استحاله الدور والتسلسل فی العلل
معنى التسلسل: أما التسلسل، فقالوا فی تعریفه: هو أن یستند الممکن فی وجوده إلى عله مؤثره فیه، وتستند تلک العله المؤثره إلى عله أخرى مؤثره فیها، وهلم جرا إلى غیر نهایه، کما جاء فی شرح المواقف. بمعنى أن تستمر العلیه والمعلولیه إلى ما لا نهایه أو حسب تعبیر الطباطبائی: هو ترتب العلل إلى ما لا نهایه.
برهان استحاله الدور: یذکر الطباطبائی هنا برهاناً على استحاله الدور، وهذا البرهان ینتهی إلى استحاله اجتماع النقیضین، لأنه فی الواقع کل المحالات تنتهی إلى التناقض. الدور هو توقف وجد شیء على ما یتوقف علیه وجوده إما بلا واسطه أو بواسطه، فمثلاً ((أ)) یتوقف على ((ب))، و ((ب)) یتوقف على ((أ))، هذا بلا واسطه. أما الدور بواسطه فمثلاً ((أ)) یتوقف على ((ب))، و ((ب)) یتوقف على ((ج))، و ((ج)) یتوقف على ((د))، و ((د)) یتوقف على ((أ))، وهذا هو الدور المضمر. وهو یستلزم فی النتیجه توقف وجود الشیء على نفسه فی کلیهما، سواء کان الدور مصرحاً أو مضمراً. أی توقف وجود ((أ)) على ((أ))، وإذا توقف وجود ((أ)) على ((أ)) یلزم من ذلک أن یتقدم ((أ)) على ((أ))، فیتقدم الشیء على نفسه بوجوده، لأن وجود العله متقدم على وجود المعلول بداهه، وإذا تقدم وجود الشیء على نفسه یلزم أن یکون الشیء موجوداً وغیر موجود، وهذا هو التناقض. أی یکون الشیء متقدماً ومتأخراً، عله ومعلولاً، ولا یمکن أن یکون الشیء علهً ومعلولاً، متقدماً ومتأخراً من جهه واحده. وهذا یعنی اجتماع النقیضین، وهو محال بالبداهه.
أسد البراهین على استحاله التسلسل:
أما استحاله التسلسل فالطباطبائی یقدم لنا أکثر من برهان، الأول هو البرهان المشهور بین المشائین.
وملخص هذا البرهان هو: إذا فرضنا معلولاً وعله نفترض ((أ)) معلولاً و ((ب)) عله، ثم فرضنا عله لهذه العله ((ب)) ولتکن ((ج))، فهذه الثلاثه کل واحده منها ((أ)) و ((ب)) و ((ج)) له حکم یختص به، وهذا الحکم ضروری الثبوت بالنسبه إلیه. أما بالنسبه إلى ((أ)) فهو معلول فقط. وأما بالنسبه إلى ((ب)) فإنه عله ومعلول، هو عله إلى ((أ)) ومعلول إلى ((ج))، ولا مانع من أن یکون الشیء عله ومعلولاً من جهتین، أی عله لما تحته ومعلولاً لما فوقه. ((ج)) الذی هو عله إلى ((ب)) هو عله فقط. وهذه الحلقات الثلاث کل واحد منها له حکم، وهذا الحکم ضروری الثبوت له، أی لازم وثابت وواجب له. أما ((أ)) فهو معلول فقط، وأما ((ج)) فهو عله فقط. وأما ((ب)) فهو عله إلى ((أ)) ومعلول إلى ((ج)). فحینئذ الذی یکون معلولاً فقط وهو ((أ)) سیکون طرفاً نازلاً، والذی هو عله فقط سیکون طرفاً آخر علویاً، والذی یکون عله ومعلولاً ((ب)) سیکون وسطاً بین الطرفین، فإذا فرضنا أننا زدنا هذه الحلقات، أی أ، ب، ج، د، فیکون عندنا، ((أ)) معلولاً علته ((ب))، و ((ب)) معلولاً علته ((ج)) و ((ج)) معلولاً علته ((د))، فیکون ((أ)) معلولاً فقط، و ((ب)) عله ومعلولاً، عله إلى ((أ)) ومعلولاً إلى ((ج))، و ((ج)) عله ومعلولاًن و ((د)) عله إلى ((ج)) فقط. فسیکون لدینا طرفان، من جهه ((أ)) معلول فقط، ومن جهه ((د)) عله فقط. أما ((ب)) و ((ج)) فکل منهما عله من جهه ومعلول من جهه أخرى، وکل حکم لهذه الأطراف والوسط، هو حکم ضروری الثبوت له، أی واجب له. ولو ازدادت هذه الحلقات من أربع إلى خمس أو ست أو سبع أو عشر أو مئه أو عشره آلاف، فدائماً سوف نجد طرفین أحدهما عله فقط، والآخر معلولاً فقط، وفی الوسط سیکون دائماً عله ومعلول عله لما تحته ومعلول لما فوقه. فإذا فرضنا أن هذه السلسله حلقاتها غیر متناهیه عند حد، بل تسیر إلى ما لا نهایه، فسیکون عندنا من جانب ((أ)) معلول فقط، أما ما بعد ((أ))، ((ب))، ((ج))، ((د))، فکل منها سیکون عله ومعلول، أی کل منها سیکون وسطاً، وهذا الوسط غیر محصور بین طرفین، لأننا افترضنا فی الطرفین أن یکون الطرف الأعلى عله فقط، والطرف الأدنى معلولاً فقط، والمحصور فی الوسط یکون عله ومعلولاً، ولکن هنا ستکون الحلقه الأولى ((أ)) معلوله لما فوقها، أما کل ما هو فوقها ـ باعتبار التسلسل إلى ما لا نهایه ـ سیکون وسطاً، ولا وجد لعله فقط فی نهایته، أی فی أعلاه، وهذا یؤدی إلى أن یکون عندنا وسطاً بدون طرف، وهو محال أن یتحقق الوسط بلا طرف، لأنه سیکون فی الواقع وسطاً ولیس بوسط، فیلزم من ذلک التناقض، لأننا نفترض الوسط أن یکون محصوراً بین حلقتین، حلقه دنیا معلوله فقط، وحلقه علیا عله فقط، وهذا غیر موجود، لأنه إذا کانت هناک حلقه علیا فلا تسلسل، بل یقف التسلسل عندها فصار غیر وسط، بینما هو فی الواقع وسط، فیکون وسطاً ولیس بوسط، وهذا تناقض وهو محال. إذاً التسلسل محال.
برهان آخر على استحاله التسلسل:
البرهان الثانی یبتنی على أن وجود المعلولات دائماً وجود رابط بالنسبه للعله، فإذا فرضنا وجود علل لا متناهیه، أی أن سلسله العلیه والمعلولیه لم تقف عند عله فی الطرف الأعلى، فهذا یعنی أن هذه المعلولات التی وجودها وجود رابط، ستکون موجوده ومتحققه من دون أن یکون هناک وجود نفسی مستقل تقوم به، والوجود الرابط لا یمکن أن یقوم بذاته بل لابد أن یکون دائماً مستند إلى غیره، وقائماً بغیره، أی بالوجود المستقل.
وعلى هذا الأساس إذا لم نفترض عله نهائیه فیلزم من ذلک أن تکون الوجودات الرابطه موجوده بلا وجود نفسی تقوم به وهذا محال، لأن الوجودات الرابطه لا توجد قائمه بذاتها بل بوجد نفسی تقوم به. کالصوره الموجوده فیا لنفس، فإن وجودها وجود رابط، أی لولا وجد النفس لما وجدت الصوره، کذلک وجود المعلولات، أی عالم الإمکان فإن وجده وجود رابط بالنسبه إلى وجود الواجب تعالى، وتحقق الوجود الرابط یعنی وجود الوجود المستقل الغنی.