ملامح الدوله العالمیه على ید الإمام المهدی علیه السلام

0

و لو لم یکن من مهمته علیه السلام إلا إنهاء الظلم ، و بعث الإسلام النبوی الأصیل و إقامه حضارته الربانیه العادله و تعمیم نوره على العالم ، لکفى .
و لکنها مع ذلک مهمه تطویر الحیاه البشریه تطویراً مادیاً کبیراً ، بحیث لا تقاس نعمه الحیاه فی عصره والعصور التی بعده علیه السلام بالحیاه فی المراحل السابقه ، مهما کانت متقدمه ومتطوره .
و هی أیضاً مهمه تحقیق مستوى هام من الإنفتاح على الکون و عوالم السماء و سکانها ، یکون مقدمه للإنفتاح الأکبر على عوالم الغیب والآخره.
و هذه لمحات عن جوانب مهمته علیه السلام بقدر ما یتسع لها هذا الکتاب :
تطهیر الأرض من الظلم و الظالمین
یبدو بالنظره الأولى أن تطهیر الأرض من الظلم ، و استئصال الطواغیت و الظالمین ، أمر غیر ممکن ، فقد تعودت الأرض على أنین المظلومین و آهاتهم حتى لا یبدو لاستغاثتهم مجیب ، و تعودت على وجود الظالمین المشؤوم ، حتى لا یخلو منهم عصر من العصور .
فهم کالشجره الخبیثه المستحکمه الجذور ، ما أن یقلع منهم واحد حتى ینبت عشره ، و ما أن یقضى علیهم فی جیل حتى یفرخوا أفواجاً فی أجیال .
غیر أن الله تعالى الذی قضت حکمته أن یقیم حیاه الناس على قانون صراع الحق و الباطل و الخیر و الشر ، قد جعل لکل شیء حداً ، و لکل أجل کتاباً ، و جعل للظلم على الأرض نهایه .
جاء فی تفسیر قوله تعالى: ﴿ یُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِیمَاهُمْ فَیُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِی وَالْأَقْدَامِ ﴾ [۱] عن الإمام الصادق علیه السلام قال: " الله یعرفهم ! ولکن نزلت فی القائم یعرفهم بسیماهم فیخبطهم بالسیف هو و أصحابه خبطاً " [2] .
و عن أمیر المؤمنین علیه السلام قال: " فلیفرجن الله بغته برجل منا أهل البیت ، بأبی ابن خیره الإماء . لا یعطیهم إلا السیف هرجاً هرجاً " أی قتلاً قتلاً ) موضوعاً على عاتقه ثمانیه أشهر " [3] .
و عن الإمام الباقر علیه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله علیه وآله فی أمته باللین و المنِّ ، وکان یتألف الناس ، و القائم یسیر بالقتل ولایستتیب أحداً !! بذلک أمر فی الکتاب الذی معه ، ویل لمن ناواه " [4] .
و الکتاب الذی معه هو العهد المعهود له من جده رسول الله صلى الله علیه وآله ، و فیه کما ورد : " أقتل ثم اقتل و لا تستتیبن أحداً " ، أی لا تقبل توبه المجرمین .
و عنه علیه السلام قال: " و أما شبهه فی جده المصطفى صلى الله علیه و آله فخروجه بالسیف و قتله أعداء الله تعالى و أعداء رسوله ، و الجبارین و الطواغیت ، و أنه ینصر بالسیف و الرعب ، و أنه لاترد له رایه [۵] .
و فی روایه عبد العظیم الحسنی المتقدمه و هی فی نفس المصدر ، عن الإمام الجواد علیه السلام : " فإذا کمل له العقد و هو عشره آلاف خرج بإذن الله ، فلا یزال یقتل أعداء الله حتى یرضى الله تعالى . قلت ، و کیف یعلم أن الله قد رضی ؟ قال: یلقی الله فی قلبه الرحمه " .
بل جاء فی الأحادیث أن بعض أصحابه علیه السلام یرتاب و یعترض علیه لکثره ما یرى من سفکه لدماء الظالمین ، فعن الإمام الباقر علیه السلام : " حتى إذا بلغ الثعلبیه ( اسم مکان فی العراق ) قام إلیه رجل من صلب أبیه ( أی من نسبه ) هو أشد الناس ببدنه و أشجعهم بقلبه ماخلا صاحب هذا الأمر ، فیقول: یا هذا ما تصنع ؟! فوالله إنک لتجفل الناس إجفال النعم ! ( أی کما یجفل الراعی أو الذئب قطیع الماشیه ) أفبعهد من رسول الله ، أم بماذا ؟! فیقول المولى الذی ولی البیعه ( أی المسؤول عن أخذ البیعه للإمام من الناس ): أسکت ، لتسکتن أو لأضربن الذی فیه عیناک ، فیقول القائم علیه السلام : أسکت یا فلان ، إی والله إن معی لعهداً من رسول الله صلى الله علیه و آله ، هات یا فلان العیبه ( أی الصندوق ) فیأتیه بها فیقرأ العهد من رسول الله صلى الله علیه و آله فیقول الرجل: جعلنی الله فداک : أعطنی رأسک أقبله ، فیعطیه رأسه ، فیقبل بین عینیه ، ثم یقول: جعلنی الله فداک ، جدد لنا بیعه ، فیجدد لهم بیعه [۶] .
و لا بد أن هناک علامات أو آیه یعرف بها أصحابه أن تلک الصحیفه هی عهد معهود من رسول الله صلى الله علیه و آله ، و أما طلبهم أن یجددوا مبایعته علیه السلام فلأن اعتراضهم علیه یعتبر نوعاً من الإخلال ببیعتهم الأولى له علیه السلام .
و قد یرى البعض فی سیاسه القتل و الإباده للظالمین التی یعتمدها الإمام المهدی علیه السلام ، أنها قسوه و إسراف فی القتل ، و لکنها فی الواقع عملیه جراحیه ضروریه لتطهیر مجتمع المسلمین و مجتمعات العالم من الطغاه و الظالمین ، و بدونها لا یمکن إنهاء الظلم من على وجه الأرض ، و إقامه العدل خالصاً کاملاً ، و لا القضاء على أسباب المؤامرات الجدیده التی سیقوم بها بقایاهم فیما لو استعمل الإمام معهم سیاسه اللین و العفو ! فالظالمون فی مجتمعات العالم کالغصون الیابسه من الشجره ، بل کالغده السرطانیه ، لابد من استئصالها من أجل نجاه المریض مهما کلف الأمر .
و الأمر الذی یوجب الاطمئنان عند المترددین فی هذه السیاسه أنها بعهد معهود من النبی صلى الله علیه و آله و أن الله تعالى یعطی الإمام المهدی علیه السلام العلم بالناس و شخصیاتهم ، فهو ینظر إلى الشخص بنور الله تعالى فیعرف ماهو و ما دواؤه ، و لا یخشى أن یقتل أحداً من الذین یؤمل اهتداؤهم و صلاحهم ، کما أخبر الله تعالى عن قتل الخضر علیه السلام للغلام فی قصته مع موسى علیه السلام حتى لایرهق أبویه طغیاناً و کفراً .
بل تدل الأحادیث على أن الخضر یظهر مع المهدی علیه السلام و یکون وزیراً له ، و لا بد أن المهدی علیه السلام عنده علم الخضر اللدنی الذی قال الله عنه : ﴿ … آتَیْنَاهُ رَحْمَهً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ [۷] ، و أنهما یستعملانه فی تنمیه بذور الخیر ، و دفع الشر عن المؤمنین ، و القضاء على الفساد و الشر و هو بذره صغیره قبل أن یصبح شجره خبیثه .
و من المرجح أن یکون عمل الخضر و أعوانه فی دوله المهدی علیهم السلام علنیاً ، و أن یکون لهم حق الولایه على الناس و حق النقض على القوانین و الأوضاع الظاهریه .
و قد ورد فی الأحادیث الشریه أن الإمام المهدی علیه السلام یقضی بین الناس بحکم الله الواقعی الذی یریه إیاه الله تعالى ، فلا یطلب من أحد شاهداً أو بینه ، و کذلک یستعمل علمه الواقعی فی قتل الظالمین و الفجار ، و قد یسیر أصحابه فی القضاء بین الناس و قتل الفجار بهذه السیره ، أما فی بقیه الأمور فقد یتعاملون مع الناس على الظاهر . و لا بد أن یکون للخضر و أمثاله صلاحیاتهم الخاصه [۸] .
ــــــــــــــــــ
[۱] القران الکریم : سوره الرحمن ( ۵۵ ) ، الآیه : ۴۱ ، الصفحه : ۵۳۳ .
[۲] غیبه النعمانی : ۱۲۷ .
[۳] شرح نهج البلاغه :۲ / ۱۷۸ .
[۴] غیبه النعمانی : ۱۲۱ .
[۵] بحار الانوار : ۵۱ / ۲۱۸ .
[۶] بحار الانوار : ۵۳ / ۳۴۳ .
[۷] القران الکریم : سوره الکهف ( ۱۸ ) ، الآیه : ۶۵ ، الصفحه : ۳۰۱ .
[۸] المصدر : عصر الظهور للمؤلف .

Leave A Reply

Your email address will not be published.