من اختلاف الکلمه وفساد ذات البین . . فإن عقدها واحد من
أهل الحل والعقد ، فذلک ثابت ویلزم الغیر فعله . . فإن تغلب من له أهلیه الإمامه وأخذها بالقهر والغلبه فقد قیل إن ذلک یکون طریقا رابعا . .
قال أبو المعالی : من انعقدت له الإمامه بعقد واحد فقد لزمت ولا یجوز خلعه من غیر حدث وتغیر أمر وهذا مجمع علیه . .
وقال ابن خویز منداد : لو وثب على الأمر من یصلح له من غیر مشوره ولا اختیار وبایع له الناس تمت له البیعه . .
وقال القرطبی : إذا انعقدت الإمامه باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد وجب على الناس کافه مبایعته على السمع والطاعه . . ( ۱ )
ویقول الماوردی : وأما انعقاد الإمامه بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرین عمل المسلمون بهما ولم یتناکروهما :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الجامع لأحکام القرآن : ج ۱ / ۱۸۵ وما بعدها . بتصرف ط . بیروت – دار الکتب العلمیه . ( * )
أحدهما أن أبا بکر عهد بها إلى عمر فأثبت المسلمون إمامته بعده .
والثانی أن عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعه دخولهم فیها وهم أعیان العصر اعتقادا بصحه العهد بها ( ۱ ) .
ویقول ابن خلدون : ثم إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه فی الشرع بإجماع الصحابه والتابعین لأن أصحاب الرسول صلى الله علیه وسلم عند وفاته بادروا إلى بیعه أبی بکر وتسلیم النظر إلیه فی أمورهم ، وکذا فی کل عصر بعد ذلک ، ولم یترک الناس فی عصر من الأعصار واستقر ذلک إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام . . ( ۲ ) .
ویقول النسفی : المسلمون لا بد لهم من إمام یقوم بتنفیذ أحکامهم وإقامه حدود هو سد ثغورهم وتجهیز جیوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبه والمتلصصه وقطاع الطرق وإقامه الجمع والأعیاد وقطع المنازعات الواقعه بین العباد وقبول الشهادات القائمه على الحقوق وتزویج الصغار والصغائر الذین لا أولیاء لهم وقسمه الغنائم ونحو ذلک من الأمور التی لا یتولاها آحاد الأمه ( ۳ ) .
وقد أجمع فقهاء السنه على أن نصوص القرآن والسنه أوجبت إقامه إمام للجماعه الإسلامیه لکنهم یعتبرون هذا الوجوب لیس من باب الفریضه التی تجعل من مسأله الإمامه أصلا من أصول الإسلام أو جزءا من الاعتقاد وإنما جعلوا الإیمان بخلافه أبی بکر وعمر وعثمان وعلی جزءا من الاعتقاد .
ورغم اعتقاد أهل السنه بخلافه الإمام علی وحساسیتهم الشدیده تجاه من یسمون الخلفاء الثلاثه بشئ من النقد إلا أن محاولتهم رفع مقام معاویه واختراع المناقب وتبریر تجاوزاته معه واتنهاکاته لحقوقه کإمام وکذلک تبریر تجاوزات الآخرین . . محاولتهم هذه تتناقض مع هذا الاعتقاد الذی تفوح منه رائحه التحیز للثلاثه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الأحکام السلطانیه .
( ۲ ) المقدمه ، لابن خلدون .
( ۳ ) العقائد النسفیه شرح التفتازانی . ( * )
ولا یمکن لعاقل أن یدعی أن مساواه معاویه بالإمام علی لا تعنی مساسا بشخص الإمام ، فهذه المساواه تعنی توثیق معاویه ، توثیق معاویه یعنی إضعاف الثقه بالإمام علی والشک فی شرعیته . وهذا الموقف یتخذه أهل السنه من معاویه فی الوقت الذی یعتبرون فیه الخارجین على عثمان والثائرین علیه من البغاه مع أن فیهم الصحابه ( ۱ ) .
– وظیفه الإمام : یبدو لنا من خلال استعراض النقاط السابقه أن أهل السنه یقرون التعایش مع أی حاکم . ما دام یحمی بیضه الإسلام فهو إمام المسلمین . . سلوکه الشخصی لیس مهما . . ومستواه العلمی لیس مهما . . وصل إلى الحکم بالغصب أو بالوراثه لیس مهما . . فسلوکه الشخصی أمر یتعلق به ولیس الإمامه ، وقد سئل ابن حنبل : الإمام الفاجر القوی أفضل أم الإمام التقی الضعیف ؟ فأجاب : الفاجر القوی ، لأن فجوره على نفسه ولیس على الرعیه ، أما الآخر فتقواه لنفسه وضعفه على الرعیه . وقد نسی ابن حنبل أن الإمام الفاجر لا بد أن ینعکس فجوره على الرعیه .
أما مستواه العلمی فأکثر أهل السنه على اشتراط العلم ، والاجتهاد فی الإمام نظریا فقط ، وموقفهم عملیا إنما هو موقف مسایر لحکام زمانهم من الأمویین والعباسیین وغیرهم الذین لم یکن لدیهم وقت للعلم وفهم أحکام الدین .
فهی مسأله لا تعنیهم من الأصل ما دامت السلطه التنفیذیه والسیاسیه فی أیدیهم والسلطه الدینیه فی ید الفقهاء التابعین لهم فما حاجتهم للعلم إذن ؟ والفقهاء بهذا التصور إنما یؤکدون فکره فصل الدین عن الدوله وإیجاد سلطه دینیه وسلطه سیاسیه تتناقض کل منهما مع الأخرى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر کتب التاریخ . . وانظر لنا السیف والسیاسه . ( * )
وبالطبع لم یکن أمام الفقهاء سوى اختیار هذا الطریق إذ أن اشتراطهم العلم والاجتهاد فی الحاکم سوف یؤدی إلى صدامهم مع حکام زمانهم ورفضهم ، لکنهم قبلوا الاعتراف بالحکام الجهال کما قبلوا الاعتراف بالحکام الفجار ومغتصبی السلطه .
ویعتبر أهل السنه أن الذی یغتصب السلطه یجب إقراره وطاعته لأن رفضه والخروج علیه یعتبر مفسده أعظم من مفسده حکمه . وهذا الموقف نابع من معایشه الفقهاء للأنظمه الوراثیه الأمویه والعباسیه وغیرها والتی قتلت فی ظلها روح الشورى وجعلت القتل والتآمر وسیله الوصول إلى الحکم . ولیس هناک من حرج فی هذا ، فالفقهاء على الأبواب ینتظرون نتیجه أی صراع داخل العائله الحاکمه أو خارجها لیبارکوا المنتصر ویضفوا علیه الشرعیه ویدعوا الرعیه إلى طاعته وعدم السعی لإعاده المغلوب لأن فی ذلک مفسده أکبر . فلا یجوز إذن إن یخلع الإمام بسبب الظلم أو الفسق أو غصب الأموال وضرب الابشار وتضییع الحقوق وتعطیل الحدود ، فهذا أمر قد أقره جمهور الفقهاء ، فمن ثم یعد من الإجماع الواجب التقید به واعتقاده ( ۱ ) .
وهناک روایه على لسان الرسول صلى الله علیه وآله توجب طاعه الإمام وإن جلد ظهرک وأخذ مالک (۲) .
وإذا کان الأمر کذلک فما هی وظیفه الإمام إذن . . ؟ إن مثل هذا الاعتقاد عند أهل السنه إنما هو أحد الموروثات السیاسیه التی لا سند لها من النصوص القطعیه وإنما سندها الوحید هو الأحادیث المخترعه ( ۳ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر الأحکام السلطانیه والتمهید للباقلانی .
( ۲ ) أنظر مسلم کتاب الإماره .
( ۳ ) أنظر لنا أحادیث نبویه اخترعتها السیاسه . ( * )
یقول الشیخ جعفر السبحانی : وعلى هذا الأساس تسلط أصحاب السلطه من الأمویین والعباسیین على أعناق الناس وأراقوا الدماء واستباحوا الأعراض وانتهبوا الأموال ، وصار أصحاب الحدیث یبررون سلوکهم فی عدم جهاد الطواغیت بهذه العله التافهه ( المفسده الأعظم ) التی لو أخذنا بها لاندرس من الدین حتى الاسم وهؤلاء المساکین لا یدرون أنه إنما قام للإسلام عمود واخضر له عود بمجابهه المخلصین من المسلمین عن طریق ثوراتهم وأعمالهم على السلطات الجائره حتى استشهد کثیر منهم وسقوا شجره الإسلام بدمائهم الطاهره فبقیت مخضره تؤتی أکلها کل حین ( ۱ ) .
ویحدد بعض الفقهاء وظیفه الإمام فی الأمه فی عشره أمور هی :
– حفظ الدین على الأصول التی أجمع علیها السلف .
– تنفیذ الأحکام بین المتشاجرین وقطع الخصام بینهم .
– حمایه البیضه والذب عن الحوزه ( الدفاع عن البلاد وتأمینها ) .
– إقامه الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاک .
– تحصین الثغور بالعده المانعه والقوه الدافعه .
– جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوه حتى یسلم أو یدخل فی الذمه .
– جبایه الفیئ والصدقات .
– تقدیر العطاء وما یستحق فی بیت المال .
– استکفاء الأمناء وتقلید النصحاء .
– أن یباشر بنفسه مشارفه الأمور وتصفح الأحوال ( ۲ ) .
وهذه المهام العشر إذا ما حاولنا مطابقتها على واقع الحکام الذین ملکوا السلطه فی تاریخ المسلمین فسوف نجد مفارقه کبیره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مفاهیم القرآن : ج ۵ / ۲۰۰ ط . بیروت .
( ۲ ) الأحکام السلطانیه لأبی یعلى . ( * )
فلن نجد حاکما واحدا حفظ الدین على وجهه الصحیح . أما حفظ الدین حسب منهج بنی أمیه وبنی العباس الذی أقره السلف فهو أمر قد تحقق بالفعل ولا یزال متحققا على أیدی آل سعود وحکام النفط وغیرهم .
أما تنفیذ الأحکام وقطع الخصام هذه مهمه تکبرهم بکثیر لأنهم کانوا جهلاء لا شأن لهم بالعلم الشرعی ولا یملکون آله الاجتهاد ، والمنفذ الفعلی لهذه المهمه هم القضاه ، وحمایه البلاد وتأمینها قام بها البعض وتقاعس آخرون . وإقامه الحدود على أیدیهم غیر أمر معهود لجهلهم أولا . . واستحقاق إقامه الحدود علیهم ثانیا . وتحصین الثغور والجهاد قام به الرعیه والجنود ولیس للحکام فضل فی هذا .
أم جبایه الفیئ والصدقات فهو أمر قد تفانوا فیه وبذلوا فیه غایه الجهد حتى یضمنوا لأنفسهم رغد العیش والحیاه فی القصور والتسلی مع الحور . واستکفاء الأمناء وتقلید النصحاء ومباشره الأمور فلا أظن أن هناک عاقلا یقول إن هذه من مهمات الحکام . فلو أحاط الحکام أنفسهم بالأمناء وقلدوا الأمور للنصحاء وباشروا أمور الرعیه بما یرضی الله لقاموا بوظیفتهم ، لکن شیئا من ذلک لم یحدث إلا فی النادر .
ومما سبق یتبین لنا أن الإمام أو الخلیفه أو أمیر المؤمنین فی نظر أهل السنه من السهل علیه أن یحکم ومن السهل علیه أن یطاع دون أن یؤدی وظیفته .
ومنهج أهل السنه یقوم على أساس إحسان الظن بالإمام ( الحاکم ) وتبریر ممارساته ومواقفه المتناقضه مع الشرع .
ویروى عن أبی یوسف : أنه لما حج مع هارون الرشید فاحتجم الخلیفه ، وأفتاه مالک بأنه لا یتوضأ وصلى بالناس فقیل لأبی یوسف : أصلیت خلفه ؟ قال : سبحان الله . أمیر المؤمنین . یرید بذلک أن ترک الصلاه خلف ولاه الأمور من فعل أهل البدع ( ۱ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) العقیده الطحاویه . ( * )
وقد دلت نصوص الکتاب والسنه وإجماع سلف الأمه أن ولی الأمر وإمام الصلاه والحاکم وأمیر الحرب وعامل الصدقه یطاع فی مواضع الاجتهاد . ولیس علیه أن یطیع اتباعه فی موارد الاجتهاد ، بل علیهم طاعته فی ذلک وترک رأیهم لرأیه فإن مصلحه الجماعه والائتلاف ومفسده الفرقه والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئیه ( ۱ ) .
ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاه أمورنا وإن جاروا ، ولا ندعوا علیهم ولا ننزع یدا من طاعتهم . ونرى طاعتهم لله عز وجل فریضه . . ما لم یأمروا بمعصیه وندعوا لهم بالصلاح والمعافاه ( ۲ ) .
وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا ، فلأنه یترتب على الخروج من طاعتهم من الفاسد أضعاف ما یحصل من جورهم . بل فی الصبر على جورهم تکفیر السیئات ومضاعفه الأجور فإن الله تعالى ما سلطهم علینا إلا لفساد أعمالنا ( ۳ ) .
یروی البخاری وغیره عشرات الأحادیث التی توجب طاعه الحکام حتى وإن ظلموا وفجروا وأکلوا أموال الناس وجلدوا ظهورهم ما داموا یقیمون الصلاه ( ۴ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) المرجع السابق .
( ۲ ) المرجع السابق .
( ۳ ) المرجع السابق .
( ۴ ) یروی مسلم : خیار أئمتکم الذین تحبونهم ویحبونکم وتصلون علیهم ویصلون علیکم . وشرار أئمتکم الذین تبغضونهم ویبغضونکم وتلعنونهم ویلعنونکم . . قلنا : یا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلک ؟ قال : لا . ما أقاموا فیکم الصلاه . . إلا من ولی علیه وال فرآه یأتی شیئا من معصیه الله . . فلیکره ما یأتی من معصیه الله ولا ینزعن یدا من طاعته . ویروی البخاری : من أطاعنی فقد أطاع الله ومن عصانی فقد عصى الله . . ومن یطع الأمیر فقد أطاعنی ومن عصى الأمیر فقد عصانی . . وفی مسلم والبخاری على المرء المسلم السمع والطاعه فیما أحب وکره . . من رأى من أمیره شیئا فلیصبر ، فإنه من فارق الجماعه قید شبر فمات فمیتته جاهلیه . . وفی روایه فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه . ومثل هذه الروایات هی التی أسهمت بفضل فقهاء السلاطین فی الحفاظ على ملک بنی أمیه وبنی العباس وحتى الممالیک العبید . انظر مسلم کتاب الإماره وشرحه للنووی . . ( * )
وتنص عقیده أهل السنه على أن الحج والجهاد ماضیان مع أولی الأمر من المسلمین بارهم وفاجرهم إلى قیام الساعه ، لا یبطلها شئ ولا ینقضها ( ۱ ) .
وینقل الباقلانی قول جمهور السنه من أهل الإثبات والحدیث : لا ینخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الابشار وتناول النفوس المحرمه وتضییع الحقوق وتعطیل الحدود . ولا ینخلع بهذه الأمور ولا یجب الخروج علیه بل یجب وعظه وتخویفه وترک طاعته فی شئ مما یدعو إلیه من معاصی الله ، واحتجوا لذلک بأخبار کثیره متضافره عن النبی والصحابه فی وجوب طاعه الأئمه وإن جاروا واستأثروا بالأموال ( ۲ ) .
ویقول التفتازانی : وإذا مات الإمام وتصدى للإمامه من یستجمع شرائطها من غیر استخلاف . . وقهر الناس بشوکته . . انعقدت الخلافه له ، وکذا إذا کان فاسقا أو جائرا على الأظهر ، إلا أنه یعصى بما فعل، وتجب طاعه الإمام ما لم یخالف حکم الشرع سواء کان عادلا أو جائرا . . ولا ینعزل الإمام بالفسق ( ۳ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) العقیده الطحاویه .
( ۲ ) التمهید للباقلانی .
( ۳ ) العقائد النسفیه . ( * )