العنف ومصداقیه السلم

0

کما أنّها أغفلت النظریات التی غذّت هذه الوضعیه أو التی تغذّت منها. لذا علینا – کما یقول – إدراک درجه الحذر المطلوب من مثل هذا الطرح، وخاصه أنّه مورس باسم دعوى استتباب السلم ونشر الحضاره فی العالم، وکل ذلک، مقروناً بنشر مثالیات دینیه مسیحیه، سیما وأنّ المنظومه الغازیه کانت ولا تزال هی المنظومه الوطنیه المتمثله فی نظام الدوله اللیبرالیه، عنوان ما یُسمّى بالحضاره والرقی.
فإذا – کما یؤکد – لابدّ من الحذر فی التعامل مع کل من أطروحه السلم الدائم حسب ما تدّعیه اللیبرالیه، وأطروحه العدل التام تحت ظل المساواه التامه، فمع هاتین الأطروحتین یتم إدخال المطلقات فی السیاسه؛ کما أنّ ما تُسمِّیه بعض التیارات بـ(النظام الإسلامی) أو (المنهج النبوی) یدخل، هو أیضاً، مطلقات دینیه فی صمیم الممارسات السیاسیه، وهذا خطر على المجتمعات، إذ أنّه یفتح باباً لتفشی العنف بدل الحد منه، ویسد باب الرّفق والتمرّن والتمرین على الحوار والإتفاق فی ظل السلم النسبی، والقدره على تنظیم العیش فی أفق الدنیا. علماً بأنّ التشبث بالمطلقات فی أُمور العقیده والدین شیء بدیهی ومسلم به، ویستوجب التعامل معه بالإحترام من قبل الجمیع، کیفما کانت درجه الإختلاف بین المذاهب والعقائد.
لکن تلک المؤاخذات التی سجلها الباحث لا تعنی ذاتیه العنف بالنسبه إلى الإنسان أو عدم إمکان الحد منه وتحجیمه ووضعه فی دائره السیطره التی تتحکّم بها القیم الأخلاقیه والدینیه، وهو أمر ممکن ولیس مستحیلاً، رغم إتساع رقعه العنف والتصاقه بالإنسان منذ فجر التاریخ، بل من الممکن اللجوء إلى القوه، باعتبارها مفهوماً آخر یغایر العنف، لمحاصره العنف. کما یمکن من خلال مقاربه الأسباب الأخرى وفهم علاقتها بالعنف السیطره على العنف نفسه.
ولیس اللجوء إلى القوه هروباً من العنف إلى عنف أشد وأقسى متشحاً بمفاهیم أخرى، وإنّما إیماناً بوجود ضروره لممارسه العنف، کما فی العنف المضاد، أو لحمایه أمن البلاد والمجتمع من إجتیاح العنف. أی إنّ القوه وإن کانت تستبطن العنف – مهما حاولنا تبریر ذلک – إلا أنّها ممارسه مشروعه إمّا شرعاً، إذا کانت تتوافر على دلیل شرعی أو من خلال المصادقه المشروعه ولیست المستبده على القوانین، کما بالنسبه لقوانین ومقررات الدول المنتخبه مباشره من قبل الشعب أو المخوله شرعاً بسن القوانین.
وهذا لا یشمل قرارات الدول لشن الحروب على دول وشعوب أخرى أو استعمار بلدانها، لأنّها تدخل ضمن مفهوم الإرهاب ولیس العنف فقط لإقترافها ممارسات عدوانیه تطال الإنسان ومقدراته وممتلکاته وتهدر کرامته وتصادر حرّیته مهما کانت المبررات، إلا إذا استنجد شعب بدوله ما، وهو أمر نادر، لتحریره من أسر الدکتاتوریه والإسبتداد وتخلیصه من ظلم یعتقد إنّه أهون من الإحتلال الأجنبی، أو إنّه سینال هامش من الحرّیه تهون معه التضحیات الکبیره فیکون الشعب هو المسؤول عن تداعیات تلک العملیه وما یرافقها من ممارسات عنیفه، وهذه مسأله أخرى.
وحینما نعود إلى مفهوم السلم، نجد ثمه ما یُعزِّز الشکوک المتقدمه حول صدقیته، إذ لیس السلم هو مطلق إختفاء العنف، وإنّما هو أحد الأسباب الموجبه لذلک، وربّما یعود السبب فی تواری مظاهر العنف داخل المجتمع إلى أسباب أخرى مثل سطوه السلطه وقدرتها على ضبط الأمن إلى درجه تختفی معها جمیع مظاهر العنف خوفاً ورعباً، لا إیماناً به. أو أن یعکس السلم تکتیکاً سیاسیاً، أو ظرفاً طارئاً یضغط باتجاه تأجیل ممارسه العنف حتى حین، أو صرامه الوسط الإجتماعی الذی یعیش الفرد داخله. وکل هذه المظاهر لا تُعبِّر عن وجود سلم حقیقی واستجابه صادقه، لأنّ السلم فیها لم ینطلق من موقف اختیاری لأفراد الشعب، ولا یعکس رؤیه معرفیه تعی السلم وضروراته وترفض العنف وتداعیاته رغم قدرته علیه.
وإنّما السلم فی هذه الحالات استجابه لظروف ضاغطه، ومحاوله لتأجیل العنف حتى إشعار آخر، والعوده إلیه ثانیه بعد زوال مبررات الإحجام عنه. کما فی حاله طالب المدرسه العنیف والمشاغب، الذی یلجأ للعنف فور غیاب مُعلِّمه أو المشرف التربوی، وکذا أفراد العائله الذین یعیشون تحت سلطه أب دکتاتور مستبد یخشى الجمیع سطوته وبطشه، فإنّ سلوکهم لا یُمثِّل روح السلم التی نتحدّث عنها.
وفی هذه الحالات وغیرها، لا یصح أن نحکم على هذه البیئات بأنّها بیئات مسالمه ترفض العنف وتتمسّک باللاعنف فی حیاتها، وإنّما ثمه ظروف استثنائیه فرضت السلم علیها، ولیست هی السلم، لأنّ السلم عقل ومنهج وسلوک، ولیس موقفاً یملأه الخوف والرُّعب. عقل یتوفر على قناعات معرفیه تجعله یعتمد السلم منهجاً فی الحیاه وسلوکاً یومیاً یتجلى فی أفعاله وتصرفاته.
من هنا یعرف اسبینوزا السلم قائلاً: "السلم یعنی: القدره على التوصل إلى غیاب المعارک والعنف والصراع انطلاقاً من القدره العاقله فی الإنسان والمعرفه المنتشره فی الجمیع"، ویضیف موضحاً: "إذا کان الناس فی مجتمع ما لا یحملون السلاح، أو لا یلجأون إلى السلاح لأنّهم یعیشون تحت وطأه الرعب، فیجب أن نقول إنّ السلم لا یسود فی هذا المجتمع، بل یتعلق الأمر فقط بغیاب الحرب. إنّ السلم لیس مجرد غیاب للحرب، إنها فضیله تجد أصلها فی قوه النفس أو الروح، لأنّ الإمتثال إراده مستدیمه لدى الناس للقیام بما یجب القیام به، تبعاً لقانون ذلک المجتمع. إنّ مجتمعنا تکون فیه السلم نتیجه لجمود الناس وتقاعسهم، ویقتاد أناسه کالقطیع، لأنّه لم یتم إعدادهم سوى للطاعه، مجتمع کهذا لا یمکن أن یُسمّى مجتمعاً، بل عزله".
ویرى أیضاً: "إنّ السلم لیس هو مجرد غیاب الحرب أو إنعدامها، بل إنّ السلم أکثر من ذلک. فجمود الناس، هنا وهناک، وتقاعسهم أو خوفهم أو وقوعهم تحت تأثیر الرُّعب یجعلهم خاضعین أو متظاهرین بالخضوع والعیش فی السکینه. إنّ هذا الخضوع، أو التظاهر بالخضوع، هو ما قد یُفسِّر اللجوء المفاجئ لأشکال قاسیه من العنف، ذلک أنّ الناس هؤلاء الذین یطیعون أو یتظاهرون بالطاعه لم یتم إعدادهم إلا لذلک، لقد تمّ "تطویعهم" بوسائل شتّى منها الرُّعب، والخوف، والمس بمصالحهم، ومنها أسالیب قد یغیب عنها الرُّعب فی الظاهر، ویبقى فی الخفاء یحرسها، کما نجده فی وسائل التربیه والحیاه العائلیه والسلوکیه الیومیه. إنّ أناساً لم یتعوّدوا إلا على الطاعه، قد یطیعون فعلاً، وقد یمکرون. وفی کل الحالات، فهم یخضعون لأی جهه ولأی قوّه تستبد بهم. وهذا أمر یخالف حاله السلم الحقیقیه".
إذن حاله السلم وفقاً لهذا الرأی تتمیّز بوجود دافع ذاتی یدفع الناس للقیام بواجباتهم، استجابه لما تملیه شروط الحیاه الجماعیه والفردیه. فیصدر العمل بمحض إرادتهم، ولیس خوفاً من أیّه جهه کانت، وإنّما یحترم أفراد المجتمع القوانین والأوامر والقرارات التی یعمل بها فی مجتمعهم حفاظاً على أنفسهم ومصالحهم، ویقصدون نفس الشیء بالنسبه للآخرین، انطلاقاً من إیمان راسخ بضروره عملهم، ولیس هناک إکراه یدعو للتحایل والمکر. بینما مَن لا یحترم القوانین إلا مکرهاً، قد یتحایل علیها، وقد ینجح فی التحایل على القانون، وهذا منتشر جداً.
"فمجتمع الخضوع والمخادعه لیس بمجتمع یسود فیه السلم لمجرد انعدام الحرب، بل لیس هو بتاتاً مجتمع فی نظر اسبینوزا، لأنّ الناس یعیشون فی عزله. فخوفهم من الآخرین، وربّما خوفهم من أنفسهم، یجعل رغبتهم فی التعایش الفعلی والإیجابی ضعیفه، فیسود الإضطراب والإرتیاب والإنطواء والإحتیاط المبالغ فیه والزائد عن الحد. فیسود فی المجتمع اللجوء إلى المکر والضغینه، إمّا (حفاظاً على الذات)، وإمّا لإتقاء شرّ الآخرین وضررهم".
تأسیساً على ما تقدّم، یمکن التمییز بین السلم الحقیقی والسلم التکتیکی المصطنع. فالأوّل یصدر عن قناعه وإختیار وإراده، والثانی یُعبِّر عن إکراه واضطرار وحیله ومکر، لذا یتباین سلوکهما من حیث الثبات والصدق. وکما أنّ الأوّل یواصل مسیرته فی تبنی السلم مبدأ فی الحیاه، سلوکاً وعملاً، فإنّ الثانی قد یفاجئ المجتمع بعنف یصل حدّ الإرهاب، لیُعبِّر عن کبت القیم ورفض سلطه الأعراف والتقالید الإجتماعیه، فیثور فی أوّل سانحه منقلباً إلى وحش ضار، عنیف فی تصرفاته وسلوکه. وهنا یأتی دور العقل لیُحدِّد اتجاه السلم ویعلن عن هویته فیکون بوصله أمان لمن وثق به واتخذه مرجعیه لسلوکه وتصرفاته، إلا أنّ المشکله فی عدم استفاده الناس من قدراتهم العقلیه والتخلی عن مرجعیته فی مسأله الخلافات والصراعات، لینساقوا وراء قیم أخرى تتقاطع معه وترفض سلطته.
وبهذا الخصوص یؤکد سبینوزا "أنّ استعمال الناس لقدراتهم وملکاتهم العقلیه التی تستطیع أن تسیر سلوکیاتهم بشکل سلیم، مسأله شدیده الوضوح، فقلیلاً ما یلجأ الناس إلى الإستفاده من هذه الملکات أکانت موزعه بشکل عادل بینهم أم لا؟ فیقول: نادراً ما یعیش الناس حیاتهم تحت إمره العقل، فأکثرهم یحسدون ولا یحتملون بعضهم البعض، لکنهم لا یستطیعون أن یحیوا حیاتهم فی عزله، لدرجه أن معظمهم یتلذذون بالتعریف القائل إنّ الإنسان حیوان سیاسی".
وعندما نتکلم عن قیم العقل، نقصد ما یشمل القیم الدینیه والإنسانیه، لأنّ الدین، کل دین، یرفض العنف ویشجب الممارسات العدوانیه، ویبغض الحروب القائمه على ذلک. أی إنّ العنف ینتمی، کما سیأتی بیانه، إلى منظومه قیم أخرى لا تمت إلى الدین والعقل بصله. فالقرآن الکریم یبارک السلم ویؤکده فی موازاه اهتمامه بموضوع الجهاد وقتال الأعداء. لکن الثانی لیس مبدأ، وإنّما مرحله فرضتها الضروره وظروف الدعوه، کما سیتضح.
وأمّا السلم، فإنّه مبدأ إسلامی تعکسه صراحه بعض الآیات، مثل (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوکّل على الله إنّه هو السمیع العلیم) (الأنفال/ ۶۱). ویستفاد أیضاً من مصفوفه الآیات الأخلاقیه، فی سوره الحجرات، التی عمدت إلى تجفیف منابع العنف وإغلاق أکثر منافذه، للحیلوله دون تدفق مواد أوّلیه صالحه لصناعه العنف مهما صغرت، کالغیبه والنمیمه والفحش بالقول والکذب والإفتراء والسباب والتنابز بالألقاب والتدخل فی شؤون الغیر والإکراه والإحتقار والإهمال المتعمد بما فی ذلک إهمال رد السلام و…
(یا أیًّها الذین آمنوا لا یسخر قوم من قوم عسى أن یکونوا خیراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن یکنَّ خیراً منهنَّ ولا تلمزوا أنفسکم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإیمان ومَن لم یتب فأولئک هم الظالمون) (الحجرات/ ۱۱).
(یا أیُّها الذین آمنوا اجتنبوا کثیراً من الظنِّ إنّ بعض الظنِّ إثمٌ ولا تجسَّسوا ولا یغتب بعضکم بعضاً أیُحبُّ أحدکم أن یأکل لحم أخیه میتاً فکرهتموه واتّقوا الله إنّ الله توّابٌ رحیم) (الحجرات/ ۱۲).
وهذا یؤکِّد إنّ السلم لیس موضوعاً طارئاً أو إنّه یتوقف على إعلان السلم من قبل الطرف الآخر باعتباره یختص بمسأله الحرب، لأن بواعث العنف لا تقتصر علیه، وإنّما أسبابه کثیره، والجانب الأخلاقی یُمثِّل الجانب الأهم فیها، إذ منشأ کثیر من ردود الفعل التی تجر إلى العنف مواقف أخلاقیه. فمثلاً ردّ التحیه التی یؤکِّد علیها القرآن الکریم (وإذا حُیِّیتم بتحیّه فَحیُّوا بأحسن منها أو رُدُّوها) بإعتبار انّ إشاعه السلام تبنی للسلم والمسالمه ورفض الإعتداء، فهو أکثر من تحیه مجرده تفرضها قیم المجتمع، بل هو رفع لشعار السلم وتأکیده فی کل مناسبه مع أی شخص أو جماعه، ففی کل مرّه یلقی الإنسان التحیه یؤکِّد فیها تمسکه بالسلم ولو على مستوى الشعار، على أمل أن یتجسّد إلى سلوک راسخ فی النفس.
ثمّ من زاویه أخرى إنّ عدم ردّ التحیه أو التراخی واللامبالاه فی ردّها تعکس موقفاً سلبیاً، أو هکذا یفهمه المتلقی فی إطار قیم المجتمع وعادته، وعدم الرد یستفز الإنسان ویولد لدیه شعور بالخیبه ویکون بمثابه صفعه قویه لکرامته وحیثیته، تطعن بشخصیته فیثأر لها من خلال العنف إذا تخلّى عن تحکیم العقل سریعاً. إذن التأکید على ردّ التحیه، وهو مجرّد مثال ضمن منظومه القیم القرآنیه، یضع حدّاً لممارسه العنف من هذه الجهه، ممّا یؤکِّد إنّ السلام مبدأ فی الإسلام. وثمه أمثله أخرى یمکن استدعاؤها لتأکید أهمیّه السلم فی القرآن الکریم وتبنی الإسلام له مبدأ أساسیاً یرفض التنازل عنه أو التفریط به لأی سبب کان، بل إنّ تسمیه هذا الدین بالإسلام التی هی من اشتقاقات السلم یکفی لتأکیده.
– سیکولوجیا العنف:
غالباً ما یصدر العنف عن قناعات فکریه وعقدیه تشرعن ممارساته التی قد تصل حدّ الإرهاب فی أحیان کثیره. ولیس بالضروره أن تکون تلک المسلمات والقناعات خاضعه لمنطلق العقل، بل إنّ بصمات الخطاب الایدیولوجی أکثر تجلیاً ووضوحاً فی الفعل الإرهابی. وإمّا هنا، فیکرس البحث لتقصی سیکولوجیا العنف، وما یسبقه أو یرافقه من حالات نفسیه، لأنّ العنف، بجمیع أشکاله، من هذه الزاویه تأزُّم وانفعال وتوتّر یسبق أو یرافق الفعل.
تاره یکون العنف فعلاً یمارسه شخص ضد آخر لسبب ما، فیعنفه، یقرِّعه، یوبِّخه، یؤنِّبه، یشتمه، یضربه، یضطهده، یجرحه، وربّما یقتله. وأخرى یکون العنف رد فعل یضطره للثأر لنفسه وکرامته، فیمارس عنفاً مماثلاً أو أشد قوه وآثاراً. وفی کلا الحالتین یخضع المرء لحاله نفسیه تختلف عنها عندما یکون فی وضع اعتیادی. حتى وإن مارس العنف بقدر کبیر من اللامبالاه وبروده الأعصاب، ومثاله المجرمون وأرباب السوابق ممّن أدمنوا ارتکاب الجرائم. وتبدأ الحاله الجدیده بموجه محفزات شعوریه أو لا شعوریه حول قضیه ما، ثمّ تتفاعل بتصورات وأحکام وقیم سابقه أو تتکوّن فوراً لتتأزّم الحاله وتتحوّل إلى توتر نفسی تصحبه موجه عصبیه تستولی على مشاعر الشخص، ثمّ یقفز إلى الخارج عبر حالات مختلفه: کإرتعاش الجسم أو توتر وحده فی الکلام، أو صدور ألفاظ جارحه ونابیه، أو صدور فعل جسمی وعضلی یترک أثراً فی جسد الشخص المقابل. سواء کان الموجب للعنف عقده أو مرضاً نفسیاً، أو تأکیداً للذات، أو لتحقیق هدف ما، أو لأی سبب أو داع آخر کان.
وعندما یتعرّض الإنسان للعنف بشکل یمس کرامته وحیثیته ومکانته ووجوده وشخصیته وشرفه أو شیئاً من حقوقه وربّما عقیدته ودینه، أو یصاب بخیبه أمل أو إحباط وعدم تفاؤل بالحاضر فضلاً عن المستقبل، تتفاعل معه النفس البشریه إلى درجه تکتسی الکرامه والشرف والحق الشخصی أو الجماعی قیمه مطلقه تهون معها التضحیات، أو ینتهی إلى قناعه متسرِّعه فی ظل التأزُّم النفسی، یعتقد معها بالعنف طریقاً وحیداً لتسویه الأمور وردّ الإعتبار، کما فی حالات ردّ الفعل.
أمّا لماذا لا یستجیب الإنسان لنداء العقل وقیم الدین والأخلاق ویمارس العنف بشکل رتیب ویومی؟
المؤکّد أنّ استجابه الإنسان لمشاعره وعواطفه أکثر وأسرع من استجابته لعقله. ولیس الإنسان عقلاً خالصاً، ولا مشاعر مجرده وإنّما هو مزیج من العقل والمشاعر، غیر انّ النفس تتفاعل وتستجیب للمشاعر لقوه تأثیرها بسبب سلاستها وبساطتها وشدّه إلتصاقها بها، بعکس العقل الذی تتطلب آراؤه قدراً کبیراً من التأمُّل والنظر والوعی والیقظه کی یعی الإنسان أحکامه. أی إنّ القضایا العاطفیه تمارس سلطتها على المشاعر والأحاسیس التی تحیط الإنسان من کل زاویه، مع تعدد نوافذها على الحیاه، وتفرض علیها التفاعل معها، والإستجابه لتأثیراتها، فترى الإستجابه فوریه، لأنّ النفس فی ترکیبها لیست سوى مزیج من العواطف والأحاسیس والمشاعر التی تقتات على إمدادات الحواس الخمسه، لتتفاعل مع کل وافد ومن ثمّ تتخذ موقفاً منه فی ضوء تراکمات قبلیه، لتبدو على الإنسان مظاهر الحبّ والبغض، العاطفه والحنان، الودّ والکره، وغیر ذلک من المواقف العاطفیه.
فالنفس أشبه ما تکون بالألواح فائقه الحساسیه التی تتأثر بسرعه کبیره عندما تواجه حزمه ضوئیه، وهی الألواح المستعمله عاده فی الصور الفوتوغرافیه. وتقتصر وظیفه العقل حینئذ بمد الجانب النفسی بتصورات ومتخیلات تشتمل على مزیج من المشاعر النفسیه والتصورات والأحکام العقلیه. فتتفاعل النفس بما یشبع حاجتها من الجانب العاطفی، لکن لیس بالضروره أن تتفاعل مع أحکام العقل، وقد تستجیب لها وتضبط مشاعرها، کما إنّ أحکام العقل لیست أقوى تأثیراً، لأنّها عقل، إلا قلیلاً.
ولکل شخص أیضاً تصورات متراکمه عن ذاته، تکون المسؤول الأوّل عن تشکیل أبعاد شخصیته کما هو یعیها. فهو لا شعوریاً لا یعی سوى المرکب أو الصوره التی أنتجها، وعلى أساسها یمارس دوره الإجتماعی ویتخذ مواقفه. ولیس بالضروره أن تکون جمیع القضایا صادقه ومطابقه للواقع، بل ربّما تکون نسبه لابأس بها أوهاماً ینسجها الشخص عن نفسه ومقامه الإجتماعی ومستواه الثقافی.
وبمرور الأیام والتأکید المستمر علیها، تنقلب الأوهام إلى حقائق لا یطیق الإعتراف بخطأها، ثمّ تأخذ الذات بالإنتفاخ والتضخم إلى حد یفترض هو لنفسه مواقع إجتماعیه ومکانه علمیه، مجرده عن أی رصید حقیقی. فمثلاً لا یجلس إلا فی مکان یتناسب مع مکانته الإجتماعیه التی وضع نفسه بها عندما یرود المجالس التی تعتنی بالرتب الإجتماعیه، وإذا اضطرّ لأیّ سبب للجلوس فی مجلس أدنى تثور حفیظته لا شعوریاً، بسبب الإرباک الذی طرأ على هندسه شخصیته، والخلل الذی باغت شخصیته الوهمیه. فتعکس رده الفعل حجم الضرر النفسی الذی لحق به. وقد تسببت هذه المسائل فی وقوع کثیر من أعمال العنف فی المناطق التی تقطنها مجتمعات بدویه تعبر فیها الأمور عن مستوى شخصیاتهم.
لهذا عندما یواجه المرء عملاً إرهابیاً أو عنفاً أو تحدیات خطیره تتأجج عواطفه ثمّ سرعان ما تتأزّم الحاله النفسیه له وتنقلب إلى توتر لا یطیق الإنحباس والسجن داخل النفس، وهی حالات لا إرادیه تعصف بالإنسان، لهذا کان التعبیر القرآنی فی أوج البلاغه والدقه عندما وصف المؤمنین بـ(الکاظمین الغیط)، فالغیط هو التوتر النفسی الذی یسبق الفعل بشکل لا إرادی، لذا لم ینه القرآن عنه، لأنّه خارج عن إراده الإنسان ویمس المشاعر والأحاسیس مباشره، وتظهر آثاره النفسیه فوراً، لکن یمکن السیطره علیه وحبسه وتکبیله قبل إنقلابه إلى عمل عنیف، من هنا دعاهم القرآن إلى کظمه.
وقد اعتبر القرآن کظم الغیط والعفو بمثابه الإحسان، لقوه الآثار المترتبه علیه، إذ ربّما موقف مماثل ینقذ إنسان أو أمّه من الناس من موت محتم، أو فتنه خطیره تقضی على مظاهر الحیاه، قال تعالى: (وسارعوا إلى مغفره من ربِّکم وجنّه عرضها السموات والأرض أعدَّت للمتقین * الذین ینفقون فی السَّرَّاء والضَّرَّاء والکاظمین الغیط والعافین عن الناس والله یُحبُّ المحسنین) (آل عمران/ ۳۳–34).
والحقیقه إنّ کظم الغیظ لیس أمراً میسوراً لکل إنسان، سیما إذا أدّت الحادثه التی یواجهها إلى إنهیار مشروع کان یعول علیه، أو تحطمت آمال طالما راودت أحلامه، أو تسببت الحادثه فی إنتهاک حرمه من حرماته. وقد غضب موسى (ع) وهو نبی مرسل، عندما اتخذ قومه من بعده عجلاً یعبدونه من دون الله، ولشده غضبه أخذ برأس أخیه وهو فی حاله من التوتر والغیظ، لأنّه شعر بإنهیار مشروعه الرسالی الذی بذل من أجله عملاً طویلاً من الدعوه والتضحیه، بل ولم یصغ موسى – وهو فی حاله ثوره – إلى نداء العقل إلا بعد حین، بعد أن کلّمه أخوه بإناه وهدوء، حینئذ فقط طلب من الله المغفره له ولأخیه، وعاد لیواصل دعوته مع قومه: (ولمّا رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتمونی من بعدی أعجلتم أمر ربِّکم وألقى الألواح وأخذ برأس أخیه یجرُّه إلیه قال ابن أُمَّ إنّ القوم استضعفونی وکادوا یقتلوننی فلا تشمت بی الأعداء ولا تجعلنی مع القوم الظالمین) (الأعراف/ ۱۵۰-۱۵۱).
ثمه قضیه أخرى، لما کان مقرراً عندهم إنّ الإنسان إجتماعی بالطبع، فإنّ معنى اجتماعیته إنّه لا یستطیع العیش إلا ضمن جماعه یؤثر ویتأثر بهم. ولکل جماعه قیم وأعراف خاصه، بها تضبط حرکه أفرادها، وتسوقهم باتجاه یعکس إرادتها الجماعیه. وبالتالی، فإنّ کل فرد ضمن الجماعه یستمد منها حزمه کبیره من القیم یغذی بها منظومته القیمیه، حتى یصل مرحله من التفاعل داخل بیئه الجماعه تتوحّد فیها جمیع القیم، بل تکون قیمته من قیمه المجموع أو قیمه الکیان الذی ینتمی له، فیستجیب بشکل لا إرادی لقیم المجموعه التی انغرست لا شعوریاً فی لا وعیه لتکون سلطه فوقیه تلعب دوراً کبیراً فی توجیه سلوکه، فیکون حرباً لمن حاربهم وسلماً لمن سالمهم، یغضب لغضبهم، ولا یتردّد فی أی عمل من أجل ردّ الإعتبار لهم وتمکینهم من إسترجاع حقوقهم.
وفی البیت الشعری الآتی تجسید حی لهذه الرؤیه، یقول الشاعر:
ما أنا إلا من غزیه إن غوت*****غویت وأن ترشد غزیه أرشد
وإضافه إلى القیم الشخصیه والإجتماعیه والدینیه والأخلاقیه التی توجه سلوک الإنسان وتدفعه بإتجاه العنف أو السلم، هناک عوامل سیکولوجیه تمارس سلطتها علیه، وکثیراً ما تعود أسبابها إلى مرض عضوی، ویضرب لذلک المتخصصون بالطب النفسی مرض الصرع، اضطراب الدوره الشهریه لدى النساء، الأمراض المعویه، وأیضاً "السلوک الإنفجاری لدى مرضى الصرع ونوبات الهیاج الفصامی وبعض الإضطرابات الکروموزومیه وخصوصاً تعدُّد کروموزومات الذکوره. کما بیّنت أبحاث الهندسه الوراثیه عدّه تشوّهات کروموزومیه متصاحبه مع مظاهر السلوک العدوانی. ولکن تجدر الإشاره إلى أنّ وجود هذه الإضطرابات لا یعنی ضروره ظهور المظاهر العدوانیه، فهناک حاملین لها دون مظاهر".
ویُصنِّف الطب النفسی حالات العنف إلى:
۱- حالات عنف صریحه، وتشمل:
– عنف جسدی (کدمات، رضوض، تکسیر… إلخ).
– عنف معنوی (کلامی، شتائم… إلخ).
– سلوک هجانی مصاحب للأذى.
– مواقف سلبیه مؤذیه (رفض الطعام أو الکلام).
۲- حالات عنف مستتره، وتقسّم إلى:
– عنف مستتر بمحاولات السخریه والتحقیر.
– عنف مستتر بمحاولات الحمایه.
– عنف مستتر یصعب إستشفافه ویظهر فجأه.
ویقول الطبیب النفسی د. محمّد أحمد النابلسی: صحیح أن إحتمال إرتکاب أعمال العنف یرتفع عند المرضى النفسیین، لکن هذا الإرتفاع لا یصل إلى درجه خوف الجمهور من هؤلاء المرضى. ولدى هؤلاء أیضاً نلاحظ تقسیماً سیکاتریاً لحالات العنف، هی حسب رأینا:
أ‌) حالات عنف صریحه:
– الرغبه فی الشجار والعراک الجسدی.
– هوس المحاکم (یمیل مرضى البارانویا إلى رفع الدعاوى القضائیه لأتفه الأسباب).
– محاولات إیذاء الذات.
– محاولات إیذاء الآخرین.
ب‌) حالات عنف مستتره:
– إتهامات هذیانیه موجّهه للمحیط والمتعاملین مع المریض.
– رفض الفحص والعلاج (عدوانیه تجاه المعالج).
– محاولات السخریه والتحقیر.
ج) حالات عنف متوقعه فی الأمراض التالیه:
– السلوک الصرعی الإنفجاری (إیذاء الذات والغیر).
– النوبات الفصامیه الحاده (إیذاء الذات والغیر).
– النوبات الإکتئابیه (إیذاء الذات غالباً).
– إضطرابات الشخصیه الحاده (عنف معنوی غالباً).
ومهما کانت الأسباب والمنطلقات النفسیه للعنف، فإنّ ممارسته تکشف عن خلفیّه فکریه، مهما کانت بسیطه وساذجه، أو إنّه یأتی إمتثالاً لسلطه فوقیه لا یعی تأثیراتها دائماً، وإنّما ینساق وراءها لا إرادیاً فی کثیر من الأحیان، کما بالنسبه إلى الأعراف القبلیه والتقالید الإجتماعیه التی یستجیب لها الإنسان لا إرادیاً. وعلى کل الأحوال، عندما یمارس العنف إلى درجه الإرهاب فی أی مجال من المجالات، فدلالته لا تخرج عن إحدى الحالات التالیه:
۱- یعتقد الممارس للعنف إنّه یمثل الشرعیه القانونیه أو الدینیه، فیتحرّک ضمن صلاحیاته القانونیه أو الشرعیه، ویکون من حقّه قمع الآخر واضطهاده بکل الوسائل المتاحه، بینما یصبح الآخر عندما یعلن قناعاته خارجاً على القانون أو الشریعه والدین، وبالتالی فهو یستحق کل ما یفعل به.
۲- یعتقد الممارس للعنف إنّه على حق فی متبنیاته الفکریه والعقدیه، أو إنّه حق مطلقاً والآخر باطل مطلقاً، ضال، کافر، منحرف یجوز قمعه وإرهابه، بل قتله والتمثیل به أیضاً. فالإختلاف هنا، أی فی وعی الممارس للعنف، لیس حاله مشروعه تقع بین جمیع البشر، وإنّما ضلال وإنحراف فکری أو عقدی أو دینی. وهذا یجد مصداقه الواضح فی الشخص الایدیولوجی الذی لا یخضع لمنطق العقل ولا یستسیغه، وإنّما هو دائماً مقموع تحت سقف ایدیولوجی لا یطیق الرأی الآخر، ویرفض مراجعه متبنیاته العقدیه والفکریه، فیلجأ للعنف عندما یحاصر من قبل خصمه الفکری أو السیاسی.
۳- للإستبداد، سواء کان سیاسیاً أو دینیاً، فرداً أو جهه، حزباً أو حرکه، دور أساس فی ممارسه العنف مع الخصوم السیاسیین والفکریین والدینیین، لأنّ المستبد لا یطیق الآخر، فکیف یطیق التجاهر بمخالفته؟ إنّ منطق الإستبداد یقتضی خضوع الجمیع للرجل المستبد، وعدم مخالفته فکریاً أو عقدیاً، بل وینحو المستبد مع الآخرین على أساس إنّه مطلق فی کل شیء وله الحق فی ممارسه أی شیء.
۴- لا ینفک العنف عن الدکتاتوریه بأی شکل، خلافاً للسلطه المستبده التی قد تمارس العنف أو لا تمارسه، إذ تقوم حکومه الدکتاتور بترکیز جمیع السلطات فی شخص الدکتاتور، فتلغى کل الضوابط القانونیه ما عدا إرادته، أو بالأحرى إنّ القانون هو إمتثال لإرادته ورغباته. من هنا نجد الدکتاتور یمارس العنف لأدنى شک أو شبه مع أی شخص أو جهه. فکل مَن تسول له نفسه معارضته أو التمرُّد علیه، سیکون مصیره السجن والتعذیب وربّما الإعدام، العنف بالنسبه له فعل متواصل.
۵- عندما تختفی لغه الحوار، یطغى العنف وتتضاءل فرص التسویه السلمیه على صعید النزاعات السیاسیه والعسکریه، کما تتعمّق الخلافات على المستوى الفکری والعقدی. بینما یسود التفاهم وتضییق هوه الخلافات إذا علت لغه الحوار وتلاشى العنف بین الأطراف المتنازعه.
۶- قد یلجأ البعض إلى العنف فی تحقیق أهدافه لعدم قدرته على ذلک سلمیاً، أو إنّه یضطر له لإنتزاع حقوقه المغتصبه.
۷- قد یکون منطلق العنف أعرافاً عشائریه أو تقالید إجتماعیه تفرض علیه موقفاً عنیفاً تجاه الخصم.
۸- تاره یُعبِّر العنف عن أزمه نفسیه تطرأ على الإنسان لأی سبب کان، فیمارس العنف من عقده فی لا وعیه تبیح له عمله.
۹- قد یعتقد الإنسان العنیف إنّ العنف أقصر الطرق لتحقیق أهدافه تعویلاً على قدراته العضلیه وقوته وتخطیه للقوانین والأعراف وعدم اهتمامه بتداعیاته.
۱۰- قد یجد الفرد فی العنف ذاته المفقوده، فیمارسه لتأکیدها، وانتشالها من واقع نفسی مریر مدمر طالما عانى منه، أو لیزیل عنها غبار الإهمال الإجتماعی والتهمیش الطبقی. فیشعر عندما یمارس العنف إنّه موجود فعلاً وله استقلالیه وقدره على اتخاذ القرارات وتنفیذها، بل وفرضها على الآخرین.

Leave A Reply

Your email address will not be published.