لا تفاضل ولا تفاخر فی الإسلام إلّا بالتقوى
إنّ العجب والتفاخر والمباهاه من الآفات الخطیره التی یمکن أن تصیب نفس الإنسان، فتصرفه عن الثناء على المنعم عزّ وجلّ، إلى طلب الثناء من الناس بما لا یستحق، وتشغله عن الإنکسار والخضوع لله الخالق بالتکبّر والتعالی على خلق الله. ولهذا قال رسول الله (ص): "ثلاث مهلکات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه"، وفی بیان خطوره تلک الآفات على الفرد والمجتمع تتحدّث الدکتوره رشیده عبد السلام.
وتستهل حدیثها موضحه أنّ من آیات الله عزّ وجلّ أن خلق الناس مختلفین فی کثیر من الأمور، فکلٌّ له طباعه وأخلاقه وتصرّفاته التی تختلف عن غیره. کما أنّهم لیسوا متساوین فی أنسابهم وأعراقهم وأوضاعهم المادیه وامتداداتهم الأسریه، قال تعالى فی (سوره الزخرف فی الآیه ۳۲): (… نَحْنُ قَسَمْنَا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِیَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِیًّا…)، ولله عزّ وجلّ حکمه فی ذلک، ولکن هذا الإختلاف لا یعنی أفضلیه أحد على أحد. فلیس الغنی بأفضل من الفقیر، ولا ذو الحسب والنسب بأفضل من ذی النشأه المتواضعه، لأنّ کلُّ ما یتمتع به المرء هو رزق من عند الله عزّ وجلّ یهبه لمن یشاء من عباده. والأفضلیه أساسها التقوى، التی تتضمّن کل معانی الخیر والصلاح فی النفس ومع الآخرین، إلا أنّ بعض الناس قد یجعل من نسبه أو وضعه الإجتماعی أو المادی مصدراً للفخر والمباهاه، وقد نهى دیننا الحنیف عن التفاخر والتعالی على الناس بسبب النسب، وجعله من بقایا الجاهلیه. قال رسول الله (ص): "أربع فی أمتی من خصال الجاهلیه لا یترکونهنّ: الفخر فی الأحساب والطعن فی الأنساب، والاستقساء بالنجوم والنیاحه". وفی صحیح مسلم أن رسول الله (ص) قال: "مَنْ أبطأ به عمله لم یسرع به نسبه".
إنّ للنسب مکانه بین الناس، لذلک لم یأت الإسلام بإلغائه نهائیاً، وإنّما دعا إلى تهذیبه وعدم التفاخر والتعالی على الناس بسببه. وما جعل الله الناس شعوباً وقبائل إلا لأجل أن یعرف بعضهم بعضاً بتمیز القبیله والجنس کالتمیّز بالاسم لا لأجل التفاخر، قال تعالى فی (الآیه ۱۳ من سوره الحجرات): (یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ).
– ألوان من التفاخر:
کما نهى الإسلام عن التفاخر والمباهاه بالمال، وبین أن ملکیته الحقیقیه لله عزّ وجلّ، فقال تعالى فی (الآیه ۲۸۴ من سوره البقره): (لِلهِ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأرْضِ…)، وأن الإنسان مستخلف فی ما خوله من فضله ومنحه من رزقه، قال تعالى فی (الآیه ۱۶۵ من سوره الأنعام): (… وَرَفَعَ بَعْضَکُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِیَبْلُوَکُمْ فِی مَا آتَاکُمْ…)، یقول ابن عطیه: لیختبرکم فی الذی أنعم به علیکم، أی امتحنکم لیختبر الغنی فی غناه ویسأله عن شکره، والفقیر فی فقره ویسأله عن صبره. وفی صحیح مسلم أنّ النبی (ص) قال: "إنّ الدنیا حلوه خضره، وإنّ الله مستخلفکم فیها فناظر کیف تعملون"، لذلک على المسلم ألا یفخر ولا یباهی الآخرین بماله، بل علیه أن یعرف أنّ الله عزّ وجلّ هو مَنْ وهب ومنح، وأن من واجبه الشکر وصرفه فی وجوهه الشروعه. قال رسول الله (ص): "لا تزول قدما عبد یوم القیامه حتى یسأل عن أربع: عن عمره فی ما أفناه، وعن جسده فی ما أبلاه، وعن علمه فی ما عمل به، وعن ماله من أین اکتسبه وفی ما أنفقه".
وهناک أسباب أخرى تدعو بعض الناس إلى المباهاه والتفاخر کالمنصب والعلم والجمال علماً بأنّ الله عزّ وجلّ هو المنعم علیهم بإیجادهم وإیجاد أعمالهم، فلا معنى لعجب عامل بعمله، ولا عالم بعلمه، ولا جمیل بجماله، إذ کل ذلک من فضل الله تعالى وإنّما الإنسان محل لفیض النعم علیه، وکونه محلاً لها نعمه أخرى تستوجب الشکر والخضوع.
ولنا فی رسول الله (ص) أسوه حسنه، فقد کان مثالاً فی التواضع: یرقع ثوبه بنفسه، ویحلب شاته، ویجلس على الأرض، ویصافح الغنی والفقیر.
– ثمار التواضع:
إنّ للتواضع وخفض الجناح ثماراً طیبه وآثاراً إیجابیه على الفرد والجماعه، کالتحابب والتکافل والتآخی ونظافه المجتمع من الحقد والکبر والأنانیه، قال رسول الله (ص): "لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وکونوا عباد الله إخواناً".
إنّ الإنسان الذی یلزم التواضع ویجعله دینه فی الحیاه تصدر عنه الخصال الحمیده من الرأفه والرحمه وحسن الخلق وسلامه الصدر، لذلک نجد الله عزّ وجلّ یعد المتواضعین الذین لا یقوم فی نفوسهم خاطر الاستعلاء والمباهاه بما أنعم الله عزّ وجلّ علیهم بقوله فی (سوره القصص الآیه ۸۳): (تِلْکَ الدَّارُ الآخِرَهُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِینَ لا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَهُ للْمُتَّقِینَ).
هکذا یتبیّن لنا أنّ الإسلام یمنع التفاخر الذی یؤدِّی إلى ازدراء الآخرین وإحتقارهم. أمّا الإعتزاز بما قدمه الأسلاف ومواصله طریقهم فی البذل والعطاء فمرغوب فیه، لأنّ المنهج الإسلامی هو منهج الوسطیه والإعتدال، لا یحرم الإنسان من أخذ حظه من متاع الدنیا، بل یحضه على ذلک ویکلفه به تکلیفاً کی لا یزهد الزهد الذی یهمل الحیاه ویضعفها، قال تعالى فی (سوره القصص فی الآیه ۷۷): (… وَلا تَنْسَ نَصِیبَکَ مِنَ الدُّنْیَا…).
فالمال والصحه والجمال والمنصب وعراقه النسب هبه من الله عزّ وجلّ وإحسان، على المرء أن یقابلها کذلک بالإحسان، إحسان التصرُّف فیها والشکر علیها مصداقاً لقوله تعالى فی (الآیه ۷۷ من سوره القصص): (وَأَحْسِن کَمَا أَحْسَنَ الله إِلَیْکَ…).