جعفر الطیار .. الهجره إلى الحبشه والعوده منها

0

الهجره الاولى الی الحبشه
الهجرهُ إلى الحبشه أوّلُ هجره فی الإسلام ، حدثتْ بعد سنتین من الجهر بالدعوه ، وخمس سنوات من مبعث الرسول (ص) ، حیث اشتدّ أذى المشرکین على المسلمین . وکان عدد المسلمین یزداد یوماً بعد یوم ، وظهر الإیمان ، وفشا أمر الإسلام بمکّه ، فتحرّش کفّار قریش بمَن آمنوا ، ووکلوا أمرهم لقبائلهم تعذّب مَن تعذّب وتحبس مَن تحبس ، فکان الرجل یعذّبه أولو قرباه ویسجنونه لیردّوه عن دینه إنْ استطاعوا .
اشتکى المسلمون للرسول (ص) سوء ما حلّ بهم ، فأذن لهم بالهجره إلى بلاد الحبشه ، وقال لهم : ( لو خرجتم إلى الحبشه ، فإنّ بها ملکًا لا یُظلم عنده أحدٌ ، وهی أرض صدق ، حتى یجعل الله لکم فرجاً ممّا أنتم فیه ) . فخرج المسلمون من أصحاب رسول (ص) إلى أرض الحبشه مخافهَ الفتنه ، وفراراً إلى الله بدینهم ، فکانت أوّل هجره فی الإسلام .
تسلّل المسلمون صوب الساحل جهه الشُّعیبه ، فوجدوا سفینتَین متّجهتَین إلى الحبشه ، فاستأجروهما وانطلقتْ بهم السفینتان وتبعتهم جماعه من قریش فلم یُفلحوا فی اللحاق بهم .
وکان ممّن خرج فی هذا الفوج الأوّل عثمان بن عفّان وزوجه رقیّه بنت رسول (ص) ، وأبو حذیفه بن عتبه وامرأته سهله بنت سهیل ، والزبیر بن العوام ، ومصعب بن عمیر ، وعبد الرحمان بن عوف ، وعثمان بن مظعون ، وبلغ عدد من هاجروا أحد عشر رجلاً وأربع نسوه وکان أمیرهم عثمان بن مظعون . واستقرّوا بالحبشه فی خیر دار وخیر جوار ، وأمنوا على دینهم وعبدوا الله دون أذى أو خوف . ضاقتْ بهم مکّه فاتّسعت لهم بلاد الحبشه ، وزهد فیهم قومهم من قریش فرغب فیهم نجاشی الحبشه ، وآواهم وشدّ أزرهم .
ولم یطل بهم المقام فی الحبشه ، ففی شوّال من عامهم ذاک ـ وکانوا قد هاجروا فی رجب ـ سمع المهاجرون أنّ مکّه قد أسلمتْ فعادوا إلیها ، لکن قبل ساعه من دخولهم مکّه عرفوا أنّ قریشًا مازالتْ على دینها ، وأنّ الذی سمعوه غیر صحیح .
ثمّ تعرّض المسلمون إلى أذى قریش مرّه ثانیه ، وضاقت بهم مکّه کما ضاقوا بالمقام فیها .
الهجره الثانیه إلى الحبشه :
ثمّ خرج جعفر بن أبی طالب ، رضی الله عنه وتتابع المسلمون إلیها ، وکان جمیع مَن هاجر من المسلمین إلى الحبشه اثنین وثمانین رجلاً سوى النساء والصبیان ، فلمّا علمتْ قریش بذلک وجّهوا عمرو بن العاص وصاحبه عماره بن الولید بالهدایا إلى النجاشی وإلى بطارقته ( ۱ ) لیردّوهم إلیهم ، وکان عماره بن الولید شابّاً حسن الوجه ، وأخرج عمرو بن العاص أهله معه ، فلمّا رکبوا السفینه شربوا الخمر ، فقال عماره لعمرو بن العاص : قل لأهلک : تقبلنی ، فأبى ، فلمّا انتشى ( ۲ ) عمرو دفعه عماره فی الماء ، ونشب ( ۳ ) عمرو فی صدر السفینه وأُخرج من الماء ، وألقى الله بینهما العداوه فی مسیرهما قبل أنْ یقدما إلى النجاشی ، ثمّ وردا على النجاشی ، فقال عمرو بن العاص : أَیُّها الملک ، إنّ قوماً خالفونا فی دیننا ، وسبّوا آلهتنا ، وصاروا إلیک ، فردّهم إلینا ، فبعث النجاشی إلى جعفر ، فجاء وقال : أَیّها الملک ، سَلْهُم أَنَحْنُ عبید لهم ؟ فقال : لا ، بل أحرار ، فقال : سَلْهُمْ أَلَهُمْ علینا دیون یطالبوننا بها ؟ قال : لا ، مالنا علیکم دیون ، قال : فلکم فی أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو : لا ، قال : فما تریدون مِنّا ؟ آذیتمونا فخرجنا من دیارکم ، ثمّ قال : أَیّها الملک ، بعث الله فینا نبیّاً ، أمرنا بخلع الأنداد ، وترک الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاه والزکاه والعدل والإحسان ، و إیتاء ذی القربى ، ونهانا عن الفحشاء والمنکر والبغی ، فقال النجاشی : بُهذا بعث الله عیسى ( علیه السلام ) .
ثمّ قال النجاشی لجعفر :
هل تحفظ ممّا أنزل الله على نبیّک شیئاً ؟ قال : نعم ، فقرأ سوره مریم ( ۴ ) ، فلمّا بلغ قوله : ( وَهُزِّی إِلَیْکِ بِجِذْعِ النَّخْلَهِ تُسَاقِطْ عَلَیْکِ رُطَباً جَنِیّاً ) ( ۵ ) ، قال : هذا والله هو الحق .
فقال عمرو : إنّه مخالف لنا فردّه إلینا ، فرفع النجاشی یده وضرب وجه عمرو ، وقال : اسکت ، والله إنْ ذکرته بسوء لأفعلنّ بک ، وقال : أَرْجِعوا إلى هذا هدیّته ، وقال لجعفر وأصحابه : امکثوا فإنّکم سیوم ، والسیوم : الآمنون ، وأمر لهم بما یصلحهم من الرزق ، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناک بخیر دار ، وأحسن جوار ، إلى أنْ هاجر رسول الله ( صلّى الله علیه وآله ) وعلا أمره ، وهادن قریشاً ، وفتح خیبر ، فوافى جعفر إلى رسول الله ( صلّى الله علیه وآله ) بجمیع مَن کانوا معه .
فقال رسول الله ( صلّى الله علیه وآله ) : ( لا أدری أنا بفتح خیبر أَسَرُّ ، أَمْ بقدوم جعفر ؟ ) ، ووافى جعفر وأصحاب رسول الله ( صلّى الله علیه وآله ) فی سبعین رجلاً ، منهم اثنان و ستون من الحبشه ، وثمانیه من أهل الشام ، فیهم بحیرا الراهب ، فقرأ علیهم رسول الله ( صلّى الله علیه وآله ) سوره ( یس ) ( ۶ ) " إلى آخرها ، فبکوا حین سمعوا القرآن وآمنوا ، وقالوا : ما أشبه هذا بما کان ینزل على عیسى ( علیه السلام ) ؟!
________________________________________

(۱) البطریق : القائد من قوّاد الجیش .
(۲) أی سکر .
(۳) أی علق .
(۴) السوره : ۱۹ .
(۵) الآیه : ۲۵ .
(۶) السوره : ۳۶ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.