حرب الجمل … وهزیمه المتمردین

0

حرب الجمل
کان علیّ علیه‌ السلام راغباً بالسلم ، مؤثراً الصلح ، فلمّا علم نیه القوم بإراده الحرب ، أراد أن یعذر لله وللمسلمین ولنفسه ، وشاء أن یستعمل آخر ما یجد إلیه سبیلاً بإلقاء الحجه ، فأمر أحد أصحابه أن یبرز بین الصفین ـ وقد تأهبت القوى جمیعاً ـ وبین یدیه کتاب الله یدعوهم للعمل بما فیه والرجوع إلیه ؛ وامتثل الرجل الأمر ، ورفع القرآن بکلتا یدیه ، ودعاهم إلى ما فیه ، فأتته السهام کشآبیب المطر حتى سقط قتیلاً ، وحُمل إلى أمیر المؤمنین فاسترجع وترحم علیه. وابتدر عمار بن یاسر رحمه‌ الله القوم واعظاً ومؤنباً ومذکراً فقال :
« أیها الناس ما أنصفتم نبیکم صنتم عقائلکم فی خدورها ، وأبرزتم عقیلته للسیوف ».
ورشق عمار ومن معه بالنبل ، وأصیب من أصیب من أصحابه ، وقتل أخ لعبد الله بن بدیل ، فحمله أخوه إلى أمیر المؤمنین ، وتأمل علیٌّ علیه‌ السلام هنیئه ، فرأى وقدر وفکر ، فلم یجد بداً مما لیس منه بد ، وخرج بین الصفین ، واستدعى طلحه والزبیر فخرجا إلیه ، وقال لهما :
ألم تبایعانی ، قالا : بایعناک کارهین ، ولست أحق بهذا الأمر منا.
واوضح لهما کذب الدعوى ، فما إستکره الإمام أحداً على البیعه ، ثم إلتفت إلى طلحه وقال : أحرزت عرسک ، وخرجت بعرس رسول الله تعرضها لما تتعرض له. وقال للزبیر : کنا نعدک من آل عبد المطلب حتى نشأ ابنک ابن السوء ، ففرّق بیننا ؛ وقال له : أتذکر قول رسول الله صلى‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلم لک. ستقاتله وأنت ظالم له ، فقال الزبیر : الآن ذکرت ذلک ، ولو ذکرته قبل الیوم ما خرجت علیک.
وکان الأمثل بالزبیر أن ینحاز إلى علی علیه‌السلام بعد هذا التذکیر ، ولکنه أخلد إلى نفسه ، واتبع هواه ، وما حکم عقله فی هذا الأمر الخطیر ، فقیل أنه إعتزل الحرب فوراً حتى انتهى حیث لقی مصرعه على ید ابن جرموز غیله ، وقرائن الأحوال لا تساعد على صحه هذا القول ، إذ لا یمکن أن یعتزل الزبیر القتال وحده لو شاء ذلک ، وهو رأس من رؤوس القوم ، أفلا یتبعه فی هذا القرار أحد من المقاتلین الذین یرون فضله ومنزلته.
والذی أمیل إلیه أن الزبیر قد باشر الحرب بنفسه ، وأن عبد الله بن الزبیر قد وصمه بالجبن بعد اجتماعه بعلی علیه‌ السلام ، وقال له : فررت من سیوف بنی عبد المطلب ، فإنها طوال حداد ، تحملها فتیه أنجاد ، فغیّر قراره هذا التحدی له من ولده ، فأحفظه وأغضبه ، وقال لابنه : ویلک إنی حلفت لعلی أن لا أقاتله ، فقال له ابنه : وما أکثر ما یکفّر الناس عن أیمانهم ، فأعتق غلامک ، وأمضِ لجهاد عدوک ، فکفر الزبیر عن یمینه وقاتل علیاً ، حتى إذا هوى الجمل انهزم الزبیر فیمن إنهزم من الناس ، حتى وصل إلى وادی السباع ، فقتله ابن جرموز غیله.
ولم یکن الزبیر لیرتدع فی التذکیر ، وقد سفک دماء المسلمین فی الجمل الأصغر ، ولم یکن لیستجیب للحق ، ومعاویه یخادعه بلقب أمیر المؤمنین وأخذ البیعه له من أهل الشام ، ولم یکن الزبیر لیترک الجیش ویعتزل ، وهو یعمل بإشاره ابنه عبد الله فی الطوارىء کافه ، ولم یکن الزبیر لیبصر طریقه وقد أعمته شهوه السلطان ، واستهواه الحکم العقیم ، ولو ثاب إلى الهدى لالتحق بأمیر المؤمنین معلناً ندمه وتوبته ، ومکفّراً عن سیئاته وأخطائه ، ولکنه رکب رأسه ، وأغمض على الحوب العظیم.
وقد رأیت نهایه أمیر الجیش الزبیر ، أما أمیره الثانی طلحه ، فحینما صکت الحرب أسنانها ، واختلط الحابل بالنابل ، قصده مروان بن الحکم فرماه بسهم أصاب أکحله فقطعه ، وقال : لا طالبت بثأر عثمان بعد الیوم ، وقال لبعض ولد عثمان : لقد کفیتک ثار أبیک من طلحه ، وهوى طلحه فی المعرکه جریحاً ، وأخذه نزف الدم ، فلم یستطیع الفرار ، وقال لغلامه : ألا موضع أستجیر به ؟ فیقول له غلامه : قد أدرکک القوم ، فقال طلحه : ما رأیت مصرع شیخ من قریش أضیع من مصرعی. ومات طلحه فی المعرکه على تلک الحال.
وأما أم المؤمنین عائشه ، فقد رکبت الجمل ، وأدرعت بهودجها ، وقد قامت الحرب على ساق ، وهی تحرض الناس على القتال وسط المعرکه ، تدفع بهؤلاء وتستصرخ أولئک ، وتحرک آخرین ، حتى حمی الوطیس وندرت الرؤوس ، وتناثرت الأیدی ، وتهاوت الأجساد حول الجمل ، وکان جمل عائشه رایه أهل البصره یلوذون به کما یلوذ الجیش برایته الکبرى ، والناس تتهافت على خطام الجمل ، وکلما أمسکه أحد قتل ، حتى تغافى حوله مئات القواد والعسکریین ، ومرتجز عائشه یقول :
یا أمنَّا عائشُ لا تراعی * کلُّ بنیِکِ بطلُ المصاعِ
وهی تلتفت إلى من على یمینها تشجعه ، وإلى من على یسارها مبارکه ، ومن إلى جنبها محمسه ، عتى ملّت من الحرب ، فأخرجت یدها من الهودج تحمل بدره من الدنانیر ، ونادت بأعلى صوتها : من یأتینی برأس الأصلع ( ترید بذلک علیّاً ) وله هذه البدره ، فضجّ العسکر ضجه واحده ، وأمعن فی قتال ذریع.
وکان الجیشان یستقتلان بضراوه عجیبه ، والنصر ترفرف أعلامه فوق رؤوس فرسان الإمام ، فصاح علی علیه‌ السلام : اعقروا الجمل فإن فی بقائه فناء العرب.
وفی روایه : اعقروا الجمل فإنه شیطان ، فانتدب لذلک محمد ابن الحنفیه نجل الإمام وحمل علیه فی طائفه من المقاتلین الأشداء ، فعقروا الجمل بعد خطوب کثیره ، فخر الجمل إلى جنبه ، وهوى إلى الأرض وله ضجیج وعجیج لم یسمع الناس بمثلهما ، وبعقر الجمل إنهزم جیش عائشه لا یلوی على شیء ، وفرّ بالصحراء فکان کالجراد المنتشر ، وأمر الإمام محمد بن أبی بکر وعمار بن یاسر بحمل الهودج بعد أن بقیت عائشه وحدها فی المیدان ؛ ویقول الإمام لابن أبی بکر : أدرک أختک حتى لا تصاب بأذى ، فیدخل رأسه فی الهودج ، فتسأله من أنت ؟ فیقول : أنا أخوک أقرب الناس منک وأبغضهم إلیک ، فتقول : ابن الخثعمیه ، فیقول : نعم أخوک محمد ؛ یقول لک أمیر المؤمنین هل أصابک شیء ، فتقول مشقص فی عضدی ، فینتزعه محمد ، ویأتی الإمام فیقف على هودجها ، ویضربه برمح أو قضیب ، ویقول : کیف رأیت صنیع الله یا أخت أرم ؟ یا حمیراء ألم یأمرک رسول الله أن تقری فی بیتک ؟ والله ما أنصفک الذین صانوا عقائلهم وأبرزوک ، فتقول :
یا ابن أبی طالب ملکت فأسجح.
ویسجح الإمام ، ویأمر محمداً أخاها أن یدخلها داراً من دور البصره ، فیحملها أخوها ، وینزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعی.
وانتهت المعرکه بآلاف القتلى من المعسکرین ، وبهزیمه المتمردین هزیمه شنعاء ، وبمقتل رؤوسهم الکبیره.
وطمع بعض أصحاب الإمام بالغنائم فنهاهم عن ذلک ، وأمرهم أن لا یجهزوا على جریح ، ولا یتبعوا فارّاً ، ولا یغضبوا امرأه ، ولا یدخلوا داراً ، ولا یهتکوا ستراً ، ولم یقسم بین أصحابه غنیمه إلا ما أجلب به أهل البصره للقتال وفی ساحه الحرب. وقال : لیس فی هذه الحرب مغنم لمنتصر ، وأرسل من ینادی فی أهل البصره : من عرف شیئاً فلیأخذه. وحاول بعض المتطرفین قتل عائشه فأنکر علیه الإمام ووضعها فی حراسه مکثفّه ، وأراد بعض المقاتلین أسر المنهزمین فردّهم الإمام عن ذلک.
ووقف علیّ علیه‌ السلام بین قتلاه فترحم علیهم ، ووقف على المتمردین فخاطبهم بمثل ما خاطب رسول الله صلى‌ الله‌ علیه‌ وآله‌ وسلم أهل القلیب ببدر.
ووجم الإمام لما أصاب الطرفین من قتل وفناء ، وتوجه إلى الله :
أشکو إلیک عجری وبجری شفیتُ نفسی وقتلتُ معشری وکان القتلى یعدون بالآلاف ، ففقدت قریش طائفه من رجالها المعدودین ، واستولى الحزن على کثیر من بیوتات البصره التی فقدت أحبّتها وأعزّتها ، وتناول الثکل مجموعه من دور الکوفه.
وکم کان بود أمیر المؤمنین ، أن یقاتل بهؤلاء وهؤلاء أبناء الطلقاء من جهه ، وأعداء الإسلام من جهه أخرى ، ولکن المقادیر جرت بغیر هذا التقدیر.
__________________________________________________

 
الامام علی علیه السلام سیرته وقیادته فی ضوء المنهج التحلیلی

Leave A Reply

Your email address will not be published.