البصیره فی العمل

0

لا یُراد من العامل فی هذا الخبر عاملٌ خاصّ، بل مطلق العامل الصادق على کلّ من یقوم بفعل من الأفعال مهما عَظُم أو صَغُر.. 

فالطالب على مقاعد دراسته عاملٌ، والأستاذ على منبر تدریسه عاملٌ، والمزارع الکادّ فی حقله عاملٌ، والسیاسیٌّ القائم على خدمه مجتمعه عاملٌ، والمرابط فی متراسه یذبُّ عن حیاض الإسلام والمسلمین عاملٌ، کما أنَّ العابد والسالک فی درجات القرب إِلَى الله عاملٌ…
عموماً: ما مِنْ فعلٍ من الأفعال التی تصدر من الإنسان، إِلَّا ویصدق عن طریقه على فاعله أنَّه عاملٌ… 

والخبر المتقدّم یصنِّف العامل إِلَى صنفین:
ـ عاملٌ على غیر بصیرهٍ…
ـ وعاملٌ على بصیرهٍ…
ویتمیّز الصِّنف الأوّل بالضلال والابتعاد عن جاده الصّواب من جههٍ، وعدم وصوله إِلَى مبتغاه من جههٍ أُخرى. 

وکثیراً ما یحاول هذا الصِّنف ـ إذا التفت إِلَى عدم تسلُّحه بسلاح البصیره المناسب مع العمل الَّذِی یقوم به ـ أنْ یجبر ضعفه هذا عن طریق الإسراع فی العمل؛ ظناً منه أنَّه بإسراعه یجبر ضعف سلاحه ویصل إِلَى مبتغاه، ولکن هیهات!! فإنّ سرعه السیر لن تزیده إِلَّا بعداً. 

وما أجمل التشبیه الوارد فی الخبر! حیث شبّه هذا العامل المتجرّد عن البصیره، والمسرع فی سیره، بالسائر على غیر الطریق، ووجه الشبه والاشتراک بینهما أنَّ السرعه فی کلا الحالتین لن تزید العامل إِلَّا بعداً عن المبتغى والهدف والمقصد. 

وأمّا الصِّنف الثانی، المتسلّح بسلاح البصیره، فإنّه یکفیه للوصول إِلَى مقصده ومبتغاه أنْ یعمل على وفق بصیرته، وهی قد تقتضی التأنِّی فی السّیر تارهً والإسراع تارهً أُخرى.

أدوات البصیره فی العمل:
الکلام هنا عن البصیره العامّه التی یحتاج إلیها کلّ عامل مهما کان عمله، ولا نتکلّم عن الخصوصیه الناشئه من خصوصیه فی کلّ عمل. 

وعلیه، فالبصیر هنا: هو ذلک العامل الَّذِی یتمیّز بثلاث خصال رئیسیه:
الأُولى: العلم والمعرفه ووضوح الرُّؤیه، ولا بدّ أنْ یکون ذلک على مستویات مختلفه:
۱٫ العلم بالهدف.
۲٫ العلم بالطریق الموصل إلیه.
۳٫ العلم بنقاط الضعف والقوّه الموجوده عند العامل.
۴٫ العلم بالفُرص الخارجیه التی تساعده على الوصول إِلَى هدفه.
۵٫ العلم بالتهدیدات التی تمنعه عن البلوغ إِلَى مقصده. 

وهذا المعنى هو ما قصده العلماء الَّذِین وضعوا قواعد التخطیط الاستراتیجی، فإنّ معرفه العوامل الداخلیه فی الإنسان، والمنقسمه إِلَى عوامل ضعف وقوّه، ومعرفه العوامل الخارجیه المنقسمه إِلَى فرصٍ وتهدیدات، یعتبر من أهمّ الخطط الاستراتیجیه الرائجه، والتی تختصر باللغه الإنکلیزیه بقولهم: (Swot Analysis)، وتعنی: التحلیل على طریقه سوات، و (Swot) هذه مختصر للعوامل الأربعه الداخلیه والخارجیه، فالحرف الأول اختصار لکلمه (Strength) أی: القوه، والثانی اختصار لکلمه (Weakness) أی: الضعف، والثالث اختصار لکلمه (Opportunities) أی: الفرص، والرابع اختصار لکلمه (Threats) أی: التهدیدات. 

والتحلیل على هذه الطریقه یعنی: أنْ یدرس العامل قبل شروعه فی العمل نقاط القوّه الموجوده لدیه، ویقایسها مع نقاط الضعف. ثمّ یلتفت إِلَى المحیط الَّذِی یعیش فیه؛ لیرى الفرص التی یکون استغلاله لها موجباً للنجاح فی العمل، والتهدیدات التی تقف عائقاً أمام الوصول إِلَى الهدف. ثمّ یقایس بینها، فإذا کانت الکفّه الراجحه فی جانب الضعف والتهدیدات، فلا بدّ له من أنْ یغیّر موقعیته، أو ینتظر تغیّر الشرائط والظروف، وهکذا… 

الثانیه: أنْ یکون لدیه الأدوات اللازمه للعمل. فالمزارع الَّذِی درس فنّ الزراعه وأتقنه، ومن خلال ذلک تعرّف على نقاط الضعف والقوّه التی لدیه، وصار خبیراً بالفرص الموجوده فی الأرض والمناخ، ولم یغفل عن التهدیدات الخارجیه، لن یستطیع أنْ ینتج ثمرهً واحدهً إذا لم یکن لدیه أرضٌ ومحراثٌ وبذرٌ وغیر ذلک من الأدوات اللازمه. 

الثالثه: الخبره فی التطبیق، فالفقیه الَّذِی اجتهد فی أحکام الأموات من التغسیل والتکفین والدفن وغیرها، إذا لم یکن قد رأى میّتاً فی حیاته، ولم یمارس تغسیله ودفنه، لو أُعطی له السدر والکافور والماء، والقطع الثلاث للتکفین، وغیرها من أدوات تجهیز المیّت ودفنه، فإنّه سوف لن ینجح کنجاح ذلک العامیّ الَّذِی حفظ الأحکام الَّذِی اجتهد فیها ذلک العالم نفسه، وکان خبیراً ممارساً فی تطبیقها. 

کما أنَّ الاجتهاد نظریاً فی أحکام الذباحه، مع توفّر الشاه والسکین لدیه، لن یکفی ذلک لیکون قصّاباً ناجحاً. 

ومن جمیع ما تقدّم یتضّح لنا أنَّ صادق آل محمد صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین، یدعو من خلال الحدیث المتقدّم فی صدر المقال إِلَى التسلُّح قبل العمل بالعلم بکلّ ما نحتاج إلیه فی أعمالنا، سواء على مستوى النظریه أم على المستوى العملی.
والحمد لله أوّلاً وآخراً…

Leave A Reply

Your email address will not be published.