الشیعه والمعاد
۱ـ ما هو مبدأ العالم والإنسان؟
۲ـ ما هو الهدف من وجود الإنسان؟
۳ـ إلى أین المصیر بعد الموت؟
فالبحث عن الصانع إجابه عن السؤال الأوّل.
کما أنّ البحث عن کونه حکیماً وأنّ فعله منزّه عن العبث إجابه عن الثانی.
والقول بأنّ الموت لیس نهایه الحیاه وإنّ الإنسان لا یفنى بموته، وإنّما هو جسر ینتقل عبره من نشأه إلى نشأه أُخرى أکمل من الأولى، هو جواب عن السؤال الثالث.
إنّ الاعتقاد بالمعاد عنصر أساسی فی کل شریعه لها صله بالسماء، ولأجل ذلک أصبح المعاد فی الشرائع السابقه أصلاً مسلَّماً حتى عند الیهود فی العهد القدیم(۱).
وإذا کان المعاد یحتلّ المکانه العلیا فی الشرائع السماویه وکان القرآن خاتم الکتب، والمبعوث به خاتم الأنبیاء فیناسب أن یکون المعاد مطروحاً فیه بشکل واسع مقترناً بالدلائل العقلیه المقنعه.
وقد صدق الخُبرُ الخبر، فالذکر الحکیم یعتنی بالمعاد، ویهتم به اهتماماً بالغاً تکشف عنه کثره الآیات الوارده فی مجال المعاد وربّما تبلغ زهاء ألف وأربعمائه آیه، وقد ذکر العلاّمه السید محمد حسین الطباطبائی إنها: تربُو على الألفین ولعلّه قدّس سرّه ضم الإشاره إلى التصریح به فبلغت ما تربو على ألفی آیه.
وعلى أیه حال فالشیعه لا تختلف عن سائر الفرق الإسلامیه فی هذا الأصل الخطیر وتقول: إنّ اللّه سبحانه سیجمع الناس یوم القیامه ویضع الموازین القسط فلا یظلم أحداً مثقال ذره، وتوفّى کل نفس ما عملت فإمّا إلى النعیم الدائم أو إلى العذاب المقیم.
وهناک أُصول اتّفقت الشیعه علیها نذکرها لشدّه مناسبتها بالمقام:
۱ـ اتّفقت الشیعه على أنّ المسلم المؤمن العاصی غیر مخلّد فی النار وهو مؤمن فاسق فلیس بکافر ولا بالمنزله بین المنزلتین.
۲ـ اتّفقت على أنّ الشفاعه حقّ، وانّ لخاتم الأنبیاء مقام الشفاعه الکبرى کما تعتقد بجواز طلبها من النبیّ (صلّى اللّه علیه وآله) فی حیاته ومماته.
قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوکَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهََ تَوّاباً رَحِیماً)[سوره النساء: الآیه ۶۴].
ولیس طلب الشفاعه إلاّ طلب الدعاء فإذا جاز فی حال الحیاه یجوز بعد الرحیل أیضاً لافتراض أنّه (صلّى اللّه علیه وآله) حیّ یُرزق وأنّه بإذنه سبحانه یسمع کلامنا ویجیب سلامنا.
۳ـ اتّفقت الشیعه على أنّ التناسخ باطل والقائل به کافر، والمراد منه انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر فی هذه النشأه فإذا مات البدن الثانی انتقلت إلى ثالث وهکذا.
والداعی للقول بالتناسخ هو إنکار المعاد کما حقّق فی محلّه.
۴ـ اتّفقت الشیعه على أنّ حقیقه التوبه عباره عن الندم عمّا مضى والعزم على عدم العوده علیه وإذا قدر الإنسان علیها وجبت ولا تقبل حین الموت.
۵ـ اتّفقت الشیعه على أنّ حبّ النبیّ والأئمّه المعصومین یقرب الإنسان من اللّه تبارک وتعالى ویبعث فی روعه روح الطاعه معهم فی الإتیان بالواجبات والتحرّز عن المحرمات، وأمّا الحب المجرَّد عن العمل فلیس سبباً للنجاه وإنّما النجاه هو العمل بعد الحب.
۶ـ إنّ الشیعه تبعاً واقتداءً بأئمتهم یقدّسون الصحابه الذین عملوا بکتاب اللّه سبحانه وسنّه نبیّه، ولم یتجاوزوهما، کما أنّهم یتبرّءون ممن خالف کتاب اللّه وسنّه رسوله وفی هذا المقام کلمه مبارکه للإمام زین العابدین قال فی دعاء له:
(اللّهمّ وأصحاب محمّد خاصه الذین أحسنوا الصحبه والذین أبلوا البلاءَ الحسن فی نصره، وکانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حیث أسمعهم حجه رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد فی إظهار کلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء فی تثبیت نبوّته، وانتصروا به ومن کانوا منطوین على محبّته یرجون تجاره لن تبور فی مودّته، والذین هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته وانتفت منهم القربات إذ سکنوا فی ظلّ قرابته، فلا تنس لهم اللّهمّ ما ترکوا لک وفیک وأرضهم من رضوانک وبما حاشوا الخلق علیک وکانوا مع رسولک دعاه لک إلیک، واشکرهم على هجرهم فیک دیار قومهم وخروجهم من سعه المعاش إلى ضیقه، ومَن کَثَّرْتَ فی إعزاز دینک من مظلومهم. اللّهمّ وأوصل إلى التابعین لهم بإحسان الذین یقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا(۲).
نعم لا یقولون بعداله کلّ صحابی وکل من رأى النبیّ (صلّى اللّه علیه وآله) ولو یوماً أو أیاماً بل یقسّمون الصحابه کالتابعین إلى قسمین تبعاً للذکر الحکیم والسنّه النبویه، وهذا هو الذکر الحکیم یصف بعض الصحابه بالفسق یقول: (إنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا)[سوره الحجرات: الآیه ۶].
کما أنّ الرسول الأعظم (صلّى اللّه علیه وآله) یصفهم فی حدیث الحوض بما لا یتلاءم مع عداله الجمیع.
(روى البخاری ومسلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) قال: یرد علیَّ یوم القیامه رهط من أصحابی ویُحلَوَون عن الحوض فأقول: یا ربِّ أصحابی فیقول: إنَّک لا علم لک بما أحدثوا بعدک إنّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى)(۳).
هذا هو قدامه بن مظعون صحابی بدری شرب الخمر وأقام علیه عمر الحدّ(۴).
ومن الصحابه من خضبوا وجه الأرض بالدماء، فهذا بسر بن أرطأه قد قتل مئات المسلمین وما نقم منهم إلاّ أنّهم کانوا یحبّون علی بن أبی طالب، ولم یکتف بذلک فحسب، بل قتل طفلین لعبید اللّه بن عباس(۵).
إلى هنا خرجنا بالنتیجه التالیه:
لا اختلاف بین المذهبین: فیما یرجع إلى المعاد والأصول السته التی تتبنّاها الشیعه إلاّ فی الأصل السادس فالسنّه تعتقد بعداله کلّ صحابی خلافاً للشیعه حیث تقسّمهم إلى مثالی یُستدر به الغمام، ومؤمن یضحّی بنفسه ونفیسه فی طریق الدین وإعلاء کلمه اللّه، إلى من یصفه سبحانه فی محکم کتابه(۶) على خلاف هذین الصنفین.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱- صموئیل الأوّل: الإصحاح الثانی: الجمله ۶ طبع دار الکتاب المقدس.
۲- الصحیفه السجادیه، الدعاء الرابع مع شرح (فی ظلال الصحیفه السجادیه): ص ۵۵ ص ۵۶٫
۳- لاحظ فی الوقوف على هذا النوع من الأحادیث جامع الأصول لابن الأثیر: ج ۱۱ کتاب الحوض ص ۱۲۰ ص ۱۲۱٫
۴- أُسد الغابه للجزری: ج ۴ ص ۱۹۹٫
۵- الغارات للثقفی: ج ۲ ص ۵۹۱، تاریخ الیعقوبی: ج ۱ ص ۱۸۶، الکامل للجزری: ج ۳ ص ۱۹۲٫
۶- انظر سوره الحجرات: الآیه ۶٫