التضحیات على قدر التحدّیات
"هذا ما أوصى به الحسین بن علی بن أبی طالب إلى أخیه محمد المعروف بابن الحنفیه أن الحسین یشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له، وأن محمدا عبده و رسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنه والنار حق، وَأَنَّ السَّاعَهَ آتِیَهٌ لا رَیْبَ فِیها، وَأَنَّ اللَّهَ یَبْعَثُ مَنْ فِی الْقُبُور،ِ وأنی لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما و إنما خرجت لطلب الإصلاح فی أمه جدی أرید أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنکر و أسیر بسیره جدی و أبی"
ولکلّ نهضه إصلاحیه ثمنٌ لابدّ أن یُدفع، ومبلغ هذا الثمن تحدّده إرهاصات الواقع الذی یعیشه المصلِح، فکلّما کانت التحدّیات التی یواجهها المصلِح کبیره وضخمه کان العطاء وکانت التضحیات بقدرها، ومن خلال نظرتنا التأمّلیّه الى حجم البذل والعطاء الذی قدمه أبو الأحرار الإمام الحسین (علیه السلام) ندرک جلیّاً حجم النکوص والتخلّف الذی طرأ على نهضه الرسول الأکرم (صلّى الله علیه وآله وسلّم) من بعد وفاته الى استشهاد الإمام الحسین (علیه السلام).
لقد قدّم الإمام الحسین (علیه السلام) أصحابه واحداً بعد واحد، ثمّ ثنّى بأهل بیته (علیهم السلام) الأعزّ بعد العزیز، ثمّ قدّم نفسه الزکیّه، والجود بالنفس أقصى غایه الجود، ولم یقدّم نفسه هکذا مره واحده بل قدّمها أشلاءً، فهذا رأسه على الرمح وذاک إصبعه المبتور بالقرب من جثّته الشریفه التی رضّتها حوافر الخیل الأعوجیه فحوّلتها الى شِلْوٍ لم یستطع الإمام السجاد (علیه السلام) یوم دفنه لأبیه أن یجمع هذه الأوصال المتقطّعه إلاّ على حصیره ثمّ یدفنها، ثمّ سبی نسائه على النیاق الهزیله من غیر وِطاء أو غطاء علیها.
ولابدّ لنا أن ننظر الى هذه الثلّه بمنظار صحیح، فإنّ هذه النفوس التی زُهقتْ والتی رُوّعتْ والتی جُرحتْ لم تکن أیّ نفوس على الله وعلى الناس، بل هی خیره خلق الله على الأرض، وساده الناس طُرّاً، لنعلم أنّ المصیبه التی حلّتْ بأهل البیت (علیهم السلام) کبیره، وأنّ الفاجعه التی حدثتْ فی أرض کربلاء المقدّسه لم ولن نجد نظیراً لها.