تنبؤات القرآن المستقبلیه
لقد تعامل المفسرون مع الظاهره کنتیجه جاهزه ونهائیه، دون القیام بعملیه تشریحیه لأدوات القضیه، وذلک من مضمون ونتائج وملابسات وظروف سائده وقیم حاکمه، ونحن هنا نحاول أن نستعرض جمله من هذه المقتربات.
قال تعالى: (سَیُهْزَمُ الْجَمْعُ وَیُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر/ ۴۵). نزلت هذه الآیه فی معرکه بدر، حیث تعد صراحه باندحار قریش وإنتصار المسلمین، وأن ذلک قریب ومؤکد!
قال تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِی أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَیَغْلِبُونَ * فِی بِضْعِ سِنِینَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَیَوْمَئِذٍ یَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ یَنْصُرُ مَنْ یَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِیزُ الرَّحِیمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا یُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ) (الروم/ ۲-۶)، والقصه فی هذه الآیه معروفه، فقد غلبت الفرسُ الروم فی معرکه مشهوره، وقد فرح لذلک المشرکون؛ لأنّ العقیده الفارسیه أقرب إلى ذوقهم الدینی، مما علیه أهل الکتاب، ولکن القرآن تنبأ بأن معرکه جدیده ستنشب بین الطرفین، وستکون الغلبه للنصارى، وان هذا واقع لا محاله من حصوله.
قال تعالى: (تَبَّتْ یَدَا أَبِی لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا کَسَبَ * سَیَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَهَ الْحَطَبِ * فِی جِیدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (المسد/ ۱-۵).
فإنّ هذه الآیه تنطوی ضمناً على تنبؤ مستقبلی غیبی مفاده القریب، ان أبا لهب وزوجه سوف لن یسلما إلى آخر لحظه من حیاتهما.
قال تعالى: (إِنَّا أَعْطَیْنَاکَ الْکَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّکَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَکَ هُوَ الأبْتَرُ) (الکوثر/ ۱-۳).
موضوع السوره هو الآخر معروف تاریخیاً، فإنّ العاص بن وائل عیَّر رسول الله (ص)، بأنّه مقطوع النسل، والقرآن هنا یطرح صوره مستقبلیه معاکسه تماماً، القرآن یُنبئ بإستمرار نسل رسول الله، وانقطاع أثر العاص بن وائل.
قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِکِینَ * إِنَّا کَفَیْنَاکَ الْمُسْتَهْزِئِینَ) (الحجر/ ۹۴-۹۵).
فی هذه الآیه الکریمه یأمر الله عزّوجلّ النبی بأن یبلغ الرساله، ویعده فی الحفاظ على حیاته الشریفه من شر الأعداء، ویؤکد له ان هؤلاء الأشرار، لا یملکون السبیل دون ظهور هذا الأمر العظیم.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِی فَرَضَ عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لَرَادُّکَ إِلَى مَعَادٍ…) (القصص/ ۸۵).
الآیه تبشر النبی الکریم بأنّه سوف یعود إلى مکه، الوطن الذی طرد منه، والذی طالما کان یتشوق إلیه، ویتطلع إلى رؤیته.
قال تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَیْتَ النَّاسَ یَدْخُلُونَ فِی دِینِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ کَانَ تَوَّابًا) (النصر/ ۱-۳).
القرآن فی هذه السوره الشریفه یؤکد ان مکه سوف تفتح، وانّ الناس سوف یدخلون فی رحاب الإسلام جماعات تلو جماعات.
یقول تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِکُمْ…) (آل عمران/ ۱۴۴).
إنّ الآیه تشیر بوضوح، إلى أنّ هذه الأُمّه سیعتریها نوع من الإضطراب بعد وفاه النبی الکریم (ص)، وانّ هذا الإرتباک یتصل بالعقیده، کما نفهم من مقدمه الآیه الشریفه.
قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْیَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُءُوسَکُمْ وَمُقَصِّرِینَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِکَ فَتْحًا قَرِیبًا) (الفتح/ ۲۷).
تخبر هذه الآیه المسلمین بأنّهم سیدخلون المسجد الحرام لتأدیه العمره بکل إطمئنان دونما حرب، حیث یؤدون المناسک کامله بحرِّیه کامله.
قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر/ ۹).
هذه الآیه القرآنیه الشریفه تنبئ بصیانه القرآن من التحریف، وتؤکد بقاءه سالماً حاضراً، لا ینال منه الضیاع أو التلف، انّه الکتاب المستمر.
قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِینَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِیثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُکِّرُوا بِهِ فَأَغْرَیْنَا بَیْنَهُمُ الْعَدَاوَهَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ وَسَوْفَ یُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا کَانُوا یَصْنَعُونَ) (المائده/ ۱۴).
فی هذه الآیه الشریفه یشیر القرآن الکریم إلى نوع العلاقات التی ستحکم طوائف النصارى فی المستقبل، وقد وصفها بالعداء المستحکم والبغضاء الدائمه إلى أن تقوم الساعه.
قال تعالى: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) (القلم/ ۱۶).
هذه الآیه نزلت فی حق المشرک العنید الولید بن المغیره، تتوعده بهذه السمه على أنفه، وهو من الشخصیات العربیه المعروفه فی العصر الجاهلی.
هذه مجموعه سریعه من الآیات القرآنیه التی تتنبأ بالغیب، بصوره مباشره سافره، أو بصوره غیر مباشره. وفی الحقیقه أن بعض هذه الآیات تطرح غیباً یتجاوز الحدث المجرد، فالقرآن فی قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ…) (الفتح/ ۲۷)، لا یعبر عن حدث ریاضی مفرد، انّه لیس مجرد دخول عادی، بل هو إضافه إلى ذلک قوه وعزه وأمن وإطمئنان، بل واندحار الخصم وإستسلامه وخضوعه، فالتنبؤ هنا ضخم فی موضوعه، کبیر فی أحداثه.
إنّ تنبؤ القرآن لیست مجرد حدث عابر بل هو فضاء. انّه حدث على مستوى خطیر من الأهمیه العقائدیه والتاریخیه والسیاسیه، محفوف بالوعد والوعید، مشحون بالإنتظار والتوتر والتطلع، یتوقف علیه مصیر عقائدی حاسم، إمّا الإندحار المطلق وإما الإنتصار المطلق.
ماذا نرید من کل هذا؟
إنّ التنبؤ امتحان… إختبار… معبر خطیر… وهو یکون إمتحاناً عسیراً إذا اقترن بالوعد والوعید، ولیس بالأمانی القلبیه المجرده، ویکون إختباراً قاسیاً، بل فی أقصى حدود القسوه، إذا جاء فی لغه الجزم والقطع، ولیس فی لغه الإحتمالات، وهو معبر زلق للغایه، إذا کانت کل المؤشرات أو معظمها لا تنسجم مع مضمونه، ومن هنا کانت التنبؤات القرآنیه جامعه لأصعب شروط الإمتحان، ولأخطر خصائص الإختبار، ولأدق معانی المخاطره… ان محمداً لیس معرضاً للتکذیب هنا إذا سقط التنبؤ، أو إذا تحقق بصوره مهلهه مشوشه، حیث یمکن تزییفه بشکل وآخر، أو جاء وهو یحتاج إلى لغه التأویل والتحمیل لإثبات المطابقه… انّ محمداً فی مثل الأحوال، لیس معرضاً للتکذیب فقط، بل هو معرض للهزیمه والإنهیار، وربّما إلى القتل، والقرآن عندما یتنبأ بهذه السعه من الأحداث والمدالیل، إنما یبرهن على أصاله تحدیه، ومن ثمّ تتضح تماماً ثقه محمد بنبوته.
– ما هو مصیر هذه التنبؤات القرآنیه؟
اندحرت قریش وحلفاؤها فی معرکه بدر، وکان الإندحار ضربه قاسمه لقریش وکبریائها، فیما کان الإنتصار عزه ومنعه للمؤمنین المستعفین، ونشبت معرکه جدیده بین الفرس والروم وانتصر النصارى إنتصاراً ساحقاً وعمت الفرحه المسلمین، وبقی أبو لهب وزوجه على کفرهما وعنادهما، وعانى رسول الله منهما الأذى الکثیر حتى آخر لحظه من حیاتهما، واستمر نسل رسول الله (ص) وانقطع نسل العاص بن وائل، وهذا هو الکتاب المبین تتناقله الصدور المؤمنه جیلاً بعد جیل، لا یقرأ أناء اللیل والنهار فحسب، بل هو محل عنایه ودراسه المؤمن والمنکر، ویکفی ان نعرف انّه الکتاب الذی سجل أعلى وأوسع درجات الإهتمام، وما کتب عنه یفوق ما کتب عن غیره من الکتب على الإطلاق، سواء سلباً أو إیجاباً، وقد حفظ الله النبی من أعدائه، ولم یدع هذه الحیاه إلا وقد قال ما عنده (.. الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإسْلامَ دِینًا…) (المائده/ ۳)، ودخل المسلمون المسجد الحرام مرفوعی الرأس، وقد أدوا مناسکهم بکل حرِّیه، وبثقه وإعتزاز، ولم یشهد التاریخ عداءً مستفحلاً کما هو بین النصارى، وتاریخ الحروب بین هؤلاء النصارى مستحکم قائم یتسم بالقسوه والغلظه، والعداوه بینهم عمت بشرورها البشریه بأجمعها، وأکبر شاهد على ذلک أنّ الحروب العالمیه بدأت منهم، وإذا استؤنفت فستکون منهم وبسببهم!، وهذا الولید قد وُسم على أنفه، حتى کان ذلک من علائم السخریه به على لسان قومه.
إنّ المسأله أعمق من أن تؤخذ النتیجه جاهزه، وتقرر على ضوئها، فهناک حقائق کثیره یجب أن تؤخذ بنظر الإعتبار.. ومن المسائل المهمه هنا هی نفس عملیه التنبؤ بالغیب، وذلک بالنسبه لمدعی النبوه، فهی بلا ریب مجازفه خطره، مجازفه إنتحاریه، رهان خاسر إلى درجه کبیره من الإحتمال، ولکن کل هذا یصح إذا لم یکن النبی متصلاً بالغیب فعلاً.
إنّ محمداً (ص) یدعی النبوه، وانّه أوحى إلیه بکل ما یدعیه ویقوله ویفعله، عقیده أو شریعه أو أخلاقاً أو خبراً أو وعداً أو وعیداً أو نبأً، ولذلک فإن أی تخلف فی هذا التنبؤ، وبأی درجه بسیطه، سیکون مدعاه للشک، ومدعاه للتکذیب.
کان بإمکان محمد أن یوکل کل الأمور إلى الله بشکل وآخر، وینقذ نفسه من مخاطر التنبؤ، وکان بإمکانه أن یصوغ هذه التنبؤات بلغه غامضه حتى یجد أکثر من طریقه للتفسیر. کان بإمکانه أن لا یتورط بتنبؤات صارخه حاده، ولکنه نبی حقاً، ولذلک کان واثقاً من کل ما یقول (ص).
لقد تنبأ القرآن وجاء الواقع مصدقاً بکل معنى الکلمه، وهذه میزه جوهریه للتنبؤ القرآنی على غیره، ذلک إن وجدت حقاً إمکانیه للتنبؤ بالغیب، فی نطاق الإستعداد البشری؛ لأنّ العلم الحدیث ینفی مثل هذه الإمکانیه، وأکثر المتنبئین تأتی تنبؤاتهم مطابقه للواقع، إما صدفه وإمّا أنها نتیجه إستنتاج من مقدمات خارجیه. وفی الحقیقه من الصعب جدّاً إیعاز صدق التنبؤات القرآنیه إلى الصدفه، أو إلى قدره فائقه على الإستنتاج، وذلک لما یلی:
أوّلاً: إنّ الصدفه لا تتکرر کثیراً کما هو معروف علمیاً.
ثانیاً: إنّ العوده إلى الظرف الخارجی لا تکون بإستمرار عاصمه من الوقوع فی الخطأ، خاصه فیما یتعلق بالأمور ذات الطابع الإجتماعی.
ثالثاً: انّ الکثیر مما تنبأ به القرآن الکریم – کما أسلفنا – لا تساعد علیه الظروف السائده فی حینه، ولا الممکنات المتوفره فی وقتها!
نستطیع أن نقول ان تنبؤات القرآن الکریم الغیبیه ذات طابع شمولی، أی تتسع لحالات وممکنات وصور متعدده.
* لقد تنبأ بمصائر أُمم وشعوب وأفراد.
* لقد تنبأ على قرب من الزمن ومتوسط منه وعلى بعد، وذلک فی نطاق المده الزمنیه التی استغرقتها نبوه الرسول الکریم.
* لقد تنبأ سیاسیاً وعسکریاً وعلمیاً.
* لقد تنبأ فی ظروف قوه وإنتصار وفی ظروف ضعف وقهر وترقب وخوف.
وفی الحقیقه انّ هذه الصفه مهمه تتصل بموضوع التنبؤ القرآنی، فهی لیست صیغه واحده، ولا فی مجال واحد، ولا فی أجواء مناسبه متشابهه، الأمر الذی یعزز هذه الظاهره القرآنیه ویضیف إلیها عناصر قوه أخرى، وذلک من حیث دلالتها على نبوه هذا الإنسان الکریم.
إنّ جمیع ما طرحه القرآن الکریم من التنبؤات کانت تحمل صفه الجزم المؤکد، فالقرآن الکریم لم یتردد فی تبشیر المؤمنین بالنصر أو فی دخول المسجد الحرام أو فی إصرار أبی لهب على الکفر أو فی إستحکام العداء والبغضاء بین النصارى، أو فی جبن الیهود وتشتت بنی إسرائیل فی بقاع الأرض (ضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّهُ أَیْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ…) (آل عمران/ ۱۱۲)، فهنا جزم وتوکید، ولم یطرح القرآن مجموعه إحتمالات فی نطاق تنبؤاته، وهذه من علامات ثقه محمد بنبوته، بل من علامات النبوه بالذات، على ما یلفت النظر حقاً فی هذا الموضوع، أنّ القرآن تنبأ بمستقبل لا تساعد الظروف ولا الممکنات على وقوعه، بل العکس هو المتوقع تماماً!
ترى أی علائم کانت تشیر إلى حتمیه إنتصار المسلمین على قریش؟
ترى أی ممکنات کانت تؤکد، ان محمداً سیحتفظ بحیاته سالماً طوال ثلاث وعشرین عاماً؟ بل وأی شواهد کانت تشیر، إلى تمکنه من إیصال کلمته والإستمرار بها؟
ترى أی دلائل کانت تنبئ ببقاء القرآن، سلیماً مصنوعاً من التحریف والتلاعب؟
ترى أی عوامل کانت تشجع على الإعتقاد الجازم، بأنّ المسلمین سیدخلون مکه منتصرین؟
العکس هو الذی کان متوقعاً!
وقد بذل الآخرون جهوداً مضنیه لإثبات العکس!
طبیعه الأشیاء من جهه وإراده الآخر من جهه أخرى.
کلاهما یرجحان الإحتمال المعاکس!
لقد بُذلت محاولات ضخمه لقتل الکلمه المحمدیه، ومحاولات اضخم لتحریف هذه الکلمه، وجیش الجاهلیه کان أضعاف المؤمنین فی معرکه بدر، حتى لا یمکن المقارنه.
ومع هذا وذاک…
جاء التنبؤ القرآنی طبق الواقع تماماً.