مکامن القوه فی شعارات وقضایا الثوره الإسلامیه
عندما نقف على الثوره بمفهومها الإسلامی نجدها تختلف تماماً عن المنحى الذی قد اتخذته الثورات فی عصرنا هذا، ذلک أن الثوره بالمنظار الإسلامی لیست مجرد انفعالات غضبیه وعواطف جیاشه تجتمع عند زمره من الناس فتحرکهم نحو الهدم والتمرّد.
وإنما الثوره الإسلامیه هی رؤیه شامله للکون والإنسان والحیاه، وخطه مؤسسه لبناء المجتمع والدوله والحکم، تنطلق من واقع الظلم والاضطهاد مستفیده من معاناه المستضعفین لتسطر النصر وتحق العداله ضمن مجموعه کبیره ومنیره من القیم والمبادئ والعقائد، یجمعها عنوان واحد وشعار واحد، هو الإسلام المحمدی الأصیل، ذاک الدین الذی سیأتی یوم یعم فیه أرجاء المعموره، قال تعالى: (هو الذی أرسل رسوله بالهدى ودین الحق لیظهره على الدین کله ولو کره المشرکون).
هذه الخصائص الفریده إن قدر لها أن تجتمع فی ثوره من ثورات هذا العصر، فلیس سوى الثوره الإیرانیه المبارکه، تلک الحرکه الإعجازیه التی لم تکتفِ بإعطاء دروس فی الإبداع والشجاعه والإقدام والتضحیه، وإن کانت هذه بحد ذاتها میزات لافته فی نهجها وأهدافها. وإنما میزها أیضاً کونها رؤیه واقعیه شامله، مفعمه بالروح الثوریه، مشربه بالتدبیر والعقلانیه، تعکس عمق الدین وروح الإسلام، حملت شعار (القیام لله لا یعرف الخسران) وآمنت به، فکان لها ما وعد الله، قال تعالى: (إن تنصروا الله ینصرکم ویثبت أقدامکم).
العنوان دائماً ما یحکی هویه صاحبه ویفصح عن نوایاه، وقد التفتت الثوره الإسلامیه إلى هذا الأمر ووعته جیداً، فکان أن أطلقت شعارات رؤیتها الثوریه من قبیل (الانتصار للمستضعفین)، (قطع ید أمریکا والاستکبار)، (إزاله إسرائیل من الوجود)، (الوحده بین المسلمین)، (لا شرقیه ولا غربیه جمهوریه إسلامیه).
إن التأمل فی مضامین هذه الشعارات لا جرم یقودنا إلى حقیقه مهمه وهی أن قیاده الثوره قد نجحت فی السیطره على قلوب جماهیرها وتجییشهم، ذلک أن کل هذه العناوین تتخذ طابعاً واسعاً وشمولیاً، فالوحده لا تحاکی فئه دون أخرى، والاستقلال عن التبعیه الغربیه لیست من مصالح فئه خاصه، أضف إلى ذلک أنّ کل واحد من هذه العناوین یشکل فی نفسه قضیه أساسیه من قضایا المسلمین کالوحده وإزاله إسرائیل وإقامه نظام إسلامی شامل.
وبالفعل فقد باتت هذه العناوین فی بعضها واقعاً ملموساً، وفی بعضها الآخر طموحاً ما یلبث أن یتحقق، والفضل فی ذلک کله یعزى إلى ثلاث رکائز أساسیه، هی: ربانیه الثوره، ووضوح الهدف، وإخلاص الشعب.
وإذا قدّر للثوره أن تسجل هذا النجاح الباهر، فذلک إنما هو بفضل العمق فی التخطیط والدقه فی التنفیذ التی تمتعت بها قیاده الثوره، ونعرض فیما یلی أهم تلک المزایا:
أولاً: دقه التخطیط وسلامه النهج: ویتجلى ذلک فی جمیع المراحل الزمنیه التی عایشتها الثوره، حیث استطاعت بتخطیطها العلمی أن تصنع الحدث، وتبادر بالمفاجآه، فأفقدت العدو زمام المبادره وسببت له إرباکاً على الساحه العملیه.
ثانیاً: الترکیز على المصلحه العامه وعدم الاعتناء بالمصلحه الشخصیه، ویکفی شاهداً لذلک ما جرى لقائد الثوره آنذاک الإمام الخمینی (قده) عندما تم نفیه إلى ترکیا، حیث کان الهدف الحقیق لهذا النفی هو عزل الإمام نهائیاً عن طریق وضعه فی بیئه لا تساعده على إکمال مسیرته، ذلک أن ارتداء الزی الخاص للعلماء محظور فی تلک الدوله خارج إطار المؤسسه الدینیه. إلاّ أن الإمام لم یقف عند هذه الشکلیات فبادر من نفسه إلى ارتداء الزی المحلی، الأمر الذی سهّل علیه المهمه ویسّر له التردد إلى الأماکن التی یرید، محوّلا بذلک هجمه العدو إلى ضربات تتوالى على رؤوسهم.
إن هذه الحادثه تنّم بالفعل عن قدره قیاده الثوره على التکیف مع الظروف الحالکه، والاستفاده من نقاط الضعف وتحویلها إلى نقاط قوه زفرص سانحه.
ثالثاً: الترکیز على القضایا الأساسیه:
لقد عرفت قیاده الثوره أنّ تناول جمیع القضایا من أخطار وتهدیدات وأهداف ومصالح، والاستغراق فیها جمیعاً کفیل بأن یستنفذ الوقت ویبدد جهود الثوره وإمکاناتها، ولذلک عمدت إلى تخطیط استراتیجی فذ یقضی بالترکیز على مجموعه قلیله من القضایا التی لا تتجاوز أصابع الید الواحده.. قضایا یمکن ربطها بجمیع القضایا والمشاکل الجزئیه الأخرى المطروحه، ومنها: إسقاط النظام باعتباره بؤره الفساد وعمیل الغرب والاستکبار فی المنطقه. ومنها: قطع ید أمیرکا وباقی دول الاستعمار عن إیران, واعتبار النفوذ الأمریکی فی المنطقه السبب الأول فی مآسی الشعوب المستضعفه.
ومن تلک القضایا أیضاً: الترکیز على إسرائیل الغده السرطانیه، وکذا الترکیز على أهمیه بناء دوله إسلامیه عادله، باعتبارها حلم الأنبیاء وهدفهم الأقصى. ومنها: اعتبار التحرر من التبعیه الثقافیه للغرب ضروره ملحه، کیف لا، وصلاح المجتمع لا یکون إلاّ بعد صلاح الفرد، وعندما یتحوّل الناس إلى أناس مستقیمین، فإن العشرات من القضایا سوف تحل تبعاً لذلک.
والیوم، إذ نقارن تلک العناوین والشعارات التی اتخذتها الثوره بما تحقق منها، وما هو قریب من التحقق، لا یمکننا إلاّ أن نقف وقفه إجلال لشخصیه هذه القیاده، وإن رؤیتها الثوره وتخطیطها الاستراتیجی الدقیق لا یمکن أن تزیدنا إلاّ روعه وتعجباً.