تاریخ الشیعة فی مصر ـ کیف دخل التشیّع فی مصر
الشیعه فی مصر
دخل التشیّع مصر فی الیوم الذی دخل فیه الإسلام ، ولقد شهد جماعه من شیعه علیّ _ علیه السلام _ فتح مصر ، منهم : المقداد بن الأسود الکندی ، وأبو ذر الغفاری ، وأبورافع ، وأبو أیوب الأنصاری ، وزارها عمّار بن یاسر فی خلافه عثمان(۱) . وهؤلاء ما کانوا یبطنون فکره التشیّع التی کانوا یؤمنون بها منذ عهد رسول الله _ صلى الله علیه وآله وسلم.
ولأجل ذلک حین قتل عثمان ، بإجهاز المصریین علیه ، بایعوا علیّاً کما بایع أهلها طوعاً ورغبه .لمّا بعث علیّ _ علیه السلام _ قیس بن سعد أمیراً على مصر بایع أهلها طوعاً ، إلاّ قریه یقال لها خربتاء(۲) .
کان هذا نواه لمذهب التشیّع فی تلک البلاد ، وإن تغلّب علیها الأمویون بعد ذلک حین قَتلَ عمرو بن العاص و معاویه بن حدیج ـ اللذین أرسلهما معاویه بن أبی سفیان إلى مصر ـ والی علیّ _ علیه السلام _ على مصر محمّد بن أبی بکر بشکل بشع ، ثمّ جعلوا جثّته فی جیفه حمار وأحرقوها بالنار ، وهو أُسلوب یدلّ على انحراف کبیر عن الدین ، وانسلاخ عن أبسط معانی الإنسانیه ، ولکن للحقّ دوله وللباطل جوله ، فهذه الأعمال الإجرامیه وما ارتکبه العباسیون من الجرائم صارت سبباً لابتعاد الناس عن السلطات المتعاقبه الظالمه وتعاطفهم مع العلویین واحتضانهم لهم ، ویظهر ذلک بوضوح عند قیام الدوله الفاطمیه الشیعیه هناک والتفاف المسلمین حولها ، والتی کان لها الدور الأکبر فی انتشار التشیّع واعتناق المسلمین له فی شمال أفریقیا ، حیث امتدّ نفوذها وسلطانها إلى الجزائر والمغرب وتونس ولیبیا ،وکذا إلى السودان جنوب مصر .لقد اعتنق المصریّون التشیّع برغبه وجهروا بحیّ على خیر العمل ، وتفضیل علیّ على غیره ، کما جهروا بالصلاه على النبیّ وآله _ صلى الله علیه وآله وسلم _ . لقد قامت فی عهد الفاطمیین مراسم عاشوراء ، وعید الغدیر ، ولم تزل هذه المراسم إلى یومنا هذا .
وکان التشیّع مخیّماً على مصر فی عهد الفاطمیین وضارباً أطنابه فی القرى والبلدان ، لولا أنّ صلاح الدین الأیوبی أزال سلطتهم ومذهبهم من مصر بقوّه السیف والنار ، والتاریخ یشهد على عظم الجرائم وقسوتها التی قام بها صلاح الدین وأتباعه فی سبیل هذا الأمر . وهذه الصفحه من تاریخ مصر ملیئه بالأسى والحزن ، راح ضحیتها العدید من أتباع المذهب المحمّدی ، إلاّ أنّها لم تستطع أن تقضی علیه ، فلا زال هناک الکثیر من الشیعه ومن المتعاطفین روحیاً معهم ، والذین یعبّـرون عن ذلک بوضوح فی حرصهم على زیاره المشاهد المعروفه برأس الإمام الحسین _ علیه السلام _ ومرقد أُخته السیده زینب ـ رضوان الله علیها ـ .
____________
(۱) الخطط المقریزیه: ۲ : ۷۴ .
(۲) المصدر نفسه: ۴ : ۱۴۹ ; الجزری ، الکامل ۳ : ۶۱ حوادث عام (۳۶) .
المصدر : دور الشــیعــه فی بناء الحضاره الإسلامیه : للشیخ جعفر السبحانی ص ۸۶ ـ ۸۷الشیعه فی مصر