نظریه الأمر بین أمرین

0

فتمام ما یصدر عن الإنسان هو فعل الله تعالى دون ان تکون للإنسان أیُّ مشیئه فی ذلک.
وبهذه النظریه سُلبت عن الله جلَّ وعلا صفه العداله، فهو یُعذب ویعاقب الإنسان على فعل لم یصدر عنه.
وفی مقابل هذه النظریه ذهبت المعتزله الى انَّ الأفعال الصادره عن الإنسان واقعه تحت تأثیره بنحو الإستقلال دون ان یکون للمشیئه الإلهیه أیُّ تأثیر فی صدورها عنه، فلیس ثمه من دور لله جلَّ وعلا سوى افاضه الوجود على الإنسان، فمتى ما اُفیض الوجود علیه استغنى عن الله جلَّ وعلا.
وبتعبیر آخر یتناسب مع التفویض الفلسفی: انَّ الله جلَّ وعلا خلق العقل الأول وفوَّض الیه الأمر، فکلُّ ماهو عله فی عالم الإمکان فهو مستقلٌ فی تأثیره عن المفیض الاول، فالنار مستقله فی تأثیرها للإحراق کما انَّ النور مستقل فی تأثیره للإناره، وهکذا الإنسان فإنَّه مستقل فی تأثیره للأفعال الصادره عنه.
ومن هنا قالوا: لو افترض انعدام الله ـ تعالى عما یقولون علوًا کبیرًا ـ لما أدى ذلک الى اختلال عالم الوجود، إذ انَّ الله جلّ وعلا لم یکن سوى عله الایجاد والمفیض للعله الاولى، وأما البقاء والتأثیر فی عالم الممکنات فهو مستقل عنه.
ومن هنا عبّر عن هذا الفرقه بالمفوضه، فهی وان أرادت بهذا المذهب التفصِّی عن محذور سلب العدل عن الله سبحانه وتعالى إلاّ انها وقعت فی محذور آخر لا یقلُّ شأنًا عن المحذور الاول حیث سلبت عن الله جلَّ وعلا سلطنته المطلقه عن مملکته.
وفی مقابل هاتین النظریتین ذهب الامامیه ـ رفع الله شأنهم ـ الى نظریه الأمر بین الأمرین، وهی مستفاده من أئمتهم المعصومین (علیهم السلام) ، وهی برزخ بین النظریتین، ومعها یُتحفَّظ على الإیمان بعداله الله جلَّ وعلا وعلى سلطنته المطلقه.
وحاصل هذه النظریه على ما أفاده السید الخوئی (رحمه الله)  ان صدور الفعل عن العباد منوط بأمرین:
الأمر الاول: ان یکون العبد واجدًا للحیاه والعلم والقدره والإراده وما الى ذلک، وکلُّ ذلک مفاض من قبل الله جلَّ وعلا، وهذه الإفاضه لا تختص بالإحداث والایجاد فحسب، بل هی فیض بعد فیض، فالفقر الذاتی للإنسان ـ ولسائر الممکنات ـ یستوجب احتیاجه الى مفیض الوجود جلَّ وعلا حدوثًا واستمرارًا.
وبتعبیر آخر: انَّ وجود الإنسان بالنسبه لوجود الله جلَّ وعلا وجود ربطی تعلُّقی، أی انَّ وجوده عین الربط وعین التعلُّق لا أنهما شیئان متغایران بینهما نسبه ربطیه بل انَّ الوجود الممکن هو عین الربط وصرف التعلُّق والتدلِّی واذا صحَّ التعبیر فوجوده امتداد للوجود الواجب " جلَّ ثناؤه "، ومن هنا لا تتعقل الإستقلالیه فی وجوده بعد ان کان الربط والتعلُّق هو واقعه وذاته.
وهذا هو معنى الفقر الذاتی للممکنات، فإفاضه الوجود علیها لا یسلب عنها صفه الفقر بعد ان کان الفقر هو ذاتها، ومن هنا لو انقطع عنها الفیض لانقطعت عنها کلُّ الکمالات مثل الحیاه والقدره أو قل " لم تکن شیئًا مذکورًا ".
الأمر الثانی: الذی یُناط به صدور الفعل عن العبد هو إعماله لقدرته المفاضه علیه من قبل الله جلَّ وعلا، وهو المعبَّر عنه بالإختیار.
وهذه الأهلیه والتی هی اعمال القدره لم تکن لولا انَّ الله تعالى أعطاها للإنسان. ومن هنا صح اسناد الأفعال
الصادره عن الإنسان الى الله تعالى باعتباره المفیض للحیاه والعلم والقدره والأهلیه لإعمال القدره، کما یصح اسنادها للإنسان لانها صدرت عن إرادته واختیاره.
وهذا هو الأمر بین الأمرین فلا هو استقلال محض عن مفیض الوجود جلَّ وعلا ولا أن أفعال العباد صادره عن الله ابتداء دون أن یکون لإرادتهم واختیارهم أیُّ دخل فی صدورها کما ذهبت لذلک الأشاعره.
ویمکن تقریب نظریه الأمر بین الأمرین بهذا المثال الذی ذکره السید الخوئی (رحمه الله) : وهو انَّه لو کان هناک مولى له عبد مشلول الحرکه تمامًا، واتَّفق ان کان للسید وسیله یتمکن بها من دبِّ الحرکه الإرادیه فی جسد عبده، وکانت هذه الوسیله خاضعه لإراده السید، بمعنى انَّه متى ما أراد ان یبعث الحرکه الإرادیه فی جسد عبده فعل ومتى ما أراد اعادته الى حاله الشلل تمکن من ذلک، کما لو کانت الوسیله من قبیل التیار الکهربائی ویکون التحکُّم فی بعثه وقطعه بید السید.
فعندئذ لو وضع الجهاز الکهربائی وضغط على زرِّه الذی بیده فإنَّ العبد حینئذ یصبح قادرًا على الحرکه الإرادیه، بمعنى انَّ التیار الکهربائی یؤهله للحرکه لا انه یُلجأُه على الحرکه فإنه یمکن للعبد ان لا یتحرک وان کانت له أهلیه التحرک الإرادی.
فلو قام العبد بعد بعث التیار فی جسده بقتل شخص أو مساعده یتیم وکان ذلک بمرأى من السید المتحکم فی التیار الکهربائی فإنَّ الفعل الذی صدر عن العبد یمکن نسبته الى العبد باعتبار انَّه صدر عن إرادته واختیاره وکان له ان لا یفعل ذلک، إذ انَّ الحرکه المنبعثه له بواسطه التیار کانت من سنخ الحرکات الإرادیه. کما یمکن نسبته الى السید لأنَّه الباعث للحرکه وکان ملتفتًا الى ما یصدر عن العبد من أفعال وکان بإمکانه ان یقطع عنه الحرکه بواسطه قطع التیار إلاّ انَّه لم یفعل ذلک، لانه شاء ان یکون العبد مختارًا فیما یصدر عنه من أفعال.
وبهذا المثال اتَّضح المراد من الأمر بین الأمرین، فلا العبد مستقل فی فعله ولا هو مجبر علیه، وهذا هو المطابق للبراهین العقلیه القطعیه وکذلک النصوص الشرعیه.
والحمد لله رب العالمین

Leave A Reply

Your email address will not be published.