قافله آل الرسول تصل الکوفه

0

قال : الساعه أتوا برأس خارجی خرج على یزید بن معاویه .

فقلت : من هذا الخارجی ؟
قال : الحسین بن علی !
فترکت الخادم حتى خرج ، ولطمت على وجهی ، حتى خشیت على عینی أن تذهبا ، وغسلت یدی من الجص ، وخرجت من ظهر القصر ، وأتیت إلى الکناس (۲) فبینا أنا واقف ، والناس یتوقعون وصول السبایا والرؤوس إذ أقبلت نحو أربعین شقه ، تحمل على أربعین جملاً (۳) ، فیها الحرم والنساء وأولاد فاطمه .
وإذا بعلی بن الحسین على بعیر بغیر وطاء (۴) ، وأوداجه تشخب دماً ، وهو مع ذلک یبکی ویقول :
یا أمه السوء لا سقیاً لربعکم      یـا أمه لـم تراع جدنـا فینا
إلى آخر الأبیات .
وصار أهل الکوفه یناولون الأطفال الذین على المحامل بعض التمر والخبز والجوز ، فصاحت بهم أم کلثوم : یا أهل الکوفه ! إن الصدقه علینا حرام !
وصارت تأخذ ذلک من أیدی الأطفال وأفواههم ، وترمی به إلى الأرض .
کل ذلک والناس یبکون على ما أصابهم ! !
ثم إن أم کلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت : (صه یا أهل الکوفه ! تقتلنا رجالکم ، وتبکینا نساؤکم ؟ فالحاکم بیننا وبینکم الله ، یوم فصل القضاء) .
فبینما هی تخاطبهن ، وإذا بضجه قد ارتفعت، وإذا هم قد أتوا بالرؤوس ، یقدمهم رأس الحسین (علیه السلام) وهو رأس زهری ، قمری (۵)، أشبه الخلق برسول الله (صلى الله علیه وآله) ولحیته کسواد السبج (۶) ـ قد انتصل منها الخضاب (۷)، ووجهه داره قمر طالع (۸) ـ والریح تلعب بها یمیناً وشمالاً ، فالتفتت زینب ، فرأت رأس أخیها ، فنطحت جبینها بمقدم المحمل ، حتى رأینا الدم یخرج من تحت قناعها ، وأومأت إلیه بخرقه ، وجعلت تقول :
یـا هـلالاً لمـا استتـم کمالاً         غالـه خسفه فأبـدى غروبا
ما توهمت یـا شقیق فـؤادی        کـان هذا مقـدراً مکتوبـاً
یا أخی ! فاطم الصغیره کلمها      فقـد کـاد قلبهـا أن یذوبا
  إلى آخر الأبیات (۹).
وجاء فی التاریخ : أن قافله آل الرسول لما اقتربت من الکوفه ، إجتمع أهلها للنظر إلیهن ، فأشرفت إمرأه من الکوفیات ـ من سطح دارها ـ وقالت : من أی الأسارى أنتن ؟
قلن : نحن أسارى آل محمد !
فنزلت من سطحها وجمعت ملاءاً وأزراً ومقانع ، فاعطتهن فتغطین . (۱۰)
تعتبر خطبه السیده زینب ـ فی الکوفه وفی مجلس یزید فی الشام ـ فی ذروه الفصاحه ، وقمه البلاغه ، وآیهً فی قوه البیان ، ومعجزه فی قوه القلب والأعصاب ، وعدم الوهن والانکسار أمام طاغیه بنی أمیه ومن کان یحیط به من الحرس المسلحین ، والجلاوزه والجلادین الذین کانوا على أهبه الإستعداد ینتظرون الأوامر کی ینفذوها بأسرع ما یمکن من الوقت .
وهنا سؤال قد یتبادر إلى الذهن وهو :
إن السیده زینب کانت سیده المحجبات المخدرات ، ولم یسبق لها أن خطبت فی مجلس رجال أو معجم عام ، ولیس من السهل علیها أن ترفع صوتها وتخطب فی تلک الأجتماعات ، فلماذا قامت السیده بإلقاء الخطب على مسامع الجماهیر مع تواجد الإمام زین العابدین (علیه السلام) ؟
ومع العلم أن الإمام زین العابدین کان أقوى وأقدر منها على فنون الخطابه ، وأولى من التحدث فی جموع الرجال ؟
لعل الجواب هو : أن الضروره أو الحکمه إقتضت أن یسکت الإمام زین العابدین طیله هذه المسیره کی لا یجلب إنتباه الناس إلى قدرته على الکلام ، وحتى یستطیع أن یصب جام غضبه کله على یزید ، فی الجامع الأموی ، بمرأى ومسمع من آلاف المصلین الذین حضروا یومذاک لأداء صلاه الجمعه خلف یزید .
فلو کان الإمام زین العابدین (علیه السلام) یخطب فی أثناء هذه الرحله . . فی الکوفه وغیرها ، فلعله لم وین یکن یسمح له بالخطابه فی أی مکان آخر ، فکانت تفوته الفرصه الثمینه القیمه ، وهی فرصه التحدث فی تلک الجماهیر المتجمهره فی الجامع الأموی ، علماً بأنه لم یبق من آل الرسول فی تلک العائله رجل سوى الإمام زین العابدین .
ولهذا السبب کانت السیده زینب تتولى الخطابه فی المواطن والأماکن التی تراها مناسبه .
ولیس معنى ذلک أنها فتحت الطریق أمام النساء لیخطبن فی جموع الرجال ، أو المجتمعات العامه کالأسواق والساحات وغیرها ، بل إن الضروری القصوى کانت وراء خطبتها علیها السلام .
هذا أولاً .
ثانیاً : لقد کانت حیاه الإمام زین العابدین (علیه السلام) مهدده بالخطر طوال هذه الرحله ـ وخاصه فی الکوفه ـ فکم من مره حکموا على الإمام بالقتل والإعدام ، لولا أن دفع الله تعالى عنه شرهم ؟ !
فما ظنک لو کان الإمام (علیه السلام) یخطب فی شارع الکوفه أو فی مجلس الدعی بن الدعی عبید الله بن زیاد ، والحال هذه ؟ !
هل کان یسلم من القتل ؟
طبعاً : لا .
إنهم أرادوا أن یقتلوه وهو ـ بعد ـ لم یخطب شیئاً ، فکیف لو کان یخطب فی الناس ویکشف لهم عن مساوئ بنی أمیه ومخازیهم ، ویبین لهم أبعاد ومضاعفات جریمه مقتل الإمام الحسین (علیه السلام) وأصحابه وأهل بیته ؟ ؟ !

نص خطبه السیده زینب فی الکوفه

والآن . . نذکر نص الخطبه ، ثم نشرح بعض کلماتها :
قال بشیر بن خزیم الأسدی (۱۱) :
ونظرت إلى زینب بنت علی (علیهم السلام) یومئذ فلم أر خفرهً ـ والله ـ أنطق منها (۱۲) ، کأنها تفرغ عن لسان أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب(علیه السلام) (۱۳) ، وقد أومأت إلى الناس أن اسکتوا .
فارتدت الأنفاس ، وسکنت الأجراس ، ثم قالت :
«الحمد لله والصلاه على أبی : محمد وآله الطیبین الأخیار .
أما بعد :
یا أهل الکوفه ، یا أهل الختل والغدر ! !
أتبکون ؟ فلا رقأت الدمعه ، ولا هدأت الرنه .
إنما مثلکم کمثل التی نقضت غزلها من بعد قوه أنکاثاً ، تتخذون أیمانکم دخلاً بینکم .
ألا وهل فیکم إلا الصلف النطف ؟ والصدر الشنف ؟ وملق الإماء ؟ وغمز الأعداء ؟

 

أو کمرعى على دمنه ؟ أو کفضه على ملحوده ؟

 
ألا ساء ما قدمت لکم أنفسکم أن سخط الله علیکم وفی العذاب أنتم خالدون .
أتبکون ؟ وتنتحبون ؟
إی والله ، فابکوا کثیراً واضحکوا قلیلاً .
فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً .
وأنى ترحضون قتل سلیل خاتم النبوه ؟ ومعدن الرساله ، وسید شباب أهلا الجنه ، وملاذ خیرتکم ، ومفزع نازلتکم ، ومنار حجتکم ، ومدره سنتکم ؟ ؟
ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لکم وسحقاً ، فلقد خاب السعی ، وتبت الأیدی ، وخسرت الصفقه ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت علیکم الذله والمسکنه .
وَیلکم یا أهل الکوفه !
أتدرون أیّ کبدٍ لرسول الله فَرَیتُم ؟!
وأیّ کریمهٍ له أبرزتم ؟!
وأی دم له سفکتم ؟!
وأیّ حرمهٍ له هتکتم ؟!
لقد جئتم بها صَلعاء عَنقاء سَوداء فَقماء ، خَرقاء شَوهاء ، کطِلاع الأرض وملء السماء .
أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخره أخزى ، وأنتم لا تُنصَرون .
فلا یَستَخفّنکم المُهَل ، فإنّه لا یَحفِزُه البِدار ، ولا یَخافُ فَوتَ الثار ، وإنّ ربّکم لبالمرصاد» .(14)
قال الراوی : «فوالله لقد رأیت الناس ـ یومئذ ـ حَیارى یبکون ، وقد وضعوا أیدیهم فی أفواههم . ورأیت شیخاًَ واقفاً إلى جنبی یبکی حتى اخضلت لحیته ، وهو یقول : «بأبی أنتم وأمی ! ! کهولکم خیر الکهول ، وشبابکم خیر الشباب ، ونساؤکم خیر النساء ، ونسلکم خیر نسل لا یخزى ولا یبزى . (۱۵)
ـــــــــــــــــــ
(۱)الزعقات ـ جمع زعقه ـ : الصیحه . الزعق : الصباح ، کما فی کتاب «لسان العرب» لابن منظور ، و«الصحاح» للجوهری .
(۲)الکناس والکناسه : محله بالکوفه . کما فی «معجم البلدان» للحموی .
(۳)شقه : المحمل والهودج .
(۴)وطاء : القماش وشبهه الذی یوضع على ظهر الجمل ، لراحه الراکب .
(۵)زهری : أی مشرق اللون . . رغم إنفصاله عن الجسد . وزهری : تشبیه بنجم «الزهره» المشهوره بالإشراقه والإضاءه الممیزه فی نورها . والتی هی عباره عن اللون الأبیض المشرق المزیج مع لون الورد المحمدی ، أی : اللون الأحمر الفاتح . قمری : أی : أن وجهه مستدیر الشکل . . ولیس مستطیلاً .
 (6)السبج : معرب شبه ـ : وهو حجر أسود ، یضرب به المثل فی شده السواد .
(۷)إنتصل منها الخضاب : أی بدأ اللون الأسود یذهب من أصول الشعر .
(۸)داره قمر طالع : أی مستدیر وجمیل ، کالقمر لیله البدر ، حیث یکون متکامل القرص وشدید الإناره .
(۹)کتاب «المنتخب» للطریحی ، ج ۲ ، ص ۴۶۴ ، المجلس العاشر . وبحار الأنوار للشیخ المجلسی ج ۴۵ ، ص ۱۱۴ ـ ۱۱۵ .
(۱۰)کتاب (بحار الأنوار) ج ۴۵ ، ص ۱۰۸ ، نقلاً عن السید ابن طاووس .
(۱۱)المصادر التی تذکر خطبه السیده زینب فی الکوفه کثیره ، ونحن اعتمدنا على کتاب «الملهوف» للسید ابن طاووس (رضوان الله علیه) .
(۱۲)خفرهً : المرأه الشدیده الحیاء .
(۱۳)تفرغ : تصب ، الإفراغ «الصب ، قال تعالى : «أفرغ علینا صبراً» .
(۱۴)کتاب «الملهوف» للسید ابن طاووس ، المتوفّى سنه ۶۶۴ هـ ، ص ۱۹۲ ـ ۱۹۳ .
(۱۵)کتاب «الملهوف» للسید ابن طاووس ، ص ۱۹۳ ـ ۱۹۴ . وسوف نذکر نص الخطبه على روایه کتاب «الإحتجاج» للشیخ الطبرسی ، وذلک لوجود بعض الفروق وزیاده بعض الإضافات ، ـ بعد الفراغ من شرح هذه الخطبه ـ إن شاء الله تعالى .

Leave A Reply

Your email address will not be published.