شبهات مطروحه حول الموت والبرزخ

0

 
کما وقفت على أنّ الصله بین الدارین غیر منقطعه، وأنّ هناک مبادله کلام بکلام حتى إنّ البرزخیین یسمعون خفق نعال المشیِّعین.
کما اتّضح أنّ المؤمنین ینتفعون بخیر الأعمال التی یقوم بها أقرباؤهم وأصدقاؤهم.
کلّ ذلک بفضل منه سبحانه على عباده حتى ینتفعوا، بما یُقدّم لهم إخوانُهم ـ بعد انتقالهم من الدنیا ـ من أدعیه صالحه، وأعمال طیبه تهدى ثوابها إلى آبائهم وإخوانهم وأساتذتهم الذین وجبت حقوقهم علیهم.
غیر أنّ تبعیه الأهواء ربما تصدّ الإنسان عن البخوع للحق، والخضوع أمام الحقیقه فیقدِّم رأیه الساقط على البراهین الواضحه، فتاره یُنکر الحیاه البرزخیه، وأُخرى یردّ الصله بین الدارین، وثالثه یَجحد انتفاع البرزخیین بأعمال إخوانهم المؤمنین، کلّ ذلک فی قوالب شبه ضئیله نمّقته الأهواء والتقلید الأعمى ولا یقام له فی سوق الإعتبار وزن ولا فی مبوّأ الحق مقیل، «فظُنَّ خیراً ولا تسأل عن الخبر» وإلیک تلکم الشبهات مع أجوبتها:
الشبهه الأولى:
إنّ الحیاه البرزخیه حیاه لا یعلمها إلاّ الله، فهی حیاه مستقلّه نؤمن بها ولا نعلم ماهیتها.
وإن بین الأحیاء والأموات حاجزاً یمنع الاتّصال فیما بینهم، وعلى هذا فیستحیل الاتصال بینهم لا ذاتاً ولا صفاتاً، واللهُ سبحانه یقول: (ومِنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى یومِ یُبعَثونَ)(۱).
الجواب:  إنّ الحیاه بمعناها الحقیقی مجهوله الکنه سواء أکانت دنیویه أم برزخیه ولا یعلم حقیقتها إلاّ خالقها، لکن ذلک لا یمنع فی التعرّف علیها بشیء من آثارها: الإدراک والشعور فی نوع الحیوان، والتفکّر والتعقّل فی نوع آخر کالإنسان، فالحیاه بلا شعور ودرک نفی لواقع الحیاه.
على أنّه سبحانه بیّن بعض آثار الحیاه البرزخیه فی الآیات النازله فی الشهداء، قال سبحانه:  (بَلْ أحیاءٌ عنَد ربِّهمْ یُرزقَونَ * فَرِحین بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضلِه ویستَبشِرونَ بالَّذینَ لَمْ یلحقُوا بِهمْ مِنْ خَلفِهِمْ ألاّ خوفٌ عَلیهِمْ ولا همْ یَحزَنُونَ) (آل عمران/۱۶۹،۱۷۰)
والإمعان فیما سبق من الروایات حول الحیاه البرزخیه یرفع الحجاب عن آثارها وظواهرها.
ومع هذا التضافر والتنصیص فما معنى هذا التجاهل؟!
وأمّا البرزخ فهو بمعنى الحاجز، وکونه حاجزاً لا یعنی انقطاع الصله بین أهل الدنیا وأهل البرزخ، بل یکون مانعاً من رجوع الناس إلى حیاه الدنیا، لأنّ الحیاتین قد قدّرتا على شکل خاص لا یختلط أحدهما بالآخر، فإنّ الحیاه المادیه القائمه على الکون والفساد والفعل والإنفعال تختلف عن الحیاه البرزخیه المبراه عن هذه الآثار، فبین الحیاتین حاجز یمنع عن اختلاط إحداهما بالأُخرى، لا أنّ بینهما ستاراً حدیدیاً یمنع عن اللقاء أو عن السماع.
ویعرب عن صحه ما ذکرناه أنّ قوله سبحانه: (ومِنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى یوم یُبعثونَ) جاء جواباً لتمنّی الکافر وسؤاله الرجوع إلى الدنیا حیث یقول: (ربِّ ارجعونِ لَعلِّی أعمل صالحاً فِیما ترکتُ) فردّ السؤال بقوله: (کلاّ إنّها کلمهٌ هو قائِلُها ومنْ ورائِهمْ بَرزخٌ إلى یومِ یُبعَثونَ)(المؤمنون/۹۹،۱۰۰).
ولو صحّ ما ذکره فما معنى تکلم النبی صالح وشعیب مع قومهما؟! وما معنى تکلّم النبّی الأکرم) صلى الله علیه وآله) لیله المعراج مع الأنبیاء؟! وما معنى تمنّی حبیب النجار بعد موته بقوله: (یالیتَ قَومی یَعلَمونَ)؟!
الشبهه الثانیه:
إنّ الله سبحانه یقول:  (وأن لیسَ للإنسانِ إلاّ ما سَعَى) (النجم/۳۹( فالآیه تحصر الإنتفاع فی العمل الذی سعى فیه الإنسان قبل موته، ومعه کیف ینتفع بعمل الغیر الذی لم یسع فیه؟
والجواب على هذه الشبهه من وجوه متعدده، ولکنّنا نذکر قبل الجواب ما یفید القارىء فی المقام، وهو: أنّه لو کان ظاهر الآیه هو ما یرومه المستدل وهو: أنّ الغیر لا ینتفع بعمل الغیر ما لم یکن قد تسبب إلیه فی الحیاه، لعارَض هذا ظاهر الآیات الأُخر والروایات المتضافره فی ذلک المجال، إذ لو کان کذلک فما معنى استغفار المؤمنین لإخوانهم الذین سبقوهم بالإیمان؟ وما معنى استغفار حمله العرش ومن حوله لأهل الإیمان؟ وما معنى هذه الروایات الوارده فی مجالات مختلفه، الداله على انتفاع المیت بعمل الغیر؟
کل ذلک یعرب عن أن للآیه مفاداً آخر وهو غیر ما یرومه المستدل، وإلیک تفسیر الآیه بالإمعان فیها، وذلک بوجوه:
الوجه الأول: إنّ سیاق الآیات المحیطه بهذه الآیه سیاق ذمّ وتندید، وسیاق إنذار وتهدید، فإنّ الله سبحانه یبدأ کلامه العزیز بقوله:  (أفرأیت الذی تَولّى * وأعْطى قَلیلا وأکدى * أعِندَهُ عِلمُ الغَیبِ فَهوَ یَرى * أمْ لَمْ یُنَبَّأْ بِما فی صُحُفِ مُوسى * وإبراهیمَ الَّذِی وَفّى * ألاّ تَزِرُ وازِرهٌ وِزرَ أُخرى * وأنْ لَیسَ للإنسانِ إلاّ ماسَعى * وأنَّ سَعیَهُ سَوفَ یُرى * ثُمَّ یُجْزاهُ الجزاءَ الأوْفى * وأنَّ إلى رَبِّکَ المُنتهى) (النجم/۳۳-۴۲(.
فإنّک ترى أنّ الآیات الحاضره مثل سبیکه واحده صیغت لغرض الإنذار والتهدید، خصوصاً قوله:  (وأنْ لیسَ للإنسان إلاّ ماسَعى) فإنّ هذه الآیه وقعت بین آیتین صریحتین فی التهدید المتقدمه قوله : (ألاّ تَزرُ وازرهٌ وِزرَ أُخرى(والمتأخّره قوله :(وأَنّ سعیهُ سوفَ یُرى) ثم قوله:  (وأنّ إلى ربِّکَ المُنتهى).
فانّ کلّ ذلک یعطی أنّ موضوع هذه الآیه والآیات السابقه واللاحقه هو العقاب لا الثواب، والسیئه لا الحسنه، فالآیه تصرّح بأنّ کل إنسان یحمل وزر نفسه ویعاقب بالعمل السیّئ الذی سعى فیه، وأمّا العمل السیّئ الذی اقترفه الغیر ولم یکن للإنسان سعی فیه فلا یؤخذ به ولا یعاقب علیه.
وعلى ذلک فاللام فی قوله: «للإنسان» لیس للإنتفاع بل اللام لبیان الإستحقاق، وهو أحد معانیها(۲) مثل قوله:  (وَیلٌ لِلمُطفّفینَ) وقوله: (لَهُمْ فی الدُّنیا خِزیٌ ولَهمْ فی الآخرهِ عذابٌ عَظیمٌ) (البقره/۱۱۴ وقوله (صلى الله علیه وآله):  (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
وعلى ذلک فالموضوع الذی ترکّز علیه الآیات هو العقاب لا الثواب، ولهذا تکون الآیه خارجه عن مصبّ البحث، وهذا ظاهر لمن أمعن النظر.
الوجه الثانی: لو فرضنا أنّ محور البحث فی هذه الآیات هو الأعم من الثواب والعقاب، وأنّ اللاّم فی الآیه للإنتفاف ولکن الآیه مع ذلک لا تنفی انتفاع الإنسان بعمل غیره إذا کان للإنسان المنتفع سعی فیه ولو بإیجاد أرضیه صالحه للإنتفاع به فی ذاته، فی قبال من لا توجد فی نفسه وذاته مثل هذه الأرضیه والإستعداد والقابلیه والمقتضى.
فمثلا الإنسان ینتفع بشفاعه النبّی الأکرم (صلى الله علیه وآله) یوم القیامه باتفاق جمیع المسلمین حتى الوهابیین، ولکن انتفاعه هذا ناشىء من أنّه سعى لهذا الإنتفاع حیث دخل فی حظیره الإیمان بالله وآیاته.
وکذلک الأمر فی استغفار المؤمنین للمؤمن بعد موته، وکذا الأعمال الصالحه التی یهدى ثوابها إلى أحد وتکون على وجه یرتبط بسعیه فی الدخول فی زمره المؤمنین.
ولذلک لو کان مشرکاً أو ممّن تحبط أعماله، لا یصل إلیه ذلک الثواب ولا ینتفع بعمل الغیر.
وقد تفطّن لهذا الجواب بعض أئمه أهل السنّه.
قال أبو الوفاء بن عقیل: إنّ الإنسان بسعیه وحسن معاشرته اکتسب الأصدقاء وأولد الأولاد وتزوّج وأسدى الخیر وتودّد للناس، فنشأ عن ذلک أنّهم ترحّموا علیه وأهدوا له العبادات، وقد کان ذلک من آثار سعیه کما قال (صلى الله علیه وآله): (إنّ أطیب ما أکل الرجل من کسبه) ویدل على ذلک الحدیث الآخر: (وإذا مات العبد انقطع عمله إلاّ من ثلاث ..).
وقال الشیخ الفقی: (هذا جواب یحتاج إلى إتمام، فإنّ العبد بإیمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى فی انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنین مع عمله، کما ینتفع بعملهم فی الحیاه مع عمله، فإنّ المؤمنین ینتفع بعضهم بعمل بعض فی الأعمال التی یشترکون فیها، کالصلاه فی جماعه، فإنّ کلّ واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبع وعشرین ضعفاً لمشارکه غیره له فی الصلاه، فعمل غیره کان سبباً لزیاده أجره، کما أنّ عمله کان سبباً لزیاده أجر الآخر.
أضف إلى ذلک أنّ القرآن لم ینف انتفاع الرجل بسعی غیره، وإنّما نفى ملکه لغیر سعیه، وبین الأمرین فرق کبیر، فأخبر تعالى أنّه لا یملک إلاّ سعیه، فإن شاء أن یبدله لغیره، وإن شاء أن یبقیه لنفسه، فهو سبحانه لم یقل لا ینتفع إلاّ بما سعى(۳).
الوجه الثالث:  إنّ الآیه بصدد بیان أنّ عمل کل إنسان راجع إلیه دون غیره، وأین هذا من عدم انتفاع الإنسان بعمل الغیر؟ فإنّه غیر داخل فی منطوق الآیه ولا فی مفهومها، ولا الآیه ناظره إلى نفیه.

 
 

 
 

 

 

 

 
 

 

 
 

 

 
 

 

 

 

وإن شئت قلت: إنّ الآیه بصدد بیان أنّ کلّ إنسان رهن عمله، فإن عمل شراً فلا یتحمّله غیره )ولا تَزرُ وازرهٌ وِزرَ أُخرى)، وإن عمل خیراً فیسعد به ویرى عمله وسعیه فــالناس مجزیّون بأعمالهم إن خیراً فخیر وإن شراً فشر و (مَنْ عَملَ صالحاً فلنفسِهِ ومَنْ أساءَ فَعَلَیها)(الجاثیه/۱۵(، )فَمَنْ یَعملْ مِثقالَ ذرَّه خیراً یَرهُ * ومَن یعمَلْ مِثقالَ ذرَّه شرّاً یَرَهُ)(الزلزله/۷-۸)، وهذه هی الضابطه الأصلیه فی حیاه الإنسان عاجلا وآجلا، ولیس لأحد رفضها والإعتماد على غیرها، ولکنّه لا ینافی جواز أن یهدی العامل ثواب عمله إلى غیره ویسعد الغیر به فهو خارج عن مفاد الآیه إیجاباً وسلباً.

وهذا مثل قول الوالد لولده: إنّما تنتفع بتجارتک وسعیک، وإنّ سعی کلّ إنسان له نفسه لا للغیر، وهذا لا ینافی أن ینتفع هذا الولد بعمل غیره إذا أهدى إلیه ذلک الغیر شیئاً من الطعام والفواکه والألبسه بنیات مختلفه، فلیس للولد حینئذ أن یعترض على والده ویقول: إنّک قلت إنّک تنتفع بسعیک مع أنّنی انتفعت بسعی الغیر، إذ للوالد أن یقول: إنّ کلامی فی نفس العمل الصادر منک ومن غیرک، فکلّ یملک عمل نفسه ولا یتجاوزه، ولکن کلامی هذا لیس ناظر إلى ما لو وهب أحد حصیله سعیه إلیک بطیبه نفسه.
وکیف یمکن أن نقول بما یقوله هذا الوهابی ونظراؤه وقد تضافرت الآیات والأحادیث ـ کما مر علیک بعضها ـ بانتفاع الإنسان بعمل الغیر فی ظروف معیّنه، وتحت شرائط خاصه وإن لم یکن له أدنى سعی فیها.
هذه الآیه تشیر إلى نکته وهی: أنّه یجب على الإنسان الاعتماد على السعی والعمل لا على الحسب والنسب، وإلاّ یکون المسلم مثل الیهود الذین کانوا یتمنّون تمنّی الحمقى إذ کانوا یعتمدون على صلتهم وانتمائهم إلى الأنبیاء بقولهم: (نَحنُ أبناءُ اللهِ وأحبّاؤهُ) (المائده/۱۸) أو قولهم: (لَنْ تَمسَّنا النّار إلاّ أیّاماً مَعدودَه) (البقره/۸۰).
نعم، هذه ـ کما قلنا ـ لیست ضابطه أصلیه فی سعاده الإنسان فی دنیاه وأُخراه، ولیس له أن یعتمد علیها ویتخّذها سنداً، وإن کان أمراً صحیحاً فی نفسه، ولیس کل أمر صحیح یصح أن یعتمد علیه الإنسان ویعیش علیه کشفاعات الأنبیاء والأولیاء، فلا یجوز ترک العمل بحجه أنّهم یشفعون.
الشبهه الثالثه:
امتناع إسماع الموتى، دلّت بعض الآیات على إمتناع إسماع الموتى کقوله سبحانه: (فإنَّکَ لا تُسمِعُ المَوتى ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوْا مُدبِرینَ) (الروم/۵۲).
وقوله: (وما یَستوی الأحیاءُ ولا الأمواتُ إنَّ اللهَ یُسمِعُ مَنْ یَشاءُ وما أنتَ بِمُسمِع مَنْ فی القُبورِ) (فاطر/۲۲(.
ولکن الإجابه واضحه بوجهین:
الأول:  إنّ هاتین الآیتین ناظرتان إلى الأجساد الموجوده فی القبور، فإنّها هی التی لا تسمع ولا تعی، والاتصال لا یکون بیننا وبین هذه الأجساد، بل یتحقق بیننا وبین الأرواح الطاهره والنفوس الزکیه الباقیه الخالده، وإن تبعثر الجسد وتناثرت أجزاؤه فالأرواح هی التی یُسلّم ویُصلّى علیها وهی التی تسمع وترد.
وأمّا الحضور عند المراقد التی تضمّ الأجساد والأبدان فلأجل أنّه یبعث على التوجّه إلى صاحب تلک الأجساد ویکون أدعى إلى تذکّر خصاله وصفاته، وإلاّ فإنّ الارتباط بهم والسلام علیهم یمکن حتى ولو من مکان ناء وبلد بعید، کما تصرح بعض أحادیث الصلاه على رسول الله (صلى الله علیه وآله).
الثانی: إنّ المراد نفی الإنتفاف وإنّ نفی السماع کنایه عنه، بمعنى أنّ هؤلاء یسمعون منک فی الواقع ولکنّهم لا ینتفعون من قولک، کما أنّ أهل القبور یسمعون ولکنّهم لا ینتفعون به لفوات أوان السماع والعمل.
أو المراد نفی سماع القبول والإستفاده لا نفی أصل السماع(۴).
انّ القرآن یفسّر بعضه بعضاً، والسنّه الشریفه تزیل الإبهامات الطارئه على آیات الکتاب العزیز الذی نزل من عند الله الحکیم العلیم.
قال ابن القیم: أما قوله تعالى: (وما أنتَ بِمُسمِع مَنْ فِی القُبور) فسیاق الآیه یدل على المراد منها أنّ الکافر المیت القلب، لا تقدر على إسماعه إسماعاً ینتفع به، کما أنّ من فی القبور لا تقدر على إسماعه
إسماعاً ینتفعون به، ولم یرد سبحانه أنّ أصحاب القبور لا یسمعون شیئاً البته، کیف وقد أخبر النبی (صلى الله علیه وآله) أنّهم یسمعون خفق نعال المشیّعین، وأخبر أنّ قتلى بدر سمعوا کلامه وخطابه، وشرع السلام علیهم بصیغه الخطاب للحاضر الذی یسمف وأخبر أنّ من سلّم على أخیه المؤمن ردّ علیه السلام.
وقال أیضاً: هذه الآیه نظیر قوله: ( إنَّکَ لا تُسْمِعُ المَوتى ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدبِرینَ) وقد یقال: نفی إسماع الصم، مع نفی إسماع الموتى، یدل على أنّ المراد عدم أهلیه کل منهما للسماف وأنّ قلوب هؤلاء لما کانت میته صماً، کان إسماعها ممتنعاً وبمنزله خطاب المیت والأصم، وهذا حقّ، ولکن لا ینفی إسماع الأرواح بعد الموت، إسماع توبیخ وتقریع بواسطه تعلّقها بالأبدان فی وقت مّا، فهذا غیر الإسماع المنفی(۵).
الشهبه الرابعه:
دلّت السنّه على أنّ الإنسان ینقطع عملُه بعد موتهِ إلاّ عن أُمور ثلاثه: إذ یقول (صلى الله علیه وآله):
(إذا ماتَ الإنسان انقطع عملُه إلاّ من ثلاث: صدقه جاریه، أو علم یُنتفع به، أو ولد صالح یدعو له» ولیس عمل الغیر أحد هذهِ الأمور الثلاثه، فلا ینتفع به.
یلاحظ علیه:   
إن الحدیث یدل على أنّ عمل الإنسان ینقطع بموته إلاّ عن ثلاثه، ولا یدل على أنه لا ینتفع بشیء من غیر هذه الثلاثه، وکم فرق بین القول بالانقطاع وعدم الانتفاع فإن الأوّل ناظر إلى الأعمال التی یقوم بها الإنسان فی حال حیاته، فإنها تنقطع بالموت بالضروره إلاّ ما کان له وجود استمراری کالأمور الثلاثه، وأما الثانی فهو تعبیر أعمّ مّما یقوم به الإنسان بنفسه، أو یقوم به الغیر، فلا ینفی الحدیث انتفاع الإنسان بعمل قام به الغیر وأهدى ثوابَه إلیه.
بعباره أُخرى: الموضوع فی الحدیث هو الأعمال التی للإنسان فیها دور مباشر، أو تسبیباً کالولد، وأَمّا الأعمال الخارجه عن هذا الإطار، التی لیست للإنسان فیها أیه مدخلیه إلاّ بایجاد الأرضیه الصالحه فهی خارجه عن موضوع الحدیث.
الشبهه الخامسه:
الحواله إنما تکون بحق لازم، وهی تتحقق فی حواله المخلوق على المخلوق، وإما حواله المخلوق على الخالق فأمر آخر، لا یصح قیاسه على حواله العبید بعضهم على بعض.
الجواب:  إن هذا الموقف وهذا الکلام اجتهاد فی مقابل النص، فقد تضافرت الأدله على أنّ المیت ینتفع بعمل الحی، وقد عرفت نصوصه کتاباً وسنه، وبعد هذا فما معنى هذا الاستدلال؟
أضف إلیه أنه لیس هناک حواله مخلوق على الخالق، وإنما هو امتثال لأمره سبحانه بأن نستغفر للمؤمنین ونصوم ونصلی عنهم ونحجّ وننحر عنهم، وإنا لو فعلنا ذلک لانتفع الأموات، ونحن نقوم بذلک حَسب أمر النبی، ولیس هناک حواله مخلوق على الله.
هَبْ أنّ الثواب على العمل تفضلی لا استحقاقی وله سبحانه أن لا یعطی شیئاً للعامل، ولکنه سبحانه تفضّل وجعل ثواباً على العّمل ثم رخص فی أن یؤتى العمل بنیه المیت ومن جانبه وإنه سیصل إلیه الثواب، بل وتبرأ ذمته، فلا یصح لنا اللجاج والعناد فی مقابل النصوص تعصباً للمنهج.
الشهبه السادسه:
إنّ العبادات على قسمین: قسم یمکن فیه النیابه کالصدقه والحج، وقسم لا یمکن فیه النیابه کالإسلام والصلاه وقراءه القرآن والصیام، فهذا النوع یختصّ ثوابه بفاعله لا یتعداه ولا ینتقل عنه لغیره.
والجواب:  إن هذا أیضاً اجتهاد فی مقابل النص، فما الدّلیل على هذه التفرقه وقد شرّع النبی الصومَ عن المیتِ مع أَنّ الصوم لا تدخله النیابه، والله الذی وعد الثواب للحج والصدقه والعتق یتفضّل بایصال ثوابَ الصیام والصلاه والقراءه وغیرها مما یصح أن یفعله الغیر تبرعاً إلى المیت.
وماذا تقولون فی قوله (صلى الله علیه وآله(: (من مات وعلیه صیام صام عنه أبیه( وهو حدیث صحیح.
وقال البیهقی: قد ثبت جواز القضاء عن المیت بروایه سعید بن جبیر، ومجاهد، وعطاء، وعکرمه، عن ابن عباس، وفی روایه بعضهم: (صومی عن أُمّک).
وقد روى أبو بکر بن أبی شیبه عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبی فقال: یا رسول الله إنّ أُمّی ماتت، وعلیها صیام شهر أفَأَقْضِی عنها؟ فقال النبی (صلى الله علیه وآله): (لو کان علیها دین أکنتَ قاضیه عنها؟) قال: نعم، قال: (فدین الله أحق أنْ یُقضى).
وأخرج أصحاب السنن، وابن حبان، والحاکم فی المستدرک، والبیهقی فی (الشعب) والإمام أحمد عنه (صلى الله علیه وآله): (یس قلب القرآن ولا یقرأُها رجل یرید الله والدار الآخره إلاّ غفر له واقرأوها عند موتاکم).
وروى البیهقی: أنّ ابن عمر استحب أن یقرأ على القبر بعد الدفن أول سوره البقره وخاتمتها.

 
 

 
 

 

 

 
 
 
  

Leave A Reply

Your email address will not be published.