السفر إلى الله
فإذا کانت النفس البشریه سقیمه، وإذا کان القلب مریضاً یفتقد إلى الرشد، فإنّه یتیه فیما یظنه أسباب سعادته، ویبالغ فی ورو میاهها الآجنه، فیشرب ثمّ یشرب دون أن یرتوی. جاء فی الحدیث: "لو کان لإبن آدم وادیان من ذهب لتمنى إلیهما ثالثاً ولا یملأ جوف إبن آدم إلا التراب".
أمّا إذا کانت النفس البشریه سلیمه راشده، فإنّها تنتقل من طلب ما لا یغنی إلى ما هو أسمى وأرفع درجه، فتنتقل مثلاً من حب الشهوات إلى حب المال، ومن حب المال إلى حب الفضل وتحصیل الکرامه، ومن ذلک إلى طلب العلم، إلى أن تجد أن لا شیء من ذلک یروی ظمأ النفس ویطفئ هیامها فتشتد بطلبها للمحبوب الأوحد الذی هو سبب کل خیر.
قال الله سبحانه وتعالى فی کتابه الکریم: (وَالَّذِینَ کَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ کَسَرَابٍ بِقِیعَهٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِیعُ الْحِسَابِ * أَوْ کَظُلُمَاتٍ فِی بَحْرٍ لُجِّیٍّ یَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ یَدَهُ لَمْ یَکَدْ یَرَاهَا وَمَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور/ ۳۹-۴۰)، هذه الآیات الکریمه تبین أن أصحاب الأهواء والنفوس السقیمه یتخبطون فی ظلمات الشهوات التی تهطل علیهم (کَصَیِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِیهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ یَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِی آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِیطٌ بِالْکَافِرِینَ * یَکَادُ الْبَرْقُ یَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ کُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِیهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَیْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ) (البقره/ ۱۹-۲۰).
فالشهوات لها عواقب وخیمه وأثار قاتله تظهر آثارها فی الدنیا قبل الآخره ولکنهم یعمون أعینهم عنها ویصمون آذانهم، والله سبحانه محیط بهم.
أمّا أهل البصیره أو أولو الألباب فإنهم سرعان ما ینتقلون إلى طلب ما هو حق وخیر، وتتعلق قلوبهم بالله سبحانه وتعالى: (رِجَالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجَارَهٌ وَلا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاهِ وَإِیتَاءِ الزَّکَاهِ یَخَافُونَ یَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِیهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ) (النور/ ۳۷).
إنّ قراءه متأنیه لواقع المجتمعات والأفراد تبین أن أهل الدنیا تتعلق قلوبهم بما سوى الله من علائق الدنیا، والذین آمنوا لا تتعلق قلوبهم إلا بالله لأنّه علّه الخیر کله. قال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ یَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا یُحِبُّونَهُمْ کَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِینَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ…) (البقره/ ۱۶۵).
فإذا عرف أهل البصیره أنّ الله هو أصل الخیرات وعله المنافع والمرتجى لتحصیل السعاده، ترکوا ما سواه، وهجروا کلّ العلائق الفانیه وشدوا الرحال، وانطلقوا فی رحله السفر إلى الله.
– ما هو السفر إلى الله:
عندما یکتشف الإنسان المتبصر أن کلَّ ما فی هذه الدنیا لا یحقق له المطلوب من السعاده والإطمئنان، ولا یلبی حنینه وهیامه، یبدأ بالبحث عما هو جدیر بقلبه فلا یجد إلا الله سبحانه وتعالى، فکما أن هدف المحب هو الوصول إلى محبوبه والوصال معه، وکما أن هدف العاشق الذوبان فی معشوقه، کذلک تکون الحاله مع العاشقین لله سبحانه، وإذا کان عنوان الحب والعشق هو العطاء والفناء فی المحبوب والمعشوق، فإن أکثر ما تتجلى محبه العاشقین لله فی سوح الجهاد وذلک أنّ المجاهد فی سبیل الله أبعد ما یکون عن النفاق والریاء وکل ما یفسد صفاء القلب، فهو ینتظر لقاءه بمحبوبه فی أیّه لحظه، ولذا فإنک تجد أن حماسه الثوریین المجاهدین لا تبرد إذا غادر ساحات الجهاد، فهم یعودون من ساحات الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأکبر حتى یصلوا إلى الهدف ویصلوا إلى الحبیب… ومتى أثقلت على قلوبهم أعباء الحیاه الدنیا وشعروا أن علائق الدنیا الفانیه بدأت تستأثر بشغافها، وأن حبیبهم بات کأنّه غریب عن وجودهم دخل الهم والحزن إلى تلک القلوب التی لم تکد تنسى طعم حبها الصادق لله فتضرعت فی سرها وما هو أخفى… فإذا برحمه الرحیم قریبه منها وإذا بها تتذکر، فتصرف وجهها عن کل ما خلا الله سبحانه وتعالى، وتهاجر من جدید إلیه، وخیر مکان تعشقه أصول أرواحهم هو ساحات الجهاد حیث تکون قریبه من الآخره وبعیده عن الدنیا… قال تعالى: (إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّیْطَانِ تَذَکَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف/ ۲۰۱).
إنّ الخطوه الأولى فی طریق السفر إلى الله هی معرفه الله، إذ کیف یسافر العباد لطلب محبوبهم إذا کانوا لا یعرفونه، ولا یعرفون الطریق التی توصل إلیه؟ قال إبن میثم البحرانی: "المراد بالمعرفه، المعرفه التامه التی هی غایه العارف فی مراتب السلوک وأولیتها فی العقل لکونها علّه غائیه، وبیّنٌ الترتیب بأنّ المعرفه تزداد بالعباده وتَلقی الأوامر بالقبول، فیستعد السالک أوّلاً بسببها للتصدیق بوجوده یقیناً، ثمّ لتوحیده، ثمّ للإخلاص له، لنفی ما عداه عنه، فیغرق فی تیار بحار العظمه، وکل کمال لما قبلها، إلى أن تتم المعرفه المطلوبه له بحسب ما فی وسعه، وبکمال المعرفه یتم الدین وینتهی السفر إلى الله تعالى".
– عقبات فی الطریق:
والطریق إلى الله رغم أنّه قریب المسافه، کما ورد فی الدعاء "وإنّ الراحل إلیک قریب المسافه" وهذا یعنی أنّ الرحله قد تکون قصیره إذا انکشفت للإنسان آلیات السفر. إلا أنّ هذا الطریق قد یکون محفوفاً بالمزالق والعقبات، لأنّ الشیطان دأبه إعتراض سبیل الإنسان وتثبیطه وردّه، ووسائل الشیطان کثیره وکلها معدوده فی شهوات الحیاه الدنیا الفانیه، وقد جاء فی روایه ضرّار بن حمزه الضبابی وقد سأله معاویه عن أمیر المؤمنین (ع) قال: "لقد رأیته فی بعض مواقفه وقد أرخى اللیل سدوله وهو قائم فی محرابه، قابض على لحیته، یتململ تململ السلیم ویبکی بکاء الحزین ویقول: یا دنیا یا دنیا إلیک عنی، أبی تعرضت أم إلیّ تشوّقت، لا حان حینک، هیهات، غری غیری، لا حاجه لی فیک، قد طلقتک ثلاثاً لا رجعه فیها، فعیشک قصیر، وخطرک یسیر، وأملک حقیر، فآه من قله الزاد وطول الطریق وبعد السفر، وعظیم المورد، یقول ابن میثم البحرانی عند ذکره لهذا الحدیث: وهذا صریح موضح لإثبات ملکه العفه له، وقمع الشهوه بالکلیه".
وبهذا یرسم أمیر المؤمنین (ع) للسالکین إلى الله الطریق الواضح، حتى یتمکنوا من تحریر أنفسهم من إستعمال الشیطان لهذا البدن، ویصلوا إلى الحرِّیه والإنعتاق من عبودیه غیر الله، لیمتلکوا حرِّیه الإستجابه لنداء الروح الباحثه عن الله سبحانه وتعالى من دون عناء.
– ترویض النفس:
إذاً، لإزاحه العقبات من طریق السفر، ینبغی بدایه إزاله علائق النفس الأماره بالسوء من کل عُلقه غیر علقتها بالله، وفی هذا المجال لا یستطیع الإنسان السالک أن یعبر إلى ساحه الأنس بالله سبحانه إلا بمعونه الله والإتکال على تسدیده وحسن توفیقه.
– زاد المسافرین:
یتبیّن من کل ما مر أنّ السفر طویل، وهو بحاجه إلى الزاد، فسواء فی مرحله تعمیر البدن، أو النفس، أو ترویضهما، أو الإنطلاق بهما فی السفر، کل ذلک یحتاج إلى الزاد، فما هو هذا الزاد؟ وما الذی ینبغی على العبد أن یتزود به؟ وما الذی یعین العبد على التزود؟
– ما هو الزاد:
الزاد لغه: طعام المسافر
إصطلاحاً: هو ما یتزود به المسافر إلى الله للصبر على تکالیف الطریق، حتى یلقى الله تعالى وهو حافظ لإسلامه ودینه.
والزّاد للراحل إلى الله هو غذائه الروحی الذی یشتریه عند حضوره قلباً وجسداً فی دور وبیوت العباده.
فنحن نحتاج إلى الغذاء الروحی، والغذاء الروحی هو التقوى، ففی القرآن الکریم (… وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ یَا أُولِی الألْبَابِ) (البقره/ ۱۹۷)، وقد قال الإمام الصادق (ع): "لما أشرف أمیر المؤمنین على القبول قال: یا أهل التربه، یا أهل الغربه، أمّا الدور فقد سکنت وأمّا الأزواج فقد نکحت وأمّا الأموال فقد قسمت لهذا خبر ما عندما فما خبر ما عندکم؟ ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: لو أذن لهم بالکلام لأخبروکم أن خیر الزاد التقوى".
– من أین نحصل على التقوى:
من أین تکتسب التقوى؟
تکتسب التقوى بطرق کثیره، فقد ذکر القرآن الکریم، الکثیر من الآیات التی تهدی العباد إلى تحصیل التقوى، قال تعالى: (لَیْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَکُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَکِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِکَهِ وَالْکِتَابِ وَالنَّبِیِّینَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِی الْقُرْبَى وَالْیَتَامَى وَالْمَسَاکِینَ وَابْنَ السَّبِیلِ وَالسَّائِلِینَ وَفِی الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاهَ وَآتَى الزَّکَاهَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِینَ فِی الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِینَ الْبَأْسِ أُولَئِکَ الَّذِینَ صَدَقُوا وَأُولَئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقره/ ۱۷۷).
هذه الآیه الکریمه وأمثالها ترسم لنا طریقاً واضحاً لسلوک سبیل التقوى الذی هو سبیل السفر إلى الله، ومن الآیات الکریمه التی تؤکد وتوضح طریق التقوى نجد أیضاً قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُتَّقِینَ) (آل عمران/ ۷۶)، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِکِینَ کَافَّهً کَمَا یُقَاتِلُونَکُمْ کَافَّهً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِینَ) (التوبه/ ۳۶)، (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِینَ یَلُونَکُمْ مِنَ الْکُفَّارِ وَلْیَجِدُوا فِیکُمْ غِلْظَهً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِینَ) (التوبه/ ۱۲۳)، (یَا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ وَالَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (البقره/ ۲۱)، (وَلَکُمْ فِی الْقِصَاصِ حَیَاهٌ یَا أُولِی الألْبَابِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (البقره/ ۱۷۹)، (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (البقره/ ۱۸۳)، (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِی مُسْتَقِیمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ ذَلِکُمْ وَصَّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام/ ۱۵۳).
هذه الآیات الکریمه تبین لنا العدید من القواعد التی تساعدنا فی تحصیل التقوى التی تشکل الزاد الحقیقی للسفر، وبإختصار، فإن إتباع التکالیف الشرعیه التی یفصّلها الفقهاء فی مدوناتهم الفقهیه تعتبر التفسیر العملی، لتفسیر هذه الآیات وغیرها من الآیات الأحادیث التی تتناول موضوع التقوى والذی هو خریطه الطریق والخطوات الإجرائیه لتحصیل ملکه التقوى والتزود للسفر الطویل إلى الله.
– الدعاء والمناجاه:
لعل أقصر الطرق وأهم الطرق إلى الله سبحانه وتعالى هو طریق الدعاء والمناجاه، ومناجاه الله هی النعمه الإلهیه الکبرى التی وهبها الله لعباده حیث إذن لهم أن یخاطبوه رغم عظمته سبحانه وحقارتهم بین یدیه.
والدعاء ضروری لطلب العون والمدد الإلهی قال تعالى: (قُلْ مَا یَعْبَأُ بِکُمْ رَبِّی لَوْلا دُعَاؤُکُمْ فَقَدْ کَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ یَکُونُ لِزَامًا) (الفرقان/ ۷۷).
ولکن هنا لیس المطلوب الدعاء فقط، إنّما المطلوب هو المناجاه…
فالدعاء هو طلب الدانی مع العالی، أنا دانی والمولى عزّوجلّ عالی، وطلب الدانی من العالی دعاء، ولکن الدعاء قد یصدر منی برغبته، وقد یصدر منی بإستثقال، قد یصدر منی بإکراه، وقد یصدر منی لحاجه دنیویه… وقد حث الله سبحانه وتعالى عباده على دعائه لطلب حتى أحقر الأشیاء، وذلک حتى تعتاد النفس على مسأله الطلب إلى الله والتوجه إلیه بالسؤال. فعن جابر بن عبدالله عن النبی (ص) فی حدیث طویل: "… أنّ الله یجب أن یسمع دعاءک…" "والله سبحانه یحب أن یُسأل لأنّه یحب صوت عبده المؤمن".
وقد یطلب العبد المحب لله الأمر، وهو لا یقصده، بل یقصد الإستئناس بمناجاه الله، فإذا انتقل إلى مرحله المناجاه فقد ذاق طعم الخلوه بمحبوبه، وهذه حال یعقوب (ع)، فالحاجه ألتی فی نفس یعقوب (ع) من بکائه کانت أنسه بسؤال مولاه، فهو مع ما هو علیه من مقام النبوه لا یشغله حبه لولده عن حب الله، إلا أن یکون حزنه وکلفه لله سبحانه وتعالى والأنس بجواره، فالمناجاه إذن لیست طلب من الدانی للعالی، بل هی حدیث المحب لمحبوبه، وحدیث العاشق لمعشوقه. یقول أمیر المؤمنین (ع): "… وأشعر قلوبهم تواضع اخبات السکینه، وفتح لهم أبواباً ذللاً إلى تماجیده"، وعن الإمام زین العابدین (ع): "اللّهمّ إنی أسألک خوف العالمین، وخشوع العابدین، […] وذکر المخبتین واخبات المستقیمین".
فإذا کنت ترى إنّ الله عالٍ وأنت دانٍ، فقد تطلب منه حیاء أو لحاجه، فهذا هو الدعاء، أمّا إذا کنت تراه محبوبک ومعشوقک الذی تقدم علیه والذی تنفتح علیه، والذی ترغب أن تتحدث معه فحینئذ تأتی المناجاه…
المناجاه حدیث المحب مع محبوبه، وحدیث بین العاشق ومعشوقه… ولیست طلب المناجاه ومحادثه، وهذا ما یرکز علیه زین العابدین (ع)، والمطلوب هو المناجاه التی تکون من القلب، ومن منزل القرب إلى الله سبحانه.
لذلک فإنّ المناجاه أقصر الطرق إلى الله وأقصر الطرق إلى التقوى… وإذا حصلت على المناجاه یعنی انک جلست فی ظلال اللیل… جلست بینک وبین نفسک بحب ورغبه أن تتحدث مع الله… أن تتکلّم مع الله… أن تخاطب الله… أن تبث همومک وأحزانک وما فی قلبک إلى المحبوب الأوّل وهو الله.
هذا هو الطریق السریع الذی یوصلک إلى التقوى، یقول الإمام أمیر المؤمنین (ع): "رکعه لی فی دنیاکم أحب إلیَّ من الجنه وما فیها".
نحن نعشق الجنه لأنها حور وولدان ونعیم وقصور وخمور، ولک علیاً (ع) یقول بلسان حاله: أنا کل هذا لیس مهماً عندی، کل هذا أمور مادیه، أنا الذی یهمنی هو لقاء الحبیب، لقاء المعشوق، یهمنی الحدیث القلبی بینی وبین محبوبی، هذا الذی یهمنی، ولیس الذی یهمنی المظاهر الدنیویه، رکعه لی فی دنیاکم أعیش فیها مع معشوقی ومحبوبی أحب إلیّ من الجنه وما فیها.
إذن المهم هو المناجاه
انظروا إلى آسیا… زوجه فرعون
کانت لدیها کل وسائل الراحه من خدم وحشم وأموال ومجوهرات وکل ما تطلب… إلا إنها بقیت تائقه إلى السفر إلى المحبوب… بقیت مجاهده من أجل موقع العندیّه… قالت: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِینَ آمَنُوا اِمْرَأَهَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِی عِنْدَکَ بَیْتًا فِی الْجَنَّهِ وَنَجِّنِی مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِی مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِینَ) (التحریم/ ۱۱).
ابن لی بیتا عندک فی الجنه، وهذا هو مقام العندیه، یعنی إنّ الإنسان الذی وصل إلى مقعد الصدق، وصل إلى حقیقه الهدف…
(فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیکٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر/ ۵۵).
أسباب الموده مع فرعون بالنسبه للمرأه المادیه متوفره إلا إن آسیا بنت مزاحم کانت تختلف… فقد ذاقت عندما آمنت بنبی الله موسى (ع)، وعندما شعرت بعظیم منّه الله علیها، إذ أتاح لها نعمه تربیه نبی الله (ص)، ولذلک زهدت بمقعد ملک الدنیا فی قصر فرعون، وتاقت نفسها إلى ما هو أبقى، إلى: مقعد صدق عند ملیلک مقتدر.
– اللیل هو الوقت الأمثل للسفر:
قیام اللیل شعار الصالحین، فاللیل أفضل وقت للخلوه مع الحبیب، للحدیث معه من دون مشاغبه وإزعاج أحد…
اللیل هو دلیل معرفه العبد ربّه، وشوقه إلى لقاء معشوقه….
وفی صیام شهر رمضان، زاد للمتقین… ومنکر الصیام کافر لأنّه فریضه ثابته فی الکتاب والسنه والإجتماع وفی الکتاب الکریم: (کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ) (البقره/ ۱۸۳).
والخاسر الخائب من أدرکه شهر رمضان فلم یستدرک فیه أمره، ویصلح فیه ما بینه وبین ربه، ویجدد العهد معه.
وإذا وطّن العبد نفسه على هذه الطاعات فعلت فعلها الحسن فی النفس، وفجّرت فیها الخیر والقوه والعزه والغیره، فلا یذل إلا الله، ولا یطیع أحداً فی معصیه الله، ولا یأنس إلى أحد إلا إلى الله.
– وسائل العون على التزود:
مما یعین على التزود بالتقوى أمور:
الأوّل: خلو القلب من غیر الله، فالقلب مملکه لله وحده لا شریک له والقلب حرم الله فکیف یدخل إلى حرم الله غیره ومن دون إذنه؟؟؟…
الثانی: مصاحبه حزب الله، الجماعه المؤمنه التی بایعت وتابعت وأعلنت الإنتماء والولاء لله وحده، متناسیه الولاءات والإنتماءات الأخرى المبنیه على العرق واللون واللغه والحدود الجغرافیه… تلک الأُمّه التی ترید برهنه حبها لله بأجلى الصور… أمّا إذا لم توجد هذه الجماعه الصالحه فالأولى العزله، کما قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ یُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ کَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِیرَتَهُمْ أُولَئِکَ کَتَبَ فِی قُلُوبِهِمُ الإیمَانَ وَأَیَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَیُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِکَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادله/ ۲۲).
الثالث: محطات التزود بالزاد… وهذه المحطات تنقسم إلى ثلاثه أقسام:
أ) محطات زمانیه: مثلاً أشهر التعبد الثلاث رمضان، شعبان، رجب، والمناسبات الإسلامیه التی تربی التقوى وتقرب المحب من محبوبه، کعاشوراء الحسین (ع) وموالید الأئمه، والمناسبات الإسلامیه الأخرى مثل الإسراء والمعراج… إلخ.
ب) محطات مکانیه: مزارات الأئمه، المساجد، المآتم، الحسینیات، مقار الجمعیات الأصیله؛ بیوت رؤیتها تذکرک بالله، المقابر، قبور الشهداء والعلماء… إلخ.
ت) هذه الأمکنه تعتبر محطات تزود بالتقوى، تزود بالورع، تزود بالحب، ومحطات تخلی عن الرذائل، محطات براءه من الظلم والإستکبار، محطات تربیه للذات.
ث) محطات وجدانیه: هی المحطات الوجدانیه التی ترى فیها نفسک مقبله على الله، محطات الخلوه معه والإنفتاح العاطفی علیه، محطات الإعتراف بین یدیه بالتقصیر، محطات غسل النفس بالبکاء والدموع لإزاله وسخ الذنوب والعصیان.