سمو الشهاده فی علم الجمال

0

وهذا العالم من المُثل والأخلاق تقلَّص متلبَّسا شخصیه ، ووزَّع سناه کما توزِّع بلَّورهٌ صافیه ضوء الشمس المنعکس علیها . هذه الشخصیه التی جسَّدت هذا العالم هی شخصیه الحسین (علیه السّلام) بما احتضنته من إعجاز الله فی خلقه ، وأفکارهم وأفعالهم ؛ فکانت خِلقتهم وخُلُقهم ومواقفهم ، صوره أمینه لما استودعه الله فیهم من سرِّ إعجازه فی الخلق .
هی شخصیه غزت القلوب واقتحمت النفوس ، واستوطنت الحنایا بمقدار ما ظهر فیها من شعاع الخالق ، وما حوَّطتها به نعمته واختیاره . وهی قدوه التقت فیها شُعله النبوه المقدّسه بالمثالیه البشریه التی ما ترکت قلباً إلا ومسَّته ، ولا فکراً إلا وألهبته .
ومن آیات القلب والفکر أن یعشقا الجمال ، ویتحدَّیا المنافع الأرضیه ، ویؤثرا مواقف البطوله على إیثار السلامه .
وإذا تجانست مواقف القلوب والأفکار على صعید واحد ، جعلت من أصحابها شعراء وأدباء یرسمون بالکلمات عالماً من الجمالیات لا یُحدُّ ، ولا تلحق بجموحه أشد الأخیله انطلاقاً .
وفی هتاف القلوب ورسم الأفکار صدى لما استعر فیها من أصوات رجَّافه ، انبعث لها من أعماق الدهور حیَّه تنثال إلى مواطن الجمال فیها ، فتمسُّها وتُکهربها ، وتخطُّ على صفحه أعماقها الصافیه خطَّ حنان واستذکار .
فشهید کالحسین (علیه السّلام) انتهت إلیه کلّ سمات العظمه ، قمین بأن تستوحیه العقول والأفئده إلهاماً دواماً ، امتدت أنوار قدسیته أجیالاً وأعقاباً ، وما زالت تمتد إلى ما وراء الأزل متمِّمه حکمه الإله فی سر اختیاره وإبداعه (وَیَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ یُتِمَّ نُورَهُ ). الحب لا یتم کماله إلاّ إذا صاحبه الإخلاص والوحدانیه ، حتّى یغدو المحبُّ متیَّماً بحبیبه ، یستعذبُ من أجله کلَّ عذاب وألم .
وقد ذهب الشاعر (دیک الجنِّ) مذهب العاشق المتیَّم بالحسین وأهله (علیهم السّلام) ، حتّى أسقمه التفکیر بحبیبه ، فصار النسیم لدیه سموماً ، والکرى هاجراً أبدیاً ، فقال فی هذا المعنى یرثی الحسین (علیه السّلام) :
أصبحتُ مُلْقىً فی الفراشِ سَقیما= أَجِدُ النّسیمَ مِنَ السّقامِ سَموما
ماءٌ مِنَ العَبَراتِ حَرَّى أرْضُهُ= لَوْ کانَ مِنْ مَطَرٍ لکانَ هَزیما
وبَلابِلٌ لَوْ أَنّهُنَّ مآکلٌ= لَمْ تُخطئ الغِسْلینَ والزَّقُّوما
وَکَرىً یُرَوِّعُنی سَرَى لَوْ أنّهُ =ظِلٌّ لکانَ الحَرَّ والیَحْمُوما
مَرَّتْ بقلبی ذِکْرَیاتُ بنی الهُدى= فنسیتُ منها الرَّوْحَ والتَّهویما
ونَظَرْتُ سِبْطَ مُحَمّدٍ فی کَرْبلا= فَرْداً یُعانی حُزْنَهُ المَکْظُوما
تَنْحوُ أَضَالِعَهُ سُیوفُ أُمَیّهٍ= فتراهُمُ الصَّمْصُومَ فالصَّمْصُوما
فالجِسْمُ أَضْحَى فی الصَّعیدِ مُوَزَّعاً =والرَّأْسُ أَمْسَى فی الصِّعادِ کَریما
ودیک الجن من أبرز الشعراء الذین رثوا أهل البیت (علیهم السّلام) ومدحوهم ، ولم یجاره فی هذا المضمار الاّ شاعر واحد هو السید الحمیری .
وللشاعر دیک الجن أبیات فی أهل البیت (علیهم السّلام) ضمّنها إحدى مرثیاته عن الحسین (علیه السّلام) ، یقول فیها :
یا عینُ فی کَرْبُلاَ مَقَابِرُ قَدْ= تَرَکْنَ قَلبی مَقَابرَ الکُرَبِ
مَقابرٌ تحتَها مَنابِرُ مِنْ= عِلْمٍ وحِلْمٍ ومَنْظَرٍ عَجَبِ
مِنَ البَهَالیلِ آلِ فاطمهٍ= أَهْلِ المعالی والسّادهِ النُّجُبِ
وفی رثاء الحسین (علیه السّلام) قیل الکثیر من الأشعار والأقوال تضیق بها الأسفار لو جُمعت . وکانت هذه الأشعار إذا ما تطرَّقت إلى وصف مَلحمه الطَّفِّ تنحو باللائمه على أنفس أصحابها ، وتصوِّرُ شعورهم حیال ذکراها ، وتستمطرُ اللَّعنات على مرتکبیها .
ففی سماء حب أهل البیت (علیهم السّلام) انطلق کالشهاب الوامض نجمُ شاعر فحل تسامعت به العربیه ، هجَّاء فی الملوک ، طاعن فی أعداء أهل البیت (علیهم السّلام) ، وکان یقول : مکثت نحو ستّین سنه لیس من یوم ذرَّ شارقه إلاّ وأنا أقول فیه شعراً .
وکان یرتجل أشعاراً مقذعه ، فُیسأل عن مستحقیها فیقول : لم یستحقها أحدٌ بعینه بعدُ ، ولسوف یستحقّها کثیرون . هذا الشاعر هو (دعبل بن علی الخزاعی) ، وقد وقف موهبته الشعریه على الإخلاص والولاء لأهل البیت (علیهم السّلام) ، فقال فی إحدى مراثیه للحسین (علیه السّلام) :
إن کنتَ محزوناً فما لک ترقدُ=هلاّ بکیتَ لمَن بکاهُ محمدُ
هلاّ بکیتَ على الحسینِ وأهلهِ=إنّ البکاءَ لمثلهمْ قد یُحمدُ
لتضعضعِ الإسلام یومَ مصابهِ= فالجودُ یبکی فقدَهُ والسؤددُ
فَلَقَد بَکَتهُ فی السَماءِ مَلائِکٌ= زُهرٌ کِرامٌ راکِعونَ وَسُجَّدُ
إلى أن یقول :
هَذا حُسَینٌ بِالسُیوفِ مُبَضَّعٌ= وَمُلَطَّخٌ بِدِمائِهِ مُستَشهَدُ
عارٍ بلا ثوبٍ صریعٌ فی الثرى=بین الحوافرِ والسنابکِ یُقصدُ
یا جدُّ من ثکلی وطولِ مصیبتی=ولما اُعافیه أقومُ وأقعدُ
ولدعبل قصیده عظیمه فی رثاء الحسین (علیه السّلام) ومدح آل البیت (علیهم السّلام) ، مکوّنه من مئه واثنی وعشرین بیتاً ، قال عنها أبو الفرج فی الأغانی : قصیده دعبل ( مدارس آیات خلت . . . إلخ ) من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقوله فی أهل البیت (علیهم السّلام) ، قصد بها علی بن موسى الرضا (علیه السّلام) بخراسان .
قال : دخلت على علی بن موسى الرضا (علیه السّلام) فقال : (( أنشدنی )) . فأنشدته ( مدارس آیات . . . ) حتّى انتهیت إلى قولی :
إِذا وُتِروا مَدّوا إِلى واتِریهِمُ= أَکُفّاً عَنِ الأَوتارِ مُنقَبِضاتِ
فبکى حتّى أُغمی علیه ، وأومأ إلیَّ خادمٌ کان على رأسه : أن اسکتْ ، فسکتُّ . فمکث ساعه ثمَّ قال لی : ( أعد ) . فأعدتُ حتّى انتهیت إلى هذا البیت أیضاً ، فأصابه مثل الذی أصابه فی المره الاُولى ، وأومأ الخادم إلیَّ : أن اسکت ، فسکتُّ . وهکذا ثلاث مرات . فقال لی : ( أحسنت ) ثلاث مرات ، ثم أمر لی بعشره آلاف درهم ممّا ضُرب باسمه ، ولم تکن دُفعت إلى أحد قبلُ ، وأمر لی من منزله بحلی کثیره أخرجها إلیَّ الخادم . فقدمت إلى العراق ، فبعت کلَّ درهم منها بعشره ، اشتراها منی الشیعه ، فحصل لی مئه ألف درهم ، فکان أول مال اعتقدته .
مدارسُ آیاتٍ خلت من تلاوهٍ=ومنزلُ وحی مقفرِ العرصاتِ
لآلِ رسولِ الله بالخیفِ من منى=وبالبیتِ والتعریفِ والجمراتِ
دیارُ علیٍّ والحسینِ وجعفرٍ=وحمزهَ والسجادِ ذی الثفناتِ
دیارٌ لعبد اللهِ والفضل صنوِهِ=نجیِّ رسولِ الله فی الخلواتِ
وسبِطَیْ رسولِ الله وابنی وصیِّهِ=ووارثِ علم الله والحسناتِ
إلى أن یقول :
قبورٌ بجنبِ النهر من أرضِ کربلا=معرَّسُهم فیها بشطِّ فراتِ
تُوُفّوا عطاشى بالفراتِ فلیتنی= تُوُفِّیتُ فیهم قبلَ حین وفاتی
إلى اللهِ أشکو لوعهً عندَ ذکرِهمْ =سقتنی بکأسِ الثُّکلِ والفظعاتِ
حتى یصل إلى الأبیات التی أبکت علیَّ بن موسى الرضا (علیه السّلام) ، فیقول :
مَلامَکَ فی آلِ النَبِیِّ فَإِنَّهُم= أَحِبّایَ ما عاشوا وَأَهلُ ثِقاتی
بِنَفسِیَ أَنتُم مِن کُهولٍ وَفِتیَهٍ= لِفَکِّ عُناهٍ أَو لِحَملِ دِیاتِ
فیا عینُ بکِّیهم وجودی بعبرهٍ=فقد آن للتسکابِ والهملاتِ
أَلَم تَرَ أَنّی مِن ثَلاثینَ حِجَّهً= أَروحُ وَأَغدو دائِمَ الحَسَراتِ
دِیارُ رَسولِ اللَهِ أَصبَحنَ بَلقَعاً =وَآلُ زِیادٍ تَسکُنُ الحُجُراتِ
وَآلُ رَسولِ اللَهِ تُدمى نحورُهُمْ =وَآلُ زِیادٍ آمِنوا السَّرَباتِ
وآلُ رسولِ الله تُسبى حریمُهُمْ=وآلُ زیادٍ ربَّهُ الحجلاتِ
إِذا وُتِروا مَدّوا إِلى واتِریهِمُ= أَکُفّاً عَنِ الأَوتارِ مُنقَبِضاتِ
* * *
وإذا کان عاشقو الجمال وکارهو القبح قد جعلوا همهم رثاء الحسین (علیه السّلام) ، والتفجُّع على صفوه آل البیت (علیهم السّلام) ، فیما أقبل من أیام وسنین بعد الفاجعه التی شهدتها کربلاء ، فإن شاعراً جریئاً هو یحیى بن الحکم الذی قال البلاذری عنه فی أنساب الأشراف بأنه کان والیاً لعبد الملک على المدینه ، کان قد وقف موقفاً جریئاً متفاعلاً مع مصاب آل البیت (علیهم السّلام) ؛ وذلک حینما أُدخل رکب السبی والرؤوس على یزید ، وکان حاضراً وقتها ، حیث هاله ما رأى ، فأنشد ملتاعاً :
لهامٌ بجنب الطفِّ أدنى قرابهً= من ابن زیادِ العبدِ ذی الحسب الوغلِ
سُمیَّهُ أمسى نسلُها عددَ الحصى=وبنتُ رسولِ الله لیستْ بذی نسلِ
فما کان من یزید إلاّ أن ضربه فی صدره ، وقال : اسکت . وفی روایه أنه أسرّ إلیه وقال : سبحان الله ! فی هذا الموضع ما یسعک السکوت ؟
ومن دلالات جرأته أنّه لما وُلِّیَ أخوه مروان الخلافه ـ وکان یُلقَّب خیط باطل ـ أن أنشده هذا البیت :
لحا اللهُ قوماً أمَّروا خیطَ باطلٍ=على الناسِ یُعطی ما یشاء ویمنعُ
* * *
والنفوس النزَّاعه إلى مثوى الحسین (علیه السّلام) تطلب السکینه والسلوى ، إنما تتمثل فی نزوعها آیات الحب والجمال ورضى القلب . وقد قال الإمام الصادق (علیه السّلام) لأبی عبد الله جعفر بن عفان الطائی : (( ما من أحدٍ قال فی الحسین شعراً فبکى وأبکى به ، إلاّ أوجب الله له الجنّه وغفر له )) .
وکان الشاعر ابن عفان ، النزَّاع إلى قدسیه کربلاء ، ینشد شعراً فی مجلس الإمام الصادق (علیه السّلام) عن الحسین (علیه السّلام) أبکى منه الجمیع ، حینما قال له الإمام : (( یا جعفر ، والله لقد شهدت ملائکهُ الله المقرَّبین ها هنا یسمعون قولک فی الحسین (علیه السّلام) ، ولقد بکوا کما بکینا وأکثر )) .
ومن شعر ابن عفان فی رثاء الحسین (علیه السّلام) :
أَلا یا عینُ فابکی ألفَ عامٍ=وزیدی إنْ قدرتِ على المزیدِ
إذا ذُکر الحسینُ فلا تملّی= وجودِی الدهرّ بالعَبراتِ جودی
فقد بکتِ الحمائمُ من شجاها=بکتْ لألیفِها الفردِ الوحیدِ
بکینَ وما درینَ وأنتَ تدری=فکیفَ تهمُّ عینُکَ بالجمودِ
أتنسى سِبطَ أحمدَ حین یُمسی=ویُصبحُ بین أطباقِ الصَّعیدِ
* * *
ولشاعر العربیه أحمد شوقی بیتان فی قصیدته (الحریه الحمراء) ، یقول فیهما :
فی مهرجانِ الحقِّ أو یوم الدّمِ=مُهجٌ من الشّهداءِ لم تتکلّمِ
یَبدو عَلى هاتورَ نورُ دِمائِها = کَدَمِ الحُسَینِ عَلى هِلالِ مُحَرَّمِ
* * *
وللعلاَّمه الشیخ عبد الله العلایلی قصیده مطوّله فی ذکرى الحسین (علیه السّلام) ، تقول أبیاتها :
عَرَى الدین من أحلاسِ شرٍّ وفتنهٍ=دواهی طغتْ وازورَّ من وقعِها الهُدى
فهاج إمامُ الحقِّ من کلّ وجهه=وهاج إمامُ الدینِ من کلّ منتحى
فما قرَّ فی وجه الظلومِ وما التوى=على مِرّه الظُلاَّم أو شدَّه الهوى
أرادوا به ذُلاً فکان جوابُه=زئیراً کلیثِ الغاب حُفِّز للشَّرى
سرى جاهداً یستندب الرَّوع بغیهً=کأنّ الردى فی الذلِّ والعیشَ فی الردى
إلى أن یقول :
فیا کربلا کهفَ الإباء مجسَّماً=ویا کربلا کهفَ البطوله والعُلا
ویا کربلا قد حُزتِ نفساً نبیلهً=وصُیِّرْتِ بعد الیوم رمزاً إلى السّما
ویا کربلا قد صرتِ قِبلهَ کلِّ ذی=نفسٍ تصاغَر دون مبدئها الدُّنا
ویا کربلا قد حزتِ مجداً مؤثّلاً=وحزتِ فخاراً ینقضی دونهُ المدى
فخارَ لَعمری سطَّرتْه ضحیهٌ=فکان لمعنى المجدِ أعظمَ مجتلى
فللمسلمِ الأسمى شِعارٌ مقدَّسٌ=هما قبلتانِ للصّلاه وللإبا
* * *
وللشاعر محمد مهدی الجواهری قصیده من ثمانیه عشر بیتاً ، یقول فی مطلعها :
شممتُ ثراکَ فهبَّ النسیم=نسیمُ الکرامهِ من بلقعِ
وعفّرتُ خدّی بحیثُ استراحْ=خدّاً تفرّى ولم یضرعِ
وحیثُ سنابکُ خیلِ الطغاه=جالت علیهِ ولم یضرع!!
وطفتُ بقبرِکَ طوفَ الخیال=بصومعهِ المُلهمِ المُبدعِ
إلى أن یقول :
ویا غصنَ هاشم لم ینفتحْ=بأزهرَ منک ولم یفرعِ
ویا واصلاً من نشیدِ الخلود=ختامَ القصیدهِ بالمطلعِ
یسیر الورى برکابِ الزمان=من مستقیمٍ ومن أضلعِ
وأنتَ تُسیّرُ رکبَ الخلود=ما تستجدّ له یتبعِ
* * *
وللصوفی الباکستانی الشاعر محمد إقبال قصیده یقول فیها :
فی الکعبهِ العلیا وقصّتِها=نبأٌ یفیضُ دماً على الحجرِ
بدأت بإسماعیلَ عبرتُها=ودمُ الحسینِ نهایهُ العِبَرِ
* * *
ولعلَّ من أجود ما قیل من فاخر المراثی الحسینیّه فی العصر الحدیث ، تلک التی دوَّنها (بولس سلامه) الشاعر المسیحی الفذّ فی ملحمته الشعریه العظیمه المعروفه بـ (عید الغدیر) ، والمؤلّفه من ثلاثه آلاف بیت ، والتی کان الشاعر ینظمها فی غرفه مظلمه ، حیث کانت دموعه تتسابق مع کلماتها . وحیث کان یجیب إذا سُئِل عن سر بکائه : إن ملحمه کربلاء هی ملحمتی الذاتیه کفرد إنسانی .
یقول فی إحدى قصائد الملحمه :
کسر النسرُ طرفَه إعیاء=بعدما قرَّح الجفون بکاء
لو أصاب الفراتَ رزءُ حسینٍ=لانطوى النهرُ کالرداءِ انطواء
ولغاضت شطآنهُ واستطار الـ=ـرملُ فی خاطر الأثیرِ هباء
إلى أن یقول :
یا ضیاءَ الغروبِ فی کربلاء = دونک الشمسُ فی الغروبِ ضیاء
کیف باتتْ والکوکب الضخمُ یهوی = مثلما تسقطُ الجبالُ انکفاء
یا سلیلَ المطیَّبینَ جدوداً=یفضحُ الشمسَ عزهً وانتماء
مجدُکُمْ صیِّرَ النبیلَ نبیلاً=وحباه من العُلا ما شاء
دمُک السمحُ یا حسینُ ضیاءٌ=فی الدیاجیرِ یلهمُ الشعراء
أیُّ فضلٍ لشاعر منک یعتامُ الـ =ـلآلئ یصوغ منها رثاء
شاعرٌ مقعدٌ جریحٌ مهیضٌ= کلُّ أیامهِ غدتْ کربلاء
* * *
والشاعر الفرزدق بن غالب الذی التقى الحسین (علیه السّلام) فی (الصفاح) ، فی إحدى محطات روجه(۱) ، وأخبره بأن قلوب الناس معه وسیوفهم مع بنی اُمیّه ، له فی الحسین (علیه السّلام) قصیده تعدُّ من أجمل ما قیل فی تصویر فضائل سید الشهداء (علیه السّلام) ؛ إذ یقول فیها :
ــــــــــــــــ
(۱) یُروى أنّ الفرزدق خرج من البصره یرید العمره ، فرأى عسکراً فی البرِّیه فاستعلم عنه ، ولمّا علم بأنه عسکر الحسین (علیه السّلام) قال : لأقضینَّ حقَّ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) .
وأتى وسلَّم علیه ، فقال الحسین (علیه السّلام) : (مَن الرجل ؟ ). قال : الفرزدق بن غالب . فردّ الحسین (علیه السّلام) : (هذا نسب قصیر ). قال الفرزدق : أنت أقصر منّی نسباً ؛ أنت ابن بنت رسول الله (صلّى الله علیه وآله) .
هذا الذی تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ=والبیتُ یعرفهُ والحلُّ والحرمُ
هذا ابنُ خیرِ عباد الله کلِّهمُ=هذا التقیُّ النقیُّ الطاهرُ العَلَمُ
یکاد یُمسکهُ عرفانُ راحتهِ=رکنَ الحطیمِ إذا ما جاء یستلمُ
إذا رأته قریشٌ قال قائلُها= إلى مکارمِ هذا ینتهی الکرمُ
یُغضی حیاءً ویُغضى من مهابتِهِ=فما یُکلَّمُ إلاّ حین یبتسمُ
فی کفِّهِ خیزرانٌ ریحُها عبقٌ=بکفِّ أروعَ فی عرنینِه شممُ
مشتقّهٌ من رسولِ الله نبعتُهُ=طابت عناصرُهُ والخیمُ والشیمُ
لا یستطیع جوادٌ بُعْدَ غایتِهِ=ولا یُدانیه قومٌ إن هُمُ کرموا
مَن یعرفِ الله یعرفْ أوَّلَیّهِ ذا=فالدینُ من بیت هذا ناله الاُممُ
* * *
والشاعر السید الحمیری الذی قیل فیه : إنه من أشعر الناس ، ما جاراه شاعر قط فی رثاء أهل البیت (علیهم السّلام) إلاّ دیک الجنِّ . وله فی رثاء الحسین (علیه السّلام) قصیده یقول فیها :
اُمرُر على جَدَث الحسینِ= وقُل لأعظُمهِ الزکیّهْ
یا أعظماً لا زِلت من=وطفاءَ ساکبهً رویَّهْ
ما لذَّ عیشٌ بعد رضْـ=ـضِکِ بالجیادِ الأعوجیّهْ
یا عینُ فابکی ما حییـ=ـت على ذوی الذممِ الوفیّهْ
لا عذرَ فی ترکِ البکا=ءِ دماً وأنت به حریَّهْ
وله قوله فی الحسین (علیه السّلام) حینما خاطب أصحابه ، یقول فیها :
لستُ أنساه حین أیقنَ بالموْ=تِ دعاهُمْ وقام فیهم خطیبا
ثم قال ارجعوا إلى أهلِکُمْ لیـ=ـسَ سوائی أرى لهمْ مطلوبا
* * *
فإذا صنع عشق الشهداء شاعراً ، فإن الندم على نصرتهم صنع شاعراً فحلاً ما قال بیتاً بعد مصرع الحسین (علیه السّلام) إلاّ وضمَّنه ندمه ؛ لعدم نُصرته لمَّا جاء یستصرخه بنفسه للخروج معه ، وما کان من رفضه هذا وعرضه فرسه على الحسین (علیه السّلام) للنجاه علیه ، وما کان من إعراض الشهید (علیه السّلام) وقولته له : (لا حاجهَ لنا فیک ولا فی فرسک) ، (وَمَا کُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ عَضُدا)۰ .
هذا الشاعر هو عبید الله بن الحرِّ الجعفی ، وکان قائداً من شجعان العرب ، عمل مع عثمان ومعاویه ، وتغیَّب عن معرکه کربلاء عمداً ، وبعدها صار یُرى على الدوام فائض النفس ، ضارباً یداً فوق اُخرى ، ومردداً : ماذا فعلت بنفسی ؟! ومنُشداً بأسى وحسره ندمه ، وقائلاً :
فیا لکِ حسرهً ما دمتُ حیاً=تَردَّدُ بین حلقی والتراقی
حسینٌ حین یطلب بذلَ نصری=على أهل الضلالهِ والنفاقِ
غداهَ یقول لی بالقصر قولاً= أتترکُنا وتزمع بالفراقِ
ولو أنّی اُواسیه بنفسی=لنلتُ کرامهً یومَ التلاقِ
مع ابنِ المصطفى نفسی فداهُ=تولَّى ثمّ ودّع بانطلاقِ
فلو فلق التلهّفُ قلبَ حیٍّ= لهمَّ الیومَ قلبی بانفلاقِ
فقد فاز الاُلى نصروا حسیناً=وخاب الآخرون اُولو النفاقِ
ولمّا طلبه ابن زیاد وسأله تبریر تغیّبه عن موقعه کربلاء ، غافله ورکب فرسه وانطلق بها ، ولمّا حضرت شرطه ابن زیاد خلفه ، طلبوا منه إجابه الأمیر ، فرفض مُغلظاً کلامه لهم ، ثم أجرى فرسه حتّى وصل کربلاء ، فنظر إلى مصارع الحسین (علیه السّلام) ومَن قُتل معه ، فاستغفر لهم ، ثم مضى إلى المدائن وقال فی ذلک(۱) :
ــــــــــــــــ
(۱) راجع الکامل فی التاریخ .
یقولُ أمیرٌ غادرٌ وابنُ غادرِ=ألا کنتَ قاتلتَ الحسینَ ابنَ فاطمهْ
ونفسی على خذلانهِ واعتزالهِ=وبیعهِ هذا الناکثِ العهدِ لائمهْ
فیا ندمی ألاّ أکونَ نَصرتُهُ=ألا کلُّ نفسٍ لا تُسدِّد نادمهْ
وإنّی لأنّی لم أکن من حُماتهِ=لذو حسرهٍ ما أن تفارق لازمهْ
سقى الله أرواحَ الذین تبادروا=إلى نصرهِ سُقیاً من الغیثِ دائمهْ
وقفتُ على أجداثِهم ومحالِهم=فکاد الحشا ینقضُّ والعین ساجمهْ
تآسوا على نصرِ ابن بنت نبیِّهم=بأسیافهمْ آسادَ غِیلٍ ضَراغمهْ
إلى أن یصل ندمه حدّاً یجعله یتمنَّى قتال الذین ظلموا الحسین (علیه السّلام) ، فیقول :
أهمُّ مراراً أنْ أسیر بجحفلٍ=إلى فئهٍ زاغتْ عن الحقِّ ظالمهْ
فکفُّوا وإلا ذُدتُکم فی کتائبٍ=أشدَّ علیکم من زُحُوفِ الدیالمهْ
ولکن الموت عاجل هذا الشاعر النادم على خذلانه الحسین (علیه السّلام) ، وقد تعدَّدت الروایات عن موته ، فمنها ما ذَکر أنه أغرق نفسه فی الفرات خوفاً من الوقوع فی أسر مصعب بن الزبیر ، وفی روایه اُخرى أنه قُتل فی الأنبار ، وأن مصعب نصب رأسه فی الکوفه ، وفی روایه ثالثه أنه بقی فی منزله على شاطئ الفرات إلى أن مات یزید .
وکیفما کانت حیاه هذا المقاتل الشاعر أو میتته ، فإنه بندمه الذی أفاض على نفسه کان ممن عناهم الله بقوله : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُکُمْ بِالأَخْسَرِینَ أَعْمَالاً * الَّذِینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَهُمْ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ یُحْسِنُونَ صُنْعًا )(۱) .
وهذا وذاک شاعر تُبهْلِلُ نفسه مخارف الدنیا وبُلَهنِیه العیش ، تراه فی موضع یُذکر فیه الحسین (علیه السّلام) وقد تحوَّل إلى ناسک متبتِّل یقنع بالبلغه تستقر فی حلقه ، لا تغادره لجفافها إلى فوق أو تحت .
وهذا وذاک شاعر لا تتحرّک کوامنه إلاّ للفجِّ من المشاعر المکثَّفه الصارخه ، تجده ینفعل بأخفت شعور یصله من عَلیاء أهل البیت (علیهم السّلام) ، فیُعطی أبلغ ما عنده من فصاحه ، ویُرسل أفصح ما لدیه من بلاغه شعراً ونثراً .
وشاعر یبخل بمدحه للملوک یملأ بعده جرابه ذهباً ، ویسخو أیما سخاء فی مدح الحسین وآله على غیر أمل فی درهم واحد ، وعلى توقُّع نوال الأذى والمشقه والإحن .
وشاعر آخر لم تکن أهوال الدنیا ومقاتلها لترف له جفناً ، لکنه کان یبکی کطفل کلما نزعت أفکاره إلى ذکرى کربلاء ، فُیرسل الدمع الهتون أسى وحرقه .
هکذا شاعر الحسین (علیه السّلام) عندما تحوطه هیولیّه الاستشهاد ، فیُحلِّق فی فضائها کنسر جائع إلى الحقیقه وصفاء النفس ، فیتخلَّص من مُتعارفات العیش وفرضیات الأهواء والنوازع الأرضیه .
ــــــــــــــــ
(۱) سوره الکهف / ۱۰۳ ـ ۱۰۴ .
وفی فضاء الشهداء تکمن المُثُل الحقه والأرْیحیَّه ، فلا مناص من التقرُّب منها إلاّ بجناحین قویِّین تسوقهما ریح خفیه مجهوله إلى حیث یکون ما یجب ، وإلى حیث تتردَّد اُنشوده العظمه مذ ارتفعت فی العاشر من محرَّم .
اُنشوده وضعها الحسین (علیه السّلام) على الشفاه فما ملَّتها قط ، بل زادها کرور الأیام اشتیاقاً لها ، وهی أهزوجه للعزِّ استوطنت حناجر الأجیال ، تطرب لها العقول وتحنو علیها الأضلع والصدور ، کدرَّه ثمینه لا منجى لها بدونها .
فالدماء الزکیه التی أُهدرت فوق ثرى کربلاء منذ ثلاثه عشر قرناً سجّلت للبشریه مجدها کما قال جبران خلیل جبران ، والشهاده التی أقدم علیها الحسین (علیه السّلام) علّمت الإنسان کیف یکون مظلوماً حتّى ینتصر کما قال المهاتما غاندی .
وعلَّمت المشاعر کیف تلتهب وتتفاعل مع المواقف النبیله والمبادئ السامیه ، فتهتزُّ لتفاعُلها القرائح اهتزاز الصبِّ المستهام بصوره حبیبه ، وتخلِّدها کَلِماً وشعراً وجمالاً ، إلى جانب ما خلّده التاریخ منها سرداً وتسجیلاً ؛ لتکون أخلد سیره لأعظم شهاده ، وأجمل قول لأکمل صوره .
تجاوبتِ الدُّنیا علیک مآتماً=نواعیکَ فیها للقیامهِ تهتفُ
فسلامٌ علیه سیّداً للشهداء ، سلام علیه یوم ولد ویوم مات ویوم یُبعث حیاً .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.