بناء مجتمع متماسک فی ظل المنهج القرآنی
وأقول إلى ما هو الأفضل، لأنّه لیس کل تطور یکون سلیماً، وأخذ کلمه التطور على إطلاقها کما یعنُّ للمأخوذین ببهرج الغزو الفکری أن یأخذوها، دون النظر المتبصِّر فیما یراد منها، وتاریخ وجودها عند غیرنا نتیجه ملابسات معینه، لیس أقلَّها فصل الدین عن الدوله، وما کان موقف الکنیسه من العلم. ثمّ الدعوه إلى أن یکون الأخذ بها عنوان التقدم والرقی، والانعتاق من ربقه التخلف، ویعنون بذلک الإیمان بوحی السماء والغیب وما إلى ذلک. وقل مثل ذلک فی الدعوه إلى ما یسمونه "التحدیث" على إطلاقه؛ لأنّه یجمع بینهما جنوح مشبوه إلى التحلل من الثوابت فی الکتاب والسنه، ومحاوله تفسیر التاریخ والوقائع تفسیراً مجافیاً للحقائق التی یشهد لها الوحی.
والمسلم مدعو إلى أن یطوِّر أسالیب العمل والحرکه، وأن یأخذ بالوسائل التی هی من ثمار العلم – والتی یصل – بعون الله – من طریقها إلى التمکین للإسلام وأهله فی الأرض، بما لا یتعارض مع شیء من الکتاب والسنه ومفهوم أئمه الهدى والعلم منهما – لأنّ الحق من عند الله لا یعتیریه شک فی نفس المؤمن، والإسلام دین الله، والکون والإنسان والحیاه من خلق الله.
وذلکم – دائماً – هو الطریق السلیمه فی مزاوله عملیه البناء الکبرى بتعدد میادینها والحاجات المتجدده الطارئه فی المجتمع، بحیث یستفاد من التجربه ومن النتائج التی یصل إلیها العلم التجریبی وغیره، دونما عدوان على الأصاله وحقیقه الانتماء إلى الرساله الخاتمه التی جعلت – کما أراد الله تعالى – من أُمّه الإسلام خیر أُمّه أخرجت للناس، وهداها الله إلى عماره الأرض وبناء الحضاره الإنسانیه فی ظل العبودیه الحقه له، وسخر لها ما فی الکون جمیعاً، بمنهج شامل کامل متوازن مبرأ من تلک الثغرات – وما أکثرها – التی تعانی منها الحضاره المادیه الراهنه فی المنهج الذی قامت علیه.
أقول هذا – والحدیث موصول – بعطاء الآیه الحادیه عشره من سوره الحجرات التی یحسن تجدید الذکرى بها، وهی قول الله تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا یَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ یَکُونُوا خَیْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ یَکُنَّ خَیْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَکُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإیمَانِ وَمَنْ لَمْ یَتُبْ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات/ ۱۱).
وقد سبق أن أشرت إلى دلاله الآیه – بالنهی القاطع – عن السخریه بالآخرین وازدرائهم، سواء کان ذلک على صعید الأفراد أو الجماعات.
ولا یرتاب منصف فی أن تنزه المجتمع المؤمن عن هذه الخصله الذمیمه مدعاه إلى الصفاء النفسی والتماسک والتآزر، والإفاده من الطاقات الفاعله، فی إطار من التعاون المثمر بین أفراد المجتمع على اختلاف الطاقات والقدرات، وتآزرهم على کل ما فیه سلامه هذا المجتمع وتنمیه فاعلیته لتحقیق رساله الإسلام، وتسامی القدره الذاتیه عند الجماعه، والسیر بها نحو بنیه حضاریه لا یعوزها انتقاء والشمول.
ثمّ جاء النهی الجازم فی الآیه أیضاً عن أن یلمز بعض المسلمین بعضاً بالتنقُّص والالتماس للبرءاء العیب. وعندما یطعن بعض المسلمین ببعض، فقد طعنوا أنفسهم لأنهم إخوه، وهذا من أسوأ عوامل التخلخل والضعف، وقد یرتدُّ على ذلک البعض، طعنه لأنّ العیب فیه ولیس فی إخوانه.
وتقریر هذه الحقیقه حقیقه أنّ الأخوه الإیمانیه تجعل من إیذاء الأخ لأخیه إیذاءً لنفسه لأنّ المؤمنین کالجسد الواحد إذا اشتکى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر – کما جاء فی الحدیث الصحیح – هذه الحقیقه تنوّعَ فی القرآن التعبیر عنها فی عدد من المواطن؛ من مثل قول الله جلّ ثناؤه: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَکُمْ إِنَّ اللَّهَ کَانَ بِکُمْ رَحِیمًا) (النساء/ ۲۹). (وَلا تَأْکُلُوا أَمْوَالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْبَاطِلِ) (البقره/ ۱۸۸). حیث جاء الخطاب بردِّ الضمیر إلى الجماعه، فقتل المسلم المسلم – لا سمح الله – قتلٌ لنفسه بالمآل، وأکل المسلم مال المسلم بالباطل اعتداء على ماله هو.. وهکذا.. ولذلک قال تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَکُمْ) وإن کان للمعنى وجه آخر – کما ذکرت آنفاً – ولا تعارض.
والحق أن بناء المسلم على هذه الحقیقه یشعر بمزید من المسؤولیه عن حراسه القیم التی تحکم المجتمع، وتضمن قابلیته للعطاء، بعیداً عما یعکر صفو العلاقه بین الأخ وأخیه أو بین جماعه وجماعه أخرى من المسلمین وهم یعملون لتحقیق غایه کریمه واحده.
ذلک بأن ذلک یشعر الجماعه بوحدتها، وإشعار الجماعه بوحدتها – وأعنی بذلک جماعه المسلمین – ینمی فی نفس المسلم أیضاً إدراک أن إیذاء الفرد إیذاء للجماعه، فلمز الفرد والطعن علیه لمز للجمیع، وأکل ماله بالباطل عدوان على الجمیع، ناهیک عن العدوان بالقتل أو غیر والمعاذ الله!!.