التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام

0

التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام

 

یمثل طرح الإمام علی (علیه السلام) حول قضیه التوحید الأصل الذی تعتمد علیه الشیعه فی تحدید رؤیتها تجاه هذه القضیه . . وطرح الإمام دقیق فی مدلولاته مطابق فی کل جوانبه القرآن والأحادیث المرویه عن طریق آل البیت (علیهم السلام) . .

ویعد الإمام علی أول من خاض فی المعارف الإلهیه من أمه محمد وأول من أوضح معالمها والمتأمل فی نهج البلاغه یکتشف أن هذا الکتاب یحوی طرحا فلسفیا بالنسبه للإلهیات لا یفوقه أی طرح آخر  . . وقد أخذت منه المدارس الفلسفیه الإسلامیه وارتوت من معینه وأسست علیه تصوراتها وأطروحتها . . ولا یزال أصحاب العقول یقفون فی انبهار أمام هذا الکتاب ولسان حالهم یقول : إن مثل هذا الکتاب لا یمکن أن یکون منسوبا إلا للإمام علی . .وإن ما یحویه هذا الکتاب بین دفتیه لا یمکن أن یکون إلا نتاج مدرسه النبوه . . والإمام فی طرحه أعطى مساحه للعقل وألزمه بالنص فی آن واحد وهذا من وجوه الإعجاز البلاغی فی طرحه . . فعندما یتحدث الإمام عن استحاله رؤیه الله عقلا یقول : وامتنع على عین البصیر ثم یقول ولا تحیط به الأبصار . . ولا تراه النواظر ( ۱ ) . وکلامه هذا یطابق العقل کما یطابق النص الواضح من قوله تعالى: (لا تدرکه الأبصار) وقوله (لن ترانی) . ــــــــــــــــــــــــــــ

( ۱ ) نهج البلاغه ، ج ۱ . ( * )

وکل ما خلق الله للإنسان من أدوات إنما تؤکد الاستحاله العقلیه ، فإن هذه الأدوات المادیه وهی الحواس لا تدرک إلا الماده من جنسها . . والإمام بقوله هذا قد أرسى قاعده عدم الرؤیه إلا أن هذا لا یعنی إطلاقا عدم وجوده سبحانه : فهو المعروف من غیر رؤیه وأحق وأبین مما ترى العیون . . ( ۱ ) . ویؤکد الإمام وحدانیه الله وتفرده سبحانه ، فی وصیته للإمام الحسن (علیه السلام) بقوله : واعلم یا بنی أنه لو کان لربک شریک لأتتک رسله ولرأیت آثار ملکه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولکنه إله واحد کما وصف نفسه لا یضاده فی ملکه أحد ولا یزول أبدا ولم یزل . . ( ۲ ) .

وبأدق الألفاظ وأکمل العبارات وأوجز الکلمات یطرح الإمام قضیه توحید صفات الله بقوله : فمن وصفه فقد حده ومن حده فقد عده . . فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه . . فلسنا نعلم من کنه عظمتک إلا أنا نعلم أنک حی قیوم لا تأخذک سنه ولا نوم . . لم ینته إلیک نظر ولم یدرکک بصر . . ( ۳ ) . وقد سئل الإمام : هل رأیت ربک یا أمیر المؤمنین . . ؟ فقال : أفأعبد ما لا أرى . . ؟ فقال السائل : وکیف تراه . . ؟ قال : لا تدرکه العیون بمشاهده العیان ولکن تدرکه القلوب بحقائق الإیمان . . قریب من الأشیاء غیر ملامس ، بعید منها غیر مباین، متکلم بلا رویه مرید لا بهمه . صانع لا بجارحه . لطیف لا یوصف بالخفاء کبیر لا یوصف بالجفاء بصیر لا یوصف بالحاسه . رحیم لا یوصف بالرقه تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته . . ( ۴ ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ( ۱ ) المرجع السابق : ج ۱ / ۱۵۸ ، ج ۲ / ۲۸۰ . ( ۲ ) المرجع السابق : ج ۲ / ۴۴ . ( ۳ ) المرجع السابق : ج ۱ / ۲۹۰ . ( ۴ ) المرجع السابق : ج ۲ / ۵۳۴ . ( * )

   إن الإمام یؤکد الصفات الثبوتیه لله سبحانه وتعالى مثل الإراده والبصر ویؤکد تباینه تعالى عن الأشیاء وعدم تشبیهه بالمخلوقات وصفه الإراده والبصر من الصفات الذاتیه لله والتی هی عین ذاته ولا یجوز فصلها عنه سبحانه ، فهی أساس کمال الذات ونفیها یعنی نفص الذات أما اللطف والصنع والرحمه فهی من صفات الأفعال الحادثه على ذاته مثل الرزق . . ولا یجوز القول بأنها عین الذات لأن ذلک یستلزم حدوث الذات . . وقول الإمام هذا إنما یلخص عقیده الشیعه فی الأسماء والصفات والتی تقول بأن صفات الله هی عین ذاته وتعتبر صفات الذات أصلا وصفات الأفعال فرعا مشتقا من هذا الأصل فالصنع والرزق فرع مشتق من الأصل وهو القدره . . والسمع والبصر فرع مشتق من الأصل وهو العلم . .

وقول الإمام : قریب من الأشیاء غیر ملامس بعید عنها غیر مباین . صانع لا بجارحه لطیف لا یوصف . . بصیر لا یوصف . . رحیم لا یوصف . . إنما یؤکد عقیده الشیعه التی ترفض التشبیه والتجسیم والتی دفعتها إلى رفض الأحادیث المنسوبه للرسول صلى الله علیه وآله والتی تشیر فی ظاهرها إلى التشبیه والتجسیم مثل حدیث نزول الله وحدیث رؤیه الله وحدیث ضحک الله وفرحه ووضع قدمه فی النار وغیرها . ثم یقول الإمام (علیه السلام) : کل شئ خاشع له . کل شئ قائم به . غنى کل فقیر وعز کل ذلیل وقوه کل ضعیف ومفزع کل ملهوف . من تکلم سمع نطقه ومن سکت علم سره ومن عاش فعلیه رزقه ومن مات فإلیه منقلبه ، لم ترک العیون فتخبر عنک بل کنت قبل الواصفین من خلقک . لم تخلق الخلق لوحشه ولا استعملتهم لمنفعه ولا یسبقک من طلبت ولا یفلتک من أخرت ولا ینقص سلطانک من عصاک ولا یزید فی ملکک من أطاعک . ولا یرد أمرک من سخط قضاءک ولا یستغنی عنک من تولى عن أمرک . کل سر عنک علانیه . وکل غیب عندک شهاده . أنت الأبد فلا أمد لک وأنت المنتهى فلا محیص عنک وأنت الموعد فلا منجى منک إلا إلیک . بیدک ناصیه کل دابه وإلیک مصیر کل نسمه سبحانک ما أعظم شأنک سبحانک ما أعظم ما نرى من خلقک وما أصغر عظیمه فی جانب قدرتک وما أهون ما نرى من ملکوتک وما أحقر ذلک فیما غاب عنا من سلطانک وما أسبغ نعمک فی الدنیا وأصغرها فی نعم الآخره . . ( ۱ ) .

ولأن الظلم أحد مداخل الشرک وسلم الوصول إلى الشک فی حکمه الله وقضائه وقدره رکز الإمام علیه وحدد معالمه کاشفا حقیقه العدل ودوره فی توطید الاعتقاد الصحیح وتحقیق الاستقرار الایمانی . . یقول الإمام عن الله سبحانه وتعالى : وارتفع عن ظلم عباده وقام بالقسط فی خلقه وعدل علیهم فی حکمه . . ( ۲ ) . یقول الدکتور الیحفوفی : ومن الضروری جدا أن یکون الله عادلا والأدله العقلیه على هذه الضروره کثیره نذکر منها دلیلا واحدا مفاده أن الباعث للظلم – الذی هو ضد العدل – أحد أشیاء . إما الجهل بقبح الظلم أو الحاجه إلیه لتثبیت ملک أو سلطان أو العجز عن تفادیه وکل هذه الأمور ممتنعه علیه تعالى . لأن کونه عالما یقتضی علمه بقبح القبیح . وکونه غنیا مطلقا یقتضی عدم حاجته للغیر وکونه القادر على کل شئ یقتضی قدرته على تفادی الظلم وإذا کان الظلم مستحیلا علیه تعالى فإن العدل یکون ضروریا . . ( ۳ ) . من هنا اعتبر الشیعه العدل أحد مشتقات التوحید وأصلا من أصول العقیده مما میزهم عن أهل السنه الذین جوزوا على الله سبحانه ما ینافی العدل . . ( ۴ ) .

ــــــــــــــــــــــــــ

( ۱ )المرجع السابق : ج ۲ / ۲۲۷ . ( ۲ ) المرجع السابق : ج ۱ / ۳۵ . ( ۳ ) بحوث فی نهج البلاغه ، ج ۱ الفلسفه الإلهیه . بیروت . ( ۴ ) یرفض أهل السنه وعلى رأسهم الأشعری الحسن والقبح العقلیین ویعتبرون الحسن ما حسنه الشرع والقبح ما قبحه الشرع وقد انبنى على هذه القاعده جواز وقوع العبد فی الشر والقبیح بتوجیه من الله تعالى باعتبار أن الخالق لا یخلق شیئا إلا وله عاقبه حمیده وإن لم نطلع علیها فجزمنا بأن ما نستقبحه من الأفعال قد یکون فیها حکم ومصالح کما فی خلق الأجسام الخبیثه الضاره بخلاف الکسب فإنه قد یفعل الحسن وقد یفعل القبیح على حد قول التفتازانی فی شرح العقائد النسفیه وتذهب الأشاعره إلى أن کل المعاصی الواقعه فی الوجود من الشرک والظلم والجور والعدوان وأنواع الشرور تتم برضا الله . انظر مقالات الاسلامیین والابانه فی أصول الدیانه وکتب العقائد عند أهل السنه . ( * )

  ویحدد الإمام المفهوم الحق للقضاء والقدر مبددا ذلک الفهم الخاطئ الذی طرأ على ذهن أحد أتباعه فی مسیره إلى أهل الشام : ویحک ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما ولو کان کذلک لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعید . إن الله سبحانه أمر عباده تخییرا ونهاهم تحذیرا . . ( ۱ ) . والمتواتر عن أهل البیت الذی تلتزم به الشیعه الإمامیه هو لا جبر ولا تفویض ولکن أمر بین أمرین . . وکما یقول الإمام أن الله سبحانه أمر عباده تخییرا ونهاهم تحذیرا . . ولم یعص مغلوبا ولم یطع مکرها . . ( ۲ ) .

ــــــــــــــــــــ

( ۱ ) الکافی للکلینی . ( ۲ ) نهج البلاغه : ج ۲ / ۱۵۳ . . . ( * )

 

 

 

http://shiastudies.com/ar/

 

 

 

 

 

التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام. التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام..التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام.التوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلامالتوحید عند أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السلام

Leave A Reply

Your email address will not be published.