الآثار التّربویه والإِجتماعیه والصحّیّه للصوم

0

للصوم أبعاد متعدده وآثار غزیره مادیه ومعنویه فی وجود الإِنسان، وأهمها البعد الأخلاقی، التّربوی.
من فوائد الصوم الهامه "تلطیف" روح الإِنسان، و"تقویه" إرادته، و"تعدیل" غرائزه.
على الصائم أن یکف عن الطعام والشراب على الرغم من جوعه وعطشه، وهکذا علیه أن یکف عن ممارسه العمل الجنسی، لیثبت عملیاً أنه لیس بالحیوان الأسیر بین المعلف والمضجع، وأنه یستطیع أن یسیطر على نفسه الجامحه وعلى أهوائه وشهواته.
الأثر الروحی والمعنوی                                                                                                                                 الأثر الروحی و المعنوی للصوم یشکل أعظم جانب من فلسفه هذه العباده.             
مثل الإنسان الذی یعیش إلى جوار أنواع الأطعمه والأشربه، لا یکاد یحس بجوع أو عطش حتى یمدّ یده إلى ما لذّ وطاب کمثل شجره تعیش إلى جوار نهر وفیر المیاه، ما إن ینقطع عنها الماء یوماً حتى تذبل وتصفرّ.
أما الأشجار التی تنبت بین الصخور وفی الصحاری المقفره، وتتعرض منذ أوائل إنباتها إلى الریاح العاتیه، وحراره الشمس المحرقه حیناً، وبروده الجوّ القارصه حیناً آخر، وتواجه دائماً أنواع التحدیات، فإنها أشجار قویه صلبه مقاومه.
والصوم له مثل هذا الأثر فی نفس الإِنسان، فبهذه القیود المؤقته یمنحه القدره وقوه الإِراده وعزیمه الکفاح، کما یبعث فی نفسه النور والصفاء بعد أن یسیطر على غرائزه الجامحه.
بعباره موجزه: الصوم یرفع الإنسان من عالم البهیمیه إلى عالم الملائکه وعباره (لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) تشیر إلى هذه الحقائق.
وهکذا الحدیث المعروف: "الصَّوْمُ جَنَّهٌ مِنَ النَّارِ"( 1) یشیر إلى هذه الحقائق.
وعن علی(علیه السلام) عن رسول الله(صلى الله علیه وآله وسلم) أنه سئل عن طریق مجابهه الشیطان، قال: "الصَّوْمُ یُسَوِّدُ وَجْهَهُ، وَالصَّدَقَهُ تُکْسِرُ ظَهْرَهُ، وَالحُبُّ فِی اللهِ وَالْمُواظبَهُ عَلَى الْعَمَلِ الصّالِحِ یَقْطَعُ دابِرَهُ، وَالإِسْتغْفَارُ یَقْطَعُ وَتِینَهُ"( 2).
وفی نهج البلاغه عرض لفلسفه العبادات، وفیه یقول أمیر المؤمنین علی(علیه السلام): "وَالصِّیَامَ ابْتِلاَءً لإِخْلاَصِ الْخَلْقِ"( 3).
وروی عن النّبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: "إِنَّ لِلْجَنَّهِ بَاباً یُدَّعَى الرَّیَّانْ، لاَ یَدْخُلُ فِیهَا إِلاَّ الصَّائُمُونَ".
یقول المرحوم الصدوق فی "معانی الأخبار" معلقاً على هذا الحدیث: إنما سمی هذا الباب بالریّان لأن مشقه الصائم إنما تکون فی الأغلب من العطش، وعند ما یدخل الصائمون من هذا الباب یرتوون حتى لا یظمأوا بعده أبداً( ۴).
الأثر الإِجتماعی
للصوم لا یخفى على أحد. فالصوم درس المساواه بین أفراد المجتمع. الموسرون یحسّون بما یعانیه الفقراء المعسرون، وعن طریق الاقتصاد فی استهلاک المواد الغذائیه یستطیعون أن یهبوا لمساعدتهم.
قد یمکن تحسیس الأغنیاء بما یعانیه الفقراء عن طریق الکلام والخطابه، لکن المسأله حین تتخذ طابعاً حسّیّاً عینیّاً لها التأثیر الأقوى والأبلغ، الصوم یمنح هذه المسأله الهامه الإجتماعیه لوناً حسیاً، لذلک یقول الإمام الصادق(علیه السلام) فی جواب عن سؤال بشأن علّه الصوم: "إِنَّما فَرَضَ اللهُ الصِّیَامَ لِیَسْتَویَ بِهِ الْغَنِیُّ وَالْفَقِیرُ، وَذَلِکَ إِنَّ الْغَنِیَّ لَمْ یَکُنْ لِیَجِدَ مَسَّ الْجُوعِ فَیَرْحَمَ الْفَقِیرَ، وَإِنَّ الغَنِیَّ کُلَّمَا أَرَادَ شَیْئاً قَدَرَ عَلَیْهِ فَأَرَادَ اللهُ تَعَالى أَنْ یُسَوِّیَ بَیْنَ خَلْقِهِ، وَأَنْ یُذِیقَ الْغَنِیَّ مَسَّ الْجُوعِ وَالاَْلَمِ، لِیَرُقَّ عَلَى الضَّعِیفِ وَیَرْحَمَ الْجَائِعَ"( 5).
ترى، لو أن الدول الغنیه فی العالم صامت عدّه أیّام فی السنه وذاقت مراره الجوع، فهل یبقى فی العالم کل هذه الشعوب الجائعه؟!
الکاتب: الشیخ ناصر مکارم الشیرازی

Leave A Reply

Your email address will not be published.