حُبُّ الامام علی (علیه السلام) للـه تعالى
فقال: “ فلقد کنا مع رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) وإنّ القتل لیدور على الآباء والأبناء والأخوان والقرابات، فما نزداد على کل مصیبه وشده إلاّ إیماناً ومضیّاً على الحق “ [1]. ویروی التاریخ أن الإمام علی (علیه السلام) رأى یوم بدر عقیلاً أخاه وکان فی معسکر الأعداء یومئذ ، رآه مقیداً فصدَّ عنه ، وصاح به عقیل: یا علی ، أما واللـه لقد رأیت مکانی ، ولکن عمداً تصدُّ عنی . وکان حبه الشدید لربه سبحانه یجعله فوق کل وشیجه مادیه، وکل ضغط اجتماعی ، وکل مصلحه دنیویه زائله .
فقد حدثنا (علیه السلام) بنفسه عن أسباب نصر اللـه للمسلمین . وجعل أعظمها التعالی عن علاقاتهم النسبیه والتمسک بقیم الحق ، فقال : “ فلقد کنا مع رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) وإنّ القتل لیدور على الآباء والأبناء والأخوان والقرابات ، فما نزداد على کل مصیبه وشده إلاّ إیماناً ومضیّاً على الحق “ [1] .
ویروی التاریخ أن الإمام علی (علیه السلام) رأى یوم بدر عقیلاً أخاه وکان فی معسکر الأعداء یومئذ ، رآه مقیداً فصدَّ عنه ، وصاح به عقیل : یا علی ، أما واللـه لقد رأیت مکانی ، ولکن عمداً تصدُّ عنی .
فأتـى علی (علیه السلام) إلى النبی (صلى الله علیه وآله) وقال : “ یا رسول اللـه هل لک فی أبی یزید ، مشدوده یده فی عنقه بنسعه [۲] فقال انطلق بنا إلیه “ [3] .
وهکذا کان موقفه من أخته أم هانی یوم فتح مکه حیث أوت رجالاً من قریش کما یروی التاریخ فلم یجرهم حتى أجارهم النبی (صلى الله علیه وآله) [۴] .
ومن هنا کان الإمام (علیه السلام) یعیش أبداً فوق الضغوط وکان الناس یعرفون منه ذلک ، ولذلک تعاونت ضده أصحاب المصالح ، وقوى الضغط الإجتماعیه ، کما تخبرنا عن ذلک زوجته سیده نساء العالمین فاطمه الزهراء (علیه السلام) : “ وما الذی نقموا من أبی الحسن ، نقموا منه واللـه نکیر سیفه ، وشده وطأته ، ونکال وقعته ، وتنمُّره فی ذات اللـه “ [5] .
لقد عرفوا أنه لایبالی ، ولا یداهن فیما یرتبط بربه . وهکذا شهدت حوادث التاریخ . فحینما مد إلیه عبد الرحمن لیبایعه علــــى کتاب اللـه وسنّه رسوله وسیره الشیخین رفض الإستجابه إلاّ لکتاب اللـه وسنّه رسوله ، ولم یبال أن الخلافه بکل ما فیها من عظمه وجلال تزوى عنه .
بل إن نظراته إلى الحکم کانت أبداً من خلال ما یمکن أن ینفع دینه . فهو الذی قال مره لابن عباس وقد استعجله لاستقبال الوفود وکان مشغولاً باصلاح نعله ، قال له : یابن عباس ، کم تسوى هذه النعل عندکم ؟ قال : درهماً أو بعض درهمٍ .
قال : “ لأمْرَتُکم هذه أزهدُ عندی منها ، إلاّ أن أُقیم حقّاً أو أَدفع باطلاً “ .
أولم یرفض إبقاء معاویه على إماره الشام مده من الزمن یستقر فیها الأمر له ثم یعزله کما أشار علیه البعض ، لانه کان یرفض الغدر ؟.
وقد قال مره : “ وما معاویه بأدهى منی ، ولکنه یغدر ویفجر ، ولولا کراهیه الغدر لکنت من أدهى الناس “ [6] .
ویروی التاریخ أن کل الملتحقین بمعاویه ممن کان مع الإمام علی (علیه السلام) هربوا من عدالته ، واستراحوا إلى محاباه معاویه ومداراته . وکذلک فقل والذین أثروا على عهد الخلیفه الثالث ومثلهم ثراء فاحشاً على حساب المحرومین ، وخشوا من محاسبه الإمام علی لهم . الذین کانت بأیدیهم ثروات المسلمین ، مـــن بیت المال ، وأرادوا الاستئثار بها . وکذلک الذین کانوا یتصورون المجتمع الإسلامی کالجاهلیه یأکل القویُّ العزیزُ فیه الضعیفَ الذلیلَ ، ولم یُعجبهم شعار الإمام (علیه السلام) : “ الذلیلُ عندی عزیز حتى آخذ الحق له ، والقویُّ عندی ضعیفٌ حتى آخذ الحق منه “ [7] .
وکذلک هرب من عدله الذین کانوا یرتکبون جرائم یستحقون علیها الحد . والذین کانوا یبحثون عن جو التسامح فی دین اللـه ، یسمح لهم ارتکاب بعض الجرائم کإقامه الحفلات الماجنه ومعاقره الخمور .
کل أولئک کانوا یتسللون إلى معاویه ویشفق علیهم الإمام (علیه السلام) ، لأنهم یهربون من النور إلى الظلام ، ومن العداله الشامله إلى مجتمع الظلم الزائل .
ولکنه لم یغیر سیاسته من أجل استمالتهم . والتاریخ یحفل بمئات الحوادث التی تروی لنا قصه ذلک الرکن الشدید ، الذی تتراجع عنه عواصف الضغط الإجتماعیه ، قصه ذلک الصلد الأصم الذی تتکسر عنده کل أمواج الإغراء والإرهاب .. فلیجتمعوا حول معاویه ، ثم یزید ثم من یأتی من سلاطین بنی أمیه ، ولیرفعوا عقیرتهم ألف شهر ، بسب علیٍّ وذریته علیهم السلام ، ویتفاخرون بقتل أولاده وشیعته .. ولیفعلوا ما شاؤوا أن یفعلوا .. فالحق أغلى .. واللـه أکبر ، وأمیر المؤمنین (علیه السلام) یصبر محتسباً ثواب ربِّه عزَّ وجلَّ .
ولقد قال مره : “ کنت أحسب الأمراء یظلمون الناس ، فإذا الناس یظلمون الأمراء “ [8] .
أجل ، إن انعدام الوعی عند الناس وکثره القوى المصلحیه کانت وراء ظلمهم لأمیر المؤمنین (علیه السلام) .
فقد کان یرید إقامه مجتمع القانون ، والناس یرغبون فی الفوضى والمحاباه ، وأن ینفَّذ القانونُ أبداً على غیرهم . أما هم فالأفضل أن تمشی لهم الوساطات .
لقد أخذ الإمام علی (علیه السلام) رجلاً من بنی أسد فی حدٍّ ، فاجتمع قومه لیکلِّموا فیه ، وطلبوا إلى الحسن (علیه السلام) أن یصحبهم ، فقال : ائتوه فهو أعلى بکم عیناً ، فدخلوا علیه وسألوه ، فقال : لا تسألونی شیئاً أَملکه إلاّ أُعطیتم ، فخرجوا یرون أنهم قد نجحوا ؛ فسألهم الحسن (علیه السلام) فقالوا : أتینا خیر مأتِیً ، وحکوا له قوله ، فقال : ما کنتم فاعلین إذا جلد صاحبکم فافعلوه .. فأخرجه علی (علیه السلام) فحدَّه ، ثم قال : “ هذا واللـه لستُ أَملکه “ [9] .
وقد بیَّن فلسفه ذلک فی قصه أخرى حیث بلغ معاویه أن شاعراً من أصحاب الإمام (علیه السلام) کان اسمه النجاشی قد هجاه . ولعل معاویه کان یعرف أنه یشرب الخمر ، فدسَّ قوماً شهدوا علیه عند الإمام أنه شرب الخمر ، فأخذه وحدّه .
فغضب جماعه على الإمام (علیه السلام) فی ذلک – وکان بینهم طارق بن عبد اللـه الفهدی – فقال : یا أمیر المؤمنین مالنا نرى أن أهل المعصیه والطاعه وأهل الفرقه والجماعه عند ولاه العقل ومعادن الفضل سِیَّانِ فی الـجـــزاء ، حتى ما کان من صنیعک بأخی الحارث – یعنی النجاشی – فأوغرت صدورنا ، وشتت أمورنـــا ، وحملتنا على الجاده التی کنا نرى أن سبیل من رکبها النار ( أی اتِّباع معاویه ) .
فقال علی (علیه السلام) : { وَإِنَّهَا لَکَبِیرَهٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِینَ } (البقره/۴۵) .
یا أخا بنی فهد !. هل هو إلاّ رجل من المسلمین انتهک حُرمه من حُرم اللـه ، فأقمنا علیه حدها زکاه له وتطهیراً ؟.
یا أخا ابن فهد ، إنه من أتى حدّاً فألیم[۱۰]کان کفارته .
یا أخا ابن فهد ، إن اللـه عزَّ وجلَّ یقول فی کتابه العظیم : { وَلاَ یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } (المائده/۸) [۱۱] .
لقد کانت نظره الإمام (علیه السلام) إلى العدل والمساواه مستوحاه من لب الوحی وروح الرساله ، وقد انعکست على مواقفه ، وفی تأدیبه لِوُلاته ، فهنا یوصی عامله على مصر مالک الأشتر فیقول له : “ أَنصف اللـه ، وأَنصف الناس من نفسک ، ومن خاصه أهلک ، ومن لک فیه هوى من رعیتک . فإنک إِلاَّ تفعل تَظلم ، ومن ظلم عباد اللـه کان اللـه خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللـه أَرخص حُجته ، وکان لله حرباً حتى یفزع ویتوب . ولیس بشیء أدعى إلى تغییر نعمه اللـه ، وتعجیل نقمته من إقامهٍ على ظلم ، فإن اللـه سمیع دعوه المضطهدین ، وهو للظالمین بالمرصاد “ .
ثم یحذره من محاباه الخاصه ( وهم الأشراف وأولوا الوجاهات والوساطات ) فیقول: “ ولیکن أحب الأمور إلیک أوسطها فی الحق ، وأعمّها فی العدل ، وأجمعها لرضا الرعیه ، فإن سخط العامه یجحف برضى الخاصه ، وإن سخط الخاصه یُغتفر مع رضى العامه “ [12] .
مکرمات الإمام (علیه السلام) على لسان النبیِّ (صلى الله علیه وآله) :
عشرات المجلدات لاتکفی وصف حیاه الإمام (علیه السلام) الذی تجلَّى الوحی فی حیاته ، وکان آیه صدقٍ لرسالات اللـه ، وشاهد حقٍّ لنبوَّه خاتم المرسلین محمد (صلى الله علیه وآله) .
وإذا کان هذا الکتاب لایسع من فیض مکرماته سوى قطرات ، فإن تلک القطرات تکفینا ، لأنها بالنسبه إلینا رافد عظیم .
ولعل البعض تصیبه الدهشه إذا سمع فضائل الإمام (علیه السلام) على لسان النبی (صلى الله علیه وآله) لأنه لم یستوعب حکمه الخلق ، ولا یفکر فی إطار البصائر القرآنیه .
أما إذا نظر إلى السموات والأرض وما فیها بصفتها مخلوقات لله ، وعلم أن اللـه سخرها للإنسان ، وفضَّل البشر على کثیر مما خلق تفضیلاً ، وأنه إنما أکرم أبناء آدم لعبادتهم له ، وأن أکرمهم عنده أتقاهم ، استوعب آنئذ ما یذکر من کرامات أولیاء اللـه .
أما إذا نظر إلى الانسان نظره مادیه ، فإنه لایمکنه أن یصدق بشیء ، حتى بالوحی الذی یعتبر عنوان کرامه اللـه للانسان ، ورمز تفضیله على سائر خلقه ، ومفتاح تسخیر الأشیاء له .
وها نحن نستعرض معاً بعض مکرمات الإمام (علیه السلام) على لسان النبیِّ (صلى الله علیه وآله) ونتذکر أن الصعاب التی مرَّ بها فی حیاته کانت معراجاً إلى ربه سبحانه ، ووسیلهً وزلفى إلى رضوانه .
ــــــــــــــــــ
(۱) نهج البلاغه الخطبه ( ۱۲۲ ) .
(۲) وهی عریض طویل یشد به الرحال .
(۳) المصدر : ( ج ۴۱ ، ص ۱۰ ) .
(۴) المصدر .
(۵) سیره الأئمه : ( ج ۱ ، ص ۱۲۴ ) .
(۶) الخطبه ( ۲۰۰ ) من نهج البلاغه .
(۷) نهج البلاغه الخطبه ( ۳۷ ) .
(۸) المصدر .
(۹) المصدر .
(۱۰) أی ارتکب ما یوجب علیه الحد فلامه الناس أو آلمه إقامه الحد علیه .
(۱۱) المصدر : ( ج ۴۱ ، ص ۱۰ ) .
(۱۶) نهج البلاغه ( المعجم المفهرس ) : ص ( ۹۸ ) .