إتباع الهوى
إتباع الهوى
قال الله عزّ وجل: (یَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاکَ خَلِیفَهً فِی الأَرْضِ فَاحْکُمْ بَیْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَیُضِلَّکَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِینَ یَضِلُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِیدٌ بِمَا نَسُوا یَوْمَ الْحِسَابِ)(۱).
یستلزم موضوع "إتباع الهوى" الحدیث فی مجموعه من النقاط:
أولاً: فی معنى الهوى:
إن من أکثر الأمور التی تعیق حرکه الإنسان وفاعلیته، وفق ما رسمه الله عزّ وجل له، هو عدم استعماله للطاقات والقابلیات التی أودعها فیه عزّ وجل، والاستفاده السلبیه من هذه الطاقات والقدرات فی غیر الطریق الذی رسمه، فهو أعظم المخلوقات بلا شک ولا ریب، وأودع الله عزّ وجل فیه من الإمکانیات والقابلیات ما لم یودعها فی غیره من المخلوقات، بل حتى أقرب المخلوقات له وهی الملائکه، فالإنسان یمکن من خلال إمکانیاته أن یفضل على هذه المخلوقات العظیمه، شریطه أن یستغل هذه الطاقات والإمکانیات، وخصوصاً العقل الذی یحتوی على أعظم القدرات، ضمن الخط الذی رسمه له الله عزّ وجل.
واستعمال الطاقات والقدرات المودعه فی النفس الإنسانیه فی ما رسمه الله عزّ وجل یُعبِّر عن اتباع الهوى، وهو میل النفس إلى الشهوه وانسیاق الإنسان للعمل وفق رغباته وشهواته، والعمل على إسکات هذه الرغبات والشهوات بإعطائها کلّ ما ترغب، والسیر وفق هوى النفس مما یفقد الإنسان قدرته فی السیطره على ذاته وإمکاناته.
یطرح تساؤل مهم، وهو هل أن کل ما تهواه النفس یعتبر أمراً مذموماً، وکل ما لا تهواه یعتبر أمراً محموداً؟
نقف أمام معیار مفقود ومیزان لا یستطیع فهم ضوابطه، فإن البعض یرى أن العقل کل العقل هو فی مخالفه النفس فی کل ما تهوى، ولا بدَّ لإدراک الحق ومعرفه الصواب والسعاده فی الحیاه من مخالفه النفس فی کل ما تهوى. ویجد البعض الآخر أن الإنسان لا بدّ أن یرضی نفسه، والعقل کل العقل فی محاولته إرضاء غرائزه وإشباع شهواته والانسیاق ورائها لتحقیق اللذه التی ینشدها.
فی الحقیقه لا یمکن لنا أن نعتبر أن کلّ مخالفه للنفس أمر محمود، وأن کل ما تهواه النفس یعتبر أمراً مذموماً، بل المعیار الصحیح هو العمل وفق رضا الله عزّ وجل، تهوى النفس الطعام والشراب واللذات الأخرى، فإن کان الإنسان یأتی بهذه الأمور من باب سدّ باب الحرام والتقوی على طاعه الله سبحانه عزّ وجل، فإن ما تهواه النفس هنا هو عین ما یقرِّب الإنسان إلى الله عزّ وجل، وهو عین ما أمر به الباری جلّ وعلا، وأما إذا کان من باب اتباع النفس فی مراداتها وسد هذه الحاجات بأی طریق کان، فإن ذلک یعدّ من الأمور المذمومه وهو اتّباع للهوى الذی نهى الله عزّ وجل عنه.
وکذلک الأمر فی جانب الترک، فترک الطعام والشراب وکثیر من لذات الدنیا یعتبر زهداً وطلباً لثواب الله عزّ وجل، شریطه أن یکون ضمن الضوابط الشرعیه، فإن عدم متابعه هوى النفس هنا من الأمور الممدوحه؛ لأن المطلوب فیها الوصول إلى رضا الله عزّ وجل، أما إذا کان الترک لکی یُعرف الإنسان بالزهد، أو للوصول إلى قدرات نفسانیه وغیبیه لا تتأتى إلاّ من خلال هذا الطریق، أو العمل على ترک هذه الأمور بخلاف الضوابط الشرعیه، فإن هذا یعتبر من إتباع الهوى لا ترک الهوى.
فالضابط والمعیار فی حسن ما تهواه النفس أو قبحه أو حسن ما لا تهواه النفس أو قبحه، مقدار ما یطلب وجه الله عزّ وجل فی هذا الفعل أو ذاک الترک.
ثانیاً: أنواع الهوى:
من الخطأ الکبیر أن نحصر الهوى فی عملیه إتّباع الشهوات من الطعام والشراب وإشباع الرغبات الجنسیه، أو کل ما یتعلق بالرغبات الجسمیه والنفسیه لدى الإنسان، فهذه فی الواقع نوع من أنواع الهوى، ویمکن أن نقسم الهوى إلى مجموعه من الأقسام:
۱-إتباع الشهوات(۱): عملیه إشباع الشهوات والسعی لإشباعها بأی طریق کان وأی وسیله، واعتبار إشباع هذه الرّغبات والنزوات من أهم عوامل الحیاه، هو إتباع للهوى، فالإنسان الذی یرى الدنیا فی جمع المال لأنه من خلاله یستطیع أن یحصل على تلبیه کل رغباته وشهواته، أو الذی یسعى للجاه والقوه والسلطه لیتسنى له إشباع رغباته ومیوله النفسیه وبأی وسیله کانت، فإن ذلک من إتباع الهوى وهو ما یعبّر عنه القرآن الکریم بأنه: متاع الحیاه الدنیا: (زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِینَ وَالْقَنَاطِیرِ الْـمُقَنطَرَهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّهِ وَالْـخَیْلِ الْـمُسَوَّمَهِ وَالأَنْعَامِ وَالْـحَرْثِ ذَلِکَ مَتَاعُ الْـحَیَاهِ الدُّنْیَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْـمَآبِ)(۳).
فالسعی وراء هذه الأشیاء وإتباع مختلف الأسالیب فی الحصول علیها هو إتباع للهوى.
(۲)عدم اعتماد البرهان والدلیل فی الأمور(۴): یحصل إتباع الهوى أیضاً فی حاله عدم الدّقه فی إصدار الأحکام، وقد یتصوّر البعض أن هذه الأمور مختصّه بمن یتولى القضاء والحکم بین النّاس، نعم، هؤلاء من أظهر مصادیقه ولکن أیضاً یشمل کل ما یصدره الإنسان من أحکام على الآخرین من دون استناد إلى دلیل وبرهان، وما أکثر ما نلاحظ فی حیاتنا أننا نصدر أحکاماً بشکل جزاف على الناس دون أن یکون لنا أی دلیل فی ذلک، وإنما هو الهوى والحب الذی یعمی ویصم.
فالإنسان الذی نحبه ونوده تعمى عیوننا عن إبصار عیوبه، ونحاول أن نجد له من المعاذیر والمحامل الصحیحه الشیء الکثیر، بینما لا نعذر من لا نحب، ونحاول أن نصفه بأقسى الصفات ونحکم علیه بأشد الأحکام إذا تصرّف تصرّفاً لا یعجبنا، وهذا ما نهى الله عزّ وجل عنه: (یَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاکَ خَلِیفَهً فِی الأَرْضِ فَاحْکُمْ بَیْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَیُضِلَّکَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِینَ یَضِلُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِیدٌ بِمَا نَسُوا یَوْمَ الْحِسَابِ)(۵) وبطبیعه الحال تزداد أهمیه اتباع الحق فی الحکم بحسب الدرجه التی یتمتع بها ذلک الحاکم، ولکن الکل مطالب باتّباع الحق وعدم اتّباع الهوى فی إصدار الأحکام، ولا یختلف فی ذلک إثنان، نعم، الاختلاف إنما یکون فی الدرجه والموقع الذی یحمله الإنسان.
(۳)الهوى فی اختیار المله والطریق(۶): من الهوى المنهی عنه اتّباع النفس فی اختیارها للملّه والطریقه والرأی الذی لا یستند إلى الحقائق الربانیه، ویعتمد فیه الإنسان على التقلید الأعمى للآباء والأجداد، أو کل من یراه عظیماً بعینه، أو یعتمد على التعصب الذی یحاول من خلاله أن یغض النظر عن الحق ویحاول التعامی عنه، مع کامل اعترافه بالحق، وقد عاب الله عزّ وجل على کثیر من الناس عدم أخذهم بالحق واتباع الآباء والأجداد والساده والکبراء فی المعتقد، مع العلم بضلالتهم أو عدم إعمال الفکر فی معتقداتهم، قال الله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَیْنَا عَلَیْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ کَانَ آبَاؤُهُمْ لا یَعْقِلُونَ شَیْئًا وَلا یَهْتَدُونَ)(۷) وقوله سبحانه وتعالى حکایه على لسان الکافرین وهم یعذبون فی نار جهنم: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَکُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِیلَا)(۸).
وهذا النوع من أخطر أنواع إتباع الهوى، لأن إتباع الهوى فی المعتقد یخرج الإنسان عن جاده الحق، وبالتالی یجعل الإنسان لا یعیش إلاّ ضمن الهوى، لذا نلاحظ فی الدعاء المأثور عن الإمام الصادق "علیه السلام" ما یشیر إلى هذه الحقیقه: (اللهم صَلِّ على محمدٍ وآل محمد، وأرنی الحق حقاً فأتبعه، والباطل باطلاً فأجتنبه، ولا تجعلهما علیّ متشابهین فأتبع هوای بغیر هدىً منک، واجعل هوای تبعاً لطاعتک، وخذ لنفسک رضاها من نفسی، وأهدنی لما أختلف فیه من الحق بأذنک، إنک تهدی من تشاء إلى صراط مستقیم)(۹).
إذن، فالإنسان ربما تحصل لدیه حاله من الضیاع فی المعتقد نتیجه التشابه بین الحق والباطل، وبالتالی فیتبع الإنسان الهوى فی معتقده، ویضل عن طریق الحق وطریق الله سبحانه وتعالى، والدعاء یشیر إلى حقیقه أن الهوى لا بدَّ أن یکون تبعاً لطاعه الله سبحانه وتعالى، فلا یدَّ أن یمیل الإنسان إلى ما یوصل إلى رضا الله سبحانه وتعالى، لأن ذلک هو الفیصل بین الحق والباطل، وهو الفیصل بین ما تهواه النفس من الممدوح وما تهواه النفس من المذموم.
ثالثاً: أسباب إتّباع الهوى:
قد تختلف أسباب اتباع الهوى بحسب اختلاف الأنواع، فالأسباب فی إتباع الهوى السلوکی تختلف عن الأسباب فی اتباع الهوى العقائدی، ولکن یمکن إجمالاً أن نذکر مجموعه من الأسباب نعتقد أنها الأسباب الأساسیه لعملیه إتباع الهوى والخروج عن جاده الحق، ویمکن أن تکون سبباً لجمیع أنواع اتباع الهوى.
(۱)ما یتعلق بالآخرین: التقلید الأعمى والتأثر بالآخرین:
من أهم عوامل اتباع الهوى وعدم إعمال العقل فی اتخاذ القرارات الصحیحه والسیر وفق إراده الله سبحانه وتعالى، هو التأثر بالآخرین واتباعهم من غیر تدقیق فی مسیرتهم وسلوکهم، فاتباع الآباء الناجم عن الإعجاب بهم والحب لهم والتأثر بشخصیتهم بحیث یحجب هذا الحب والإعجاب البصر والنظر إلى الحقیقه، کما ذکرنا فی بعض الآیات الکریمه الدّاله على تقلید الآباء وإطاعه الساده والکبراء الذین یوصلون الإنسان إلى نار جهنم.
وأیضاً نجد تأثیر الأخلاء وأصدقاء السوء فی انحراف الإنسان عن جاده الحق، بالإضافه إلى عمل أهل المنکرات والمنحرفین وتأثیرهم فی الآخرین وسعیهم الدؤوب فی حرف الإنسان، وهذا ما یؤکده القرآن الکریم فی قوله سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْکُمْ وَیُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلًا عَظِیمًا)(۱۰)، وأیضاً فی قوله سبحانه وتعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَکَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاهِ وَالْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَیْنَاکَ عَنْهُمْ تُرِیدُ زِینَهَ الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِکْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَکَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)(۱۱).
فالباری جلّ وعلا یحذّر من اتّباع أولئک الغافلین الذین اتبعوا أهواءهم، والذین یریدون فرض أهوائهم على الآخرین، وإبعادهم عن جاده الحق والصواب، ویحذر أیضاً من اتّباع الآخرین دون تمحیص وتدقیق، ولا یعتبر ذلک سبباً کافیاً للعفو عن هؤلاء الجاهلین فی اتباعهم لأولئک الذین حرفوهم، والقرآن الکریم یحدثنا فی أکثر من موضع عن عدم وجود عذر للجهله فی اتباعهم الآخرین دون تأکد و تدقیق، لأن ذلک فی الواقع نوع من أنواع الاستهانه بالدین والمعتقد، لأن الأمر إذا کامن متعلقاً بقضیه دنیویه تجد الإنسان یدقق ویرجع إلى أهل الخبره، ویستشیر قبل أن یقوم بأی عمل دنیوی فیه شیء من الفائده له، ونجده یقدم على الأمور الدینیه دون أن یبذل أدنى جهد فی سبیل معرفه الواقع، فأیّ عذر لمثل هؤلاء الذین سوف یتبرأ منهم الذین حرفوهم عن الحق کما ذکر ذلک الحق جلّ شأنه (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِینَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِینَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِینَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا کَرَّهً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ کَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا کَذَلِکَ یُرِیهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَیْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِینَ مِنَ النَّارِ) (۱۲).
بل أکثر من ذلک عندما نجد هؤلاء الأتباع الجهله یطالبون الله سبحانه وتعالى أن یزید فی عذاب من کان سبباً لشقائهم، فنجده یفرض الزیاده فی العذاب على الجمیع ، یقول سبحانه وتعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِی أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِکُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِی النَّارِ کُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّهٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَکُوا فِیهَا جَمِیعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِکُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰکِن لَّا تَعْلَمُونَ) (۱۳).
۲- ما یتعلق بالإنسان نفسه: عدم الصبر أمام الشهوات:
العامل الثانی من عوامل انحراف الإنسان وإتباعه لهوى النفس هو عدم قدرته على الوقوف أمام شهواته، وعدم تحمله مجاهده النفس الأماره بالسوء، فیجد نفسه مع علمه بالآثار السلبیه لاتّباع الهوى وما یمکن أن یوصل الإنسان إلیه، إلاّ أنّه نتیجه الضعف البشری وعدم ریاضته ومجاهدته لنفسه یقع فریسه أمام شهواته ونزواته.
والقرآن الکریم یحدثنا عن مثل هؤلاء الناس وعاقبتهم، ویحدثنا أیضاً عن الطرف الآخر الذی یجاهد نفسه والعاقبه التی یصل إلیها، قال الله سبحانه وتعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِیمُ لِمَنْ یَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَیَاهَ الدُّنْیَا * فَإِنَّ الْجَحِیمَ هِیَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّهَ هِیَ الْمَأْوَى) (۱۴).
ویشبر الرسول "صلى الله علیه وآله" وأهل البیت "علیهم السلام" فی أحادیث کثیره إلى هذه المسأله وأهمیه مجاهده النفس، یقول أمیر المؤمنین "علیه السلام" فی إحدى خطبه: (إنَّ رَسُولَ اللهِ "صَلَّى اللهُ عَلَیْهِ وَآلِهِ" کَانَ یَقُولُ: إنَّ الْجَنَّهَ حُفَّتْ بِالْمَکَارِهِ، وَإنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَاعْلَمُوا أنَّهُ مَا مِنْ طَاعَهِ اللهِ شَیْءٌ إلاَّ یَأْتی فِی کُرْهٍ، وَمَا مِنْ مَعْصِیَهِ اللهِ شَیءٌ إلاَّ یَأْتِی فِی شَهْوَهٍ، فَرَحِمَ اللهُ رَجُلاً نَزَعَ (۱۵) عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإنَّ هذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَیْءٍ مَنْزِعاً (۱۶)، وَإنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزِعُ (۱۷) إِلَى مَعْصِیَهٍ فِی هَوىً) (۱۸).
فالإنسان الذی یستطیع أن یصبر، ویتحمل ضغط الشهوات والنفس فإنه لا شک إنسان فائز، ومنتصر على هواه، بل هو من أشجع النّاس، کما روی ذلک عن أمیر المؤمنین "علیه السلام" فیما ورد عن الإمام الصادق "علیه السلام" قال: قال أمیر المؤمنین "علیه السلام": (أشجع الناس من غلب هواه)(۱۹)، وأما الذی لا یستطیع أ، یصبر ویتحمل هذه الضغوط، فإنّه ینساق إلى اتباع الهوى والمیل إلى متطلبات النفس مما یجعله یقع فی الرّدى.
رابعاً: کیفیه مقاومه الهوى:
وهنا نأتی إلى الأمر الذی یقف الکثیرون أمامه معلنین الصعوبه البالغه فی الالتزام به، أو صعوبه معرفه الطریقه لمقاومه هوى النفس، ونحن بدورنا لا نستطیع أن نبسّط هذه المسأله أو نقلل من أهمّیتها، خصوصاً وأن هذه العملیه هی ما عبّر عنها الرسول الأعظم "صلى الله علیه وآله" فی أحادیث متعدده بأنها الجهاد الأکبر، فلا شیء أعظم وأکبر من مجاهده الإنسان لنفسه، وعدم إطاعته لهواه واتباع أوامر مولاه، ومقاومه الهوى والفوز بالدارین.
وهنا عدّه نقاط جدیره بالبحث فی هذا الطریق الشاق:
(۱)النظر فی آثار أتباع الهوى:
قد یتصور البعض أن الذین انفلتوا من زمام القیود الدینیه، واتبعوا أهواءهم یعیشون حیاه ملؤها السعاده، إذ لا یوجد ما یضغط علیهم لیلبوا نداءه، فهم یشبعون شهواتهم ونزواتهم ورغباتهم، وبالتالی فالنظره الساذجه الأولیه تبدی هؤلاء وهم یعیشون حاله من السعاده والرفاه، ولکن لا بدَّ للإنسان العاقل أن لا یکتفی بالنظره الساذجه البسیطه إلى الأمور، بل لا بدَّ أن یمعن النظر ویدقق فی الأمور لیتوصل إلى فهم الحقائق بصوره صحیحه، ولا یکتفی بالمظاهر الخدّاعه.
ونحن لا نرید الخوض فی حقیقه الحاله التی یعیشها هؤلاء، هل أنهم یعیشون السعاده أم الشقاء، وهل السعاده فی اتباع الهوى، أم فی اتباع المولى، هذا الحدیث القدسی یبین فیه حقیقه الحاله التی یعیشها الإنسان المتبع لهواه، والإنسان المخالف لهواه: عن الباقر "علیه السلام" قال: (قال رسول الله "صلى الله علیه وآله" یقول الله عزّ وجلّ : وعزّتی وجلالی وعظمتی وکبریائی ونوری وعلوّی وارتفاع مکانی، لا یؤثر عبد هواه على هوای إلاّ شتتّ أمره، ولبّست علیه دنیاه، وشغلت قلبه بها، ولم أوته منها إلاّ ما قدّرت له، وعزّتی وجلالی وعظمتی وکبریائی ونوری وعلوّی وارتفاع مکانی، لا یؤثر عبد هوای على هواه إلاّ استحفظته ملائکتی، وکفلت السماوات والأرض رزقه، وکنت له من وراء تجاره کل تاجر، وأتته الدنیا وهی راغمه)(۲۰).
ولا یستصغر الإنسان الأیمان والأقسام العالیه التی أقسمها الله سبحانه وتعالى بصفاته، حیث أنَّ لکلّ صفه من هذه الصفات معنى أراد الله سبحانه وتعالى أن یبینه لعباده(۲۱)، وکان یکفی له جلّ جلاله أن یقسم بذاته المقدسه، ولکن أن یذکر سبعاً من صفاته العلیا وأسمائه الکبرى، فهذا دلیل على أهمیه المطلوب، وعظمه ما یرید أن یبینه جلّ اسمه إلى عباده، فأی سعاده یحققها الإنسان؟ والله سبحانه وتعالى یقسم بهذه الأسماء العظیمه أن الذی یؤثر هواه على هوى الله سبحانه وتعالى کان ذلک سبباً لتشتت باله وتلبّس الدنیا علیه، لا یعرف ما ینفعه مما یضرّه، یعیش متخبّطاً فیها ولا یمکن له أن یحصل إلاّ ما قدّر الله سبحانه وتعالى له، ولو حاولنا أن نطبّق هذا الحدیث القدسی الشریف على اتباع الهوى واتباع المولى لوجدنا مدى انطباق ذلک علیهم وصدق الله سبحانه وتعالى وصدق رسوله.
(۲)تذکر الموت:
الحدیث عن تذکر الموت حدیث طویل لما فیه من أهمیه عظیمه وآثار وبرکات کثیره، ولکن نذکر إجمالاً أن تذکر الموت ومآل الإنسان ومصیره ونهایته والاعتبار بمن عاش قبلنا، والنظر فی آثارهم وعاقبتهم، کل ذلک له أثر کبیر فی إبعاد الإنسان عن المعاصی، وجعله یبتعد عن اتباع الهوى. یقول أمیر المؤمنین علی "علیه السلام" : (وأکثروا ذکر الموت عندما تنازعکم إلیه أنفسکم من الشهوات، فإنّه کفى بالموت واعظاً، وکان رسول الله "صلى الله علیه وآله" یوصی أصحابه بذکر الموت فیقول: وأکثروا ذکر الموت، فإنه هادم اللذات …) (۲۲).
(۳)مصاحبه أهل الصلاح:
إن أکثر ما یؤثر فی الإنسان هو الصاحب والصدیق والخلیل، فکم من أناس کانوا على هدى من أمرهم وانحرفوا لصحبتهم أهل الأهواء واتّباع الرأی، وکم من أناس استفادوا من مصاحبتهم لأهل الصلاح، فلا بد أن یتخیّر الإنسان إخوانه الذین یعاشرهم ولیبحث عمّن یوصله إلیه سبحانه وتعالى وإن أتعبه، فهو خیر له من مخالطه إخوان السوء.
عن أمیر المؤمنین "علیه السلام" : (خیر إخوانک من عنّفک فی طاعه الله سبحانه)(۲۳).
وعنه "علیه السلام" : (خیر إخوانک من سارع إلى الخیر وجذبک إلیه، وأمرک بالبر وأعانک علیه) (۲۴).
وعنه "علیه السلام" أیضاً : (خیر إخوانک من دعاک إلى صدق المقال بصدق مقاله، وندبک إلى أفضل الأعمال بحسن أعماله) (۲۵).
وعن رسول الله "صلى الله علیه وآله": ( خیر إخوانک من أعانک على طاعه الله وصدّک عن معاصیه وأمرک برضاه) (۲۶).
(۴)خلق الأجواء المناسبه للصلاح:
یتأثر الإنسان بالجوّ المحیط به، فکما یتأثر بالأصدقاء والأخلاء فإن الجو الاجتماعی الذی یعیشه له الأثر الکبیر ومن هنا نجد الحکم الشرعی بحرمه أن یبدّل الإنسان مکان عیشه إلى مکان یضعف فیه الدین، وهو ما یعبر عنه الفقهاء بالتعرب بعد الهجره، إذ یعدّ من الکبائر. وقد ورد الکثیر من الروایات الشریفه بتحریمه، لأنّ ذلک یؤدی إلى ضعف الدین والتأثر بالأجواء الغریبه عن الدین.
عن محمد بن سنان أن أبا الحسن الرضا "علیه السلام" کتب إلیه فیما کتب من جواب مسائله: (وحرّم اللّه التعرّب بعد الهجره، للرجوع عن الدِّین، وترک المؤازره للأنبیاء والحجج "علیه السلام"، وما فی ذلک من الفساد وإبطال حقّ کلّ ذی حقّ لعلّه سکنى البدو، ولذلک لو عرف الرّجل الدِّین کاملاً، لـم یجز له مساکنه أهل الجهل والخوف علیه، لأنَّه لا یؤمن أن یقع منه ترک العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادی فی ذلک) (۲۷).
ضرب الإمام "علیه السلام" مثلاً للتعرب بعد الهجره کأن یساکن الإنسان المتعلّم والعارف للأحکام الشرعیه أهل البادیه، إذ إنهم فی ذلک الوقت کانوا أبعد الناس عن معرفه الأحکام وبالتالی فالإنسان عندما ینتقل إلى مثل هذه الأماکن، فإنّه سیتأثر بالجوّ العام المحیط به، وبالتالی یبتعد تدریجیّاً عن الدین ویتبع الهوى.
لذا لا بدّ للإنسان الذی یرید أن لا یتّبع الهوى أن یعیش وسط أجواء إیمانیه صالحه، ویبتعد قدر الإمکان عن الأجواء المتأثره بالهوى وبحب الدنیا، فإذا کان تواجد الإنسان فی المساجد والحسینیات فإنه لا شکّ سیعیش أجواء نقیّه بعیده عن الهوى وعن الدنیا، أما إذا کان تواجده دائماً فی الأسواق أو الأماکن التی یتعرّض فیها للمحرّمات فإنه لا شکّ سیتأثر بها.
اللهم أرنا الحق حقاً فنتّبعه والباطل باطلاً فنجتنبه، والحمد لله ربّ العالمین.(*)
_________________
(۱)ص: ۲۶٫
(۲)ویمکن أن نعبّر عنه الهوى السلوکی.
(۳)آل عمران: ۱۴ .
(۴)ویمکن التعبیر عنه بالهوى فی العلاقات.
(۵)ص:۲۶٫
(۶) ویمکن التعبیر عنه بالهوى العقائدی.
(۷)البقره: ۱۷۰٫
(۸)الأحزاب: ۶۷٫
(۹) المجلسی، البحار: ج۸۳، ص ۱۲۰٫
(۱۰)النساء:۲۷٫
(۱۱)الکهف: ۲۸٫
(۱۲)البقره: ۱۶۶-۱۶۷٫
(۱۳)الأعراف:۲۸٫
(۱۴)النازعات: ۳۶- ۴۱٫
(۱۵)نزع عن: انتهى وأقلع.
(۱۶)أبعد منزعا: أی نزوعاً بمعنى الانتهاء والکف.
(۱۷)تنزع إلى: تشتاق إلى.
(۱۸)الشریف الرضی، نهج البلاغه: ج۲ ص ۹۰، خطبه ۱۷۶٫
(۱۹)المجلسی، البحار: ج۶۷، ص ۷۶، ح۵٫
(۲۰)المجلسی، البحار: ج۶۷، ص ۷۸، ح۱۴٫
(۲۱)یراجع ما ذکره العلامه المجلسی قدس سرّه فی الهامش على هذا الحدیث فی البحار ۶۷ ص ۸۶-۸۷٫
(۲۲)الحر العاملی، وسائل الشیعه: ج۲، ص ۶۵، باب استحباب ذکر الموت، ح۹٫
(۲۳)اللیثی الواسطی، عیون الحکم والمواعظ: ص ۲۳۸٫
(۲۴)نفس المصدر: ص ۲۳۹٫
(۲۵)نفس المصدر: ص ۲۳۹٫
(۲۶)الریشهری، میزان الحکمه: ج۱ ص ۴۶٫
(۲۷)الحرّ العاملی، وسائل الشیعه: ج۱۱ ص ۷۵، ب ۳۶ من أبواب الجهاد، ح۱٫