مفهوم العبادة في الشريعة الإسلامية 05

0

3.المصطلح الشرعي:

اللغة (أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)(4)، وهي مرتبطة بتطور المجتمع وتقدم الحضارة الإنسانية، ومن المعروف ان اللغة العربية كغيرها من اللغات، نشأت لشد حاجة المتكلمين بها، وكانت من أول أمرها مقتصرة على الألفاظ الوصفية التي عبرت عن واقع العربي وبيئته التي كان يعيش فيها، ثم تطورت بتطوره خلال القرون(5)، فاللغة العربية من أوسع اللغات ثروة، وهذا ما بينه العلماء وبخاصة ابن فارس اذ يقول: (لو احتجنا إلى إن نعبر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية، لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرة) (6)؛ ولذا لم يكن لأحد من أبنائها مهما اتسع علمه وآفاقه ان يستوعب حدودها ودقائقها، وان يلمّ بأوضاعها وغرائبها، واستحقت بذلك ان تكون لغة القران. وعليه فان القران يُعدّ حدثُا مهمًا في تاريخ هذه اللغة، فهو قام بتطويرها وتنقيتها لتكون معبرة عن الدين الجديد الراقي، ذلك الدين الذي أراده الله تعالى أن يكون أبديا لجميع الأمم وخاتمًا لكل الأديان قبله، ولذلك فقد حوى القران (مادة لغوية جديدة، ولذلك أدرك العلماء في فترة سابقة من العصر الإسلامي، انه لابد من فهم لغة التنزيل فهمًا جديدًا، لما فيها من أسرار لغوية جديدة) (6) ،وبهذه المزية العظيمة، تكون قد اطلعت المجتمع العربي والإسلامي على نموذج عالٍ لهذه اللغة غير المعهودة من قبل، وكانت السبب الرئيس في إعجاز القران (فالحضارة الجديدة لا بد لها من أدوات لغوية تترجم عنها ترجمة صادقة، ثم أنهم لاحظوا أن الألفاظ تتطور، فتكتسب من المعاني أشباه جديدة لم تكن لها) (7).

  ومن تلك الألفاظ المتطورة لغوياً، الألفاظ الإسلامية عامة ، والشرعية خاصة ، تلك المصطلحات التي عبرت عن مرحلة جديدة ومتميزة من مراحل تطور الحياة بكل ما فيها من أحوال من جهة ، ومن جهة أخرى عبرت عن مراحل تطور اللغة (فكثرة استخدام العام مثلاً في بعض ما يدل عليه ، يزيد مع تقادم العهد عموم معناه ويقصد مدلوله على الحالات التي شاع فيها استعماله … ومن ذلك جميع المفردات التي كانت عامة المدلول ثم شاع استعمالها في الإسلام في معانٍ خاصة ، تتعلق بالعقائد أو الشعائر أو النظم الدينية كالصلاة والحج والصوم والإيمان والكفر والركوع والسجود … وغيرها) (1) ، وبما أن القرآن امتلك ثورة لغوية هائلة ، فهذه المصطلحات التي حواها ، قد اكتسبت معاني جديدة، وأن اكتسابها لهذه المعاني ، جعل طائفة منها تدخل فيما سُمي : المصطلح العلمي(2) ، وبضمنه المصطلحات الشرعية التي اتسمت بمعنى جديد وبطابع خاص تفرد القرآن بمعانيها الجديدة ، ثم اتبعه الحديث النبوي الذي قام بتوضيحها ، والاستزادة منها ، ولذلك فقد (وجد فيها العلماء مادة غريبة، ينبغي أن تخص بالتأليف، فصنفت في ذلك الكتب والرسائل ، ويتألف من مجموع هذا، مادة تطلق عليها : الألفاظ الإسلامية) (3) ، وهذا الحدث اللغوي الكبير (يشرح لنا السر في نمو اللغة من حيث متنها وأساليبها ويعزو ذلك إلى سلوك الإنسان مسلك التقدم والرقي في جميع مقومات حياته الخاصة، وظروفه الاجتماعية ، والى حاجته الماسة إلى تنمية لغته لتساير حياته ، ولتسعفه حين يريد التعبير عن أفكاره ورغباته المتزايدة) (4) ، وما دام الأمر بهذه الأهمية ، فلا بد من الوقوف عند هذه المصطلحات الشرعية والتعمق فيها ودراستها دراسة مفصلة مبنية على أساس لغوي وديني نظراً لأهميتها في حياة الإنسان ، وكذلك بيان اختلاف العلماء فيها ، ذلك أننا وجدنا الكثير من العلماء اختلفوا فيها من حيث المعنى الجديد الذي ألبسه القرآن الكريم لها من جهة ، والحديث النبوي من جهة أخرى على أساس أنها تمثل فيه الجانب التعبدي وسأبدأ أولاً ببيان دلالة (المصطلح) اللغوية والاصطلاحية ، قبل الخوض في تفصيلات هذا الموضوع .

  قال ابن منظور : (الصلاح ضد الفساد، صلَح يصلّح ويصلُح صلاحاً وصلوحاً، والإصلاح : نقيض الإفساد، … والاستصلاح نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده : أقامه، والصُلح : تصالحُ القوم بينهم ) (5).

  وقولهم : اصطلح القوم على الأمر: تعارفوا عليه واتفقوا ، والاصطلاح : مصدر اصطلح وهو اتفاق طائفة على شيء مخصوص(6).

  أما معناه اصطلاحاً فهو: (لفظ اتفق العلماء على اتخاذه للتعبير عن معنى من المعاني العلمية)(7)،

 وقال الجرجاني: (الاصطلاح: عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه     الأول) ([4]) ، وقيل إنه : (العرف الخاص، وهو اتفاق طائف مخصوصة على وضع شيء) ([5]) ، ونرى أن بعض المعاصرين قد وضعوا شروطاً للمصطلح، ليأخذ معناه العلمي الأصيل وهي ([6]) :

اتفاق العلماء للدلالة على معنى من المعاني العلمية . اختلاف دلالته الجديدة عن دلالته اللغوية الأولى . وجود مناسبة أو مشاركة أو مشابهة بين مدلوله الجديد ، ومدلوله اللغوي . الاكتفاء بلفظة واحدة للدلالة على معنى علمي واحد .

وإذا ما أردنا أن نقيس هذه الشروط ، لوجدناها تتلاءم أشد ملائمة مع ما وضع للمصطلح الشرعي ، وعلى نحو ما سنبين لاحقاً ، إذن ففحوى المصطلح ان يكون معبراً عن معنى جديد يدل على حقيقة مقصودة أرادها واضع المصطلح ، مع عدم إهمال المعنى اللغوي الأول الذي أشتق منه ذلك المعنى الحديث، وإنما لابد أن يكون بينهما ترابط ، ليجعل الفرد يوازن ما بين المعنى اللغوي والمعنى الجديد ، وصولاً إلى المراد من تشريع المصطلح ، وفهم غاياته ومداركه، يزاد على ذلك ضرورة التمسك بلفظة واحدة فقط للدلالة على المعنى الإسلامي أو الشرعي أو أي معنى آخر ، فلا يمكن أن يشترك مصطلحان للدلالة على معنى واحد ، لأن ذلك سيحدث فوضى في المصطلحات ، ومن ثم سيؤدي إلى تشتيت الذهن وابتعاده عن المعنى المراد.

إذا ما عرفنا معنى المصطلح لغةً واصطلاحاً ، نأتي الآن لمعرفة معنى الشرع على أساس أن هذه المصطلحات سميت بالشرعية .

يقال : شرَع الوارد ويشرعُ شَرْعاً وشُروعاً : تناول الماء بعينه ، والشريعة والشراع والمشرعة : المواضع التي ينحدر إلى الماء فيها ، والشرعة والشريعة في كلام العرب : نشرعة الماء ، وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويسقون ([7]) ، قال : الراغب : (الشَرْع : نهج الطريق الواضح، يقال : شرَعْتُ له طريقاً ، والشرعُ مصدر ثم جُعِلَ اسماً للطريق النهج فقيل له شِرْعٌ وشريعةٌ ، واستعير ذلك للطريقة الإلهية) ([8]) ، ومن أجل ذلك سميت الرسالة الإسلامية (شريعة تشبيهاً بشريعة الماء، من حيث أن من شَرَع فيها على الحقيقة المصدوقة ، روي وتظهر) ([9]) ، وبعضهم ذكر أن الشرع : (ما شرّع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم، سواء كانت متعلقة بكيفية عمل وتسمى فرعية وعملية ، ودوّن لها علم الفقه ، أو بكيفية الاعتقاد ، وتسمى أصلية واعتقادية ودوّن لها علم الكلام ، ويسمى الشرع أيضاً بالدين والملة) ([10]) ، وعليه فإن المصطلحات الشرعية هي تلك الأحكام المتلقاة من الشرع ، والتي وضع أسسها القرآن الكريم، وزاد عليها ووصفها نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)  ، وهي مصطلحات عامة تشمل جميع أمور الدين([11])، وهي عبارة عن ألفاظ جرت في عرف الشارع على أنحاء لم تعهده في اللغة المحضة ، كالصلاة والصيام وغيرها ([12]).

والملاحظ أن العلماء فصّلوا في توضيح المراد من هذه المصطلحات ، وكان كلامهم في ذلك نابعاً من الخوض في ثنايا الكلام عن أقسام الحقيقة والمجاز على أساس أنهما من مظاهر تعدد المعنى مع اتحاد اللفظ ، ذلك أن للاستعمال الأثر الكبير في تغيير معنى اللفظ ([13]

(4) ينظر: الجمهرة: 3/ 107.

(5) ينظر: المفردات: 529- 530.

(6) التعريفات: 39.

(7) الفروق اللغوية: 182.

(1) كشاف اصطلاحات الفنون: 2/ 914- 915.

(2) أيها الولد: 68.

(3) مواهب الرحمن في تفسير القران: 1/ 34.

(4) فقه الأخلاق: 1/ 29.

(5) نفسه: 1/ 29.

(6) نفسه : 1/34 .

(١) ينظر: اللسان: (نسك).

(٢) العين: 5/ 314 (نسك)، ينظر: الصحاح (نسك).

(٣) ينظر: الدراسات الفقهية: 560.

(4) ينظر: تفسير الجلالين: 38، الدراسات الفقهية : 560 .

(5) الكشاف : 2/64، وينظر: التبيان : 4/235 ، كنز العرفان : 1/227 .

([1])  التبيان: 4/ 335.

([2])  ينظر: التبيان: 7/ 299، الدراسات الفقهية: 559.

([3])  ينظر: المصدران انفسهما.

(4) الألفاظ الإسلامية وتطور دلالتها: 24.

(5) ينظر: المفردات: 802، تفسير الجلالين: 200.

(6) الدراسات الفقهية: 560.

(1) سنن البيهقي الكبرى : 3/125 .

(2) ينظر: كنز العرفان: 1/ 227.

(3) صحيح البخاري: 1/12 .

(4) الخصائص: 1/ 33.

(5) ينظر: بحوث مصطلحية: 124.

(6) الصحابي: 40.

(6) التطور اللغوي التأريخي: 43.

(7) نفسه: 45.

(1) التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن : 53.

(2) ينظر: التطور اللغوي التاريخي :  44.

(3) نفسه : 44

(4) المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي : 122 .

(5) اللسان (صلح).

(6) ينظر: المعجم الوسيط (صلح).

(7) المصطلحات العلمية : 3.

Leave A Reply

Your email address will not be published.