بقره بنی إسرائیل
إنّ رجلاً من بنی إسرائیل قتل قرابه له ثمّ أخذه وطرحه على طریق أفضل سبط من أسباط بنی إسرائیل ثمّ جاء یطلب بدمه فقالوا لموسى إنّ سبط آل فلان قتلوا فلاناً فأخبرنا من قتله قال: إیتونی ببقره ﴿قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَکُونَ مِنَ الْجَاهِلِینَ﴾(۱) ولو أنّهم عمدوا إلى بقره أجزأتهم، ولکن شدّدوا فشدّد الله علیهم ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّکَ یُبَیِّن لّنَا مَا هِیَ قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَهٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِکْرٌ عَوَانٌ بَیْنَ ذَلِکَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ﴾(۲) یعنی لا صغیره ولا کبیره، ولو أنّهم عمدوا إلى أیّ بقره أجزأتهم ولکن شدّدوا فشدّد الله علیهم ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّکَ یُبَیِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنّهَا بَقَرَهٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِینَ﴾(۳)ولو أنّهم عمدوا إلى بقره أجزأتهم ولکن شدّدوا فشدّد الله علیهم ﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّکَ یُبَیِّن لَّنَا مَا هِیَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَیْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَهٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِیرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِی الْحَرْثَ مُسَلَّمَهٌ لاَّ شِیَهَ فِیهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾(۴)
فطلبوها فوجدوها عند فتى من بنی إسرائیل، فقال: لا أبیع إلا بملء مسک(۵) ذهباً فجاؤوا إلى موسى علیه السلام ، وقالوا له ذلک، فقال اشتروها فاشتروها، وجاؤوا بها فأمر بذبحها ثمّ أمر أن یضربوا المیت بذنبها وقیل بلسانها، فلمّا فعلوا ذلک حیی المقتول، وقال: یا رسول الله إنّ ابن عمّی قتلنی دون من یدّعی علیه قتلی، فعلموا بذلک قاتله فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه: إنّ هذه البقره لها نبأ، فقال موسى: ما هو؟
قالوا إنّ فتى من بنی إسرائیل کان بارّاً بأبیه، وإنّه اشترى بیعا، فجاؤوا إلى أبیه والأقالید (مقالید) تحت رأسه فکره أن یوقظه فترک ذلک البیع، فاستیقظ أبوه، فأخبره، فقال له: أحسنت هذه البقره هی لک عوض لما فاتک، قال: فقال له رسول الله موسى: "انظر إلى البرّ ما بلغ بأهله"(6).
قال ابن عباس: کان رجل فی بنی إسرائیل کثیر المال ، وکان شیخا کبیرا وله بنو أخ ، وکانوا یتمنون موته; لیرثوه ، فعمد أحدهم فقتله فی اللیل ، وطرحه فی مجمع الطرق ، ویقال : على باب رجل منهم . فلما أصبح الناس اختصموا فیه ، وجاء ابن أخیه ، فجعل یصرخ ویتظلم ، فقالوا : ما لکم تختصمون ولا تأتون نبی الله ، فجاء ابن أخیه فشکى أمر عمه إلى رسول الله موسى ، علیه السلام ، فقال موسى ، علیه السلام : أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتیل إلا أعلمنا به . فلم یکن عند أحد منهم علم ، وسألوه أن یسأل فی هذه القضیه ربه ، عز وجل ، فسأل ربه ، عز وجل ، فی ذلک فأمره الله أن یأمرهم بذبح بقره ، فقال : إن الله یأمرکم أن تذبحوا بقره قالوا أتتخذنا هزوا یعنون; نحن نسألک عن أمر هذا القتیل ، وأنت تقول هذا . قال أعوذ بالله أن أکون من الجاهلین أی; أعوذ بالله أن أقول عنه غیر ما أوحى إلی . وهذا هو الذی أجابنی حین سألته عما سألتمونی عنه أن أسأله فیه . قال ابن عباس ، وعبیده ، ومجاهد ، وعکرمه ، والسدی ، وأبو العالیه ، وغیر واحد : فلو أنهم عمدوا إلى أی بقره فذبحوها لحصل المقصود منها ، ولکنهم شددوا فشدد الله علیهم . وقد ورد فیه حدیث مرفوع ، وفی إسناده ضعف ، فسألوا عن صفتها ، ثم عن لونها ثم عن سنها فأجیبوا بما عز وجوده علیهم ، وقد ذکرنا فی تفسیر ذلک کله فی " التفسیر " .(7)
إن الأمر هنا أمر معجزه، لا علاقه لها بالمألوف فی الحیاه، أو المعتاد بین الناس. لیست هناک علاقه بین ذبح البقره ومعرفه القاتل فی الجریمه الغامضه التی وقعت، لکن متى کانت الأسباب المنطقیه هی التی تحکم حیاه بنی إسرائیل؟ إن المعجزات الخارقه هی القانون السائد فی حیاتهم، ولیس استمرارها فی حادث البقره أمرا یوحی بالعجب أو یثیر الدهشه.
لکن بنی إسرائیل هم بنو إسرائیل. مجرد التعامل معهم عنت. تستوی فی ذلک الأمور الدنیویه المعتاده، وشؤون العقیده المهمه. لا بد أن یعانی من یتصدى لأمر من أمور بنی إسرائیل. وهکذا یعانی موسى من إیذائهم له واتهامه بالسخریه منهم، ثم ینبئهم أنه جاد فیما یحدثهم به، ویعاود أمره أن یذبحوا بقره، وتعود الطبیعه المراوغه لبنی إسرائیل إلى الظهور، تعود اللجاجه والالتواء، فیتساءلون: أهی بقره عادیه کما عهدنا من هذا الجنس من الحیوان؟ أم أنها خلق تفرد بمزیه، فلیدع موسى ربه لیبین ما هی. ویدعو موسى ربه فیزداد التشدید علیهم، وتحدد البقره أکثر من ذی قبل، بأنها بقره وسط. لیست بقره مسنه، ولیست بقره فتیه. بقره متوسطه.
إلى هنا کان ینبغی أن ینتهی الأمر، غیر أن المفاوضات لم تزل مستمره، ومراوغه بنی إسرائیل لم تزل هی التی تحکم مائده المفاوضات. ما هو لون البقره؟ لماذا یدعو موسى ربه لیسأله عن لون هذا البقره؟ لا یراعون مقتضیات الأدب والوقار اللازمین فی حق الله تعالى وحق نبیه الکریم، وکیف أنهم ینبغی أن یخجلوا من تکلیف موسى بهذا الاتصال المتکرر حول موضوع بسیط لا یستحق کل هذه اللجاجه والمراوغه. ویسأل موسى ربه ثم یحدثهم عن لون البقره المطلوبه. فیقول أنها بقره صفراء، فاقع لونها تسر الناظرین.
وهکذا حددت البقره بأنها صفراء، ورغم وضوح الأمر، فقد عادوا إلى اللجاجه والمراوغه. فشدد الله علیهم کما شددوا على نبیه وآذوه. عادوا یسألون موسى أن یدعو الله لیبین ما هی، فإن البقر تشابه علیهم، وحدثهم موسى عن بقره لیست معده لحرث ولا لسقی، سلمت من العیوب، صفراء لا شیه فیها، بمعنى خالصه الصفره. انتهت بهم اللجاجه إلى التشدید. وبدءوا بحثهم عن بقره بهذه الصفات الخاصه. أخیرا وجدوها عند یتیم فاشتروها وذبحوها، وما کادوا یفعلون .
____________________________________
المصادر :
۱- سوره البقره، الآیه: ۶۷
۲- سوره البقره، الآیه: ۶۸٫
۳- سوره البقره، الآیه: ۶۹٫
۴- سوره البقره، الآیتان: ۷۰ ۷۱٫
۵- المسک: یعنی الجلد، ومسک البقره یعنی جلدها.
۶- تفسیر المیزان، ج۱، ص۲۰۴
۷- البدایه والنهایه /ص۱۶۶