دور الإعلام فی بناء مجتمع مقاوم

0

بعدما أثبتت سائر الخیارات فشلاً ذریعاً، ووصلت بأجمعها إلى حائطٍ مسدود لا یمکن اختراقه، لم یبقَ أمام هذه الأمّه، العربیّه والإسلامیّه، إلّا خیار واحد، لا ثانی له، وهو خیار المقاومه والممانعه..
فلقد أثبت خطّ المقاومه جدواه بوصفه الخیار الأوحد والحلّ الأنجع لتتخلّص الأمّه من أکبر مشاکلها، ومن أهمّ أسباب انتکاسها وتراجعها، أعنی به: قیام دویله "إسرائیل" الغاصبه على أرض فلسطین العربیّه المسلمه. جاء هذا بعد فشل مسارات التفاوض والتسویه ومبادرات السلام و..، وبعدما ما رأیناه مؤخّراً، بدءاً من تمّوز العام ۲۰۰۶ عندما شنّت "إسرائیل" عدوانها على لبنان، مروراً بعدوان ۲۰۰۸ ـ ۲۰۰۹ على قطاع غزّه، ووصولاً إلى العدوان الأخیر على القطاع.. 

ففی هذه الحروب العدوانیّه الثلاثه، کان جیش الاحتلال الإسرائیلیّ هو من بدأ الحرب والقتال، وکان هو من احتاج إلى التفاوض والتسویه، وکانت المقاومه ـ دائماً ـ هی من تخرج من الحرب منتصرهً فائزه.. وفی الحروب الثلاثه أیضاً، کان دعاه التفاوض والتسویات الاستسلامیّه المذلّه (محور الانهزام العربیّ)، هو من یقف متفرّجاً، لا یحرّک ساکناً، ولا یستطیع إلّا أن یذرف دموع التماسیح، بعدما لم یبقَ فی وجهه ماء ولا کرامه!!
فهذه الحروب الثلاثه، شکّلت وتشکّل دلیلاً قاطعاً على عدم جدوائیّه کلّ الخیارات الاستسلامیّه الأُخرى، على فرض صدق أصحابها فی تبنّیها!!
فالأمّه الیوم، أمام خیارٍ وحید لا ثانی له، کما قلنا، وهو متمثّل فی خیار المقاومه العسکریّه المسلّحه.. 

غیر أنّ خیار المقاومه هذا لا یمکن له أن یؤتی أُکله ما لم یتحوّل إلى ثقافه، وإن شئت فقل: ما لم یبتنِ وعی هذه الأمّه على أساس ثقافه المقاومه والجهاد والممانعه.
ومن هنا، تبرز الحاجه ـ ماسّهً وملحّهً ـ إلى الترکیز على البناء الثقافیّ والمعرفیّ لأبناء المجتمع الحاضن للمقاومه، وهو ما یفرض على النخب الثقافیّه والفکریّه فی المجتمع الانخراط فیما یمکن لنا أن نسمّیه (مشروع المقاومه الثقافیّه والفکریّه). وهو مشروع یقوم على تعمیق الفکر المقاوم، والتأصیل له معرفیّاً وفکریّاً، وصولاً إلى نشر ثقافه المقاومه، وجعلها تنفذ عمیقاً من السطح إلى جمیع شرائح المجتمع، أی: إلى عقول الجماهیر وعامّه الناس وأفکارهم وقلوبهم ومعتقداتهم ومواقف حیاتهم الیومیّه.. 

والذی ینبغی الشروع به بدایهً فی هذا المشروع، هو الکفّ عن الاستمرار بالترویج للثقافه الأمریکیّه والغربیّه، والعکوف على إعاده صیاغه خطابٍ جدید یعبّر عن واقع الأمّه، وتطلّعات شعوبها، واحتیاجات أبنائها، وبشکلٍ یکون منسجماً تماماً مع أصاله هذه الأمّه، وحضارتها، وتاریخها.
 
ولعلّ أُولى الوظائف والمسؤولیّات الملقاه على عاتق النخب فی بلادنا العربیّه والإسلامیّه هو التصدّی لمروّجی الثقافه الأمریکیّه، والحضاره الغربیّه، ممّن یحاولون أن یصبغوا بلادنا بصبغتها، ویصوّرون الأمر لشعوبنا وکأنّه لا حیاه لهذه الأمّه إلّا من نافذه الرضا الأمریکیّ والغربیّ. 

وبرأیی، فإنّ هذه الثقافه الأمریکیّه، التی لا یصلنا منها ـ طبعاً ـ وجهها العلمیّ، أو الفکریّ، أو الحضاریّ، بل لا یصلنا منها إلّا وجهها المتهتّک، المتحلّل من القیود، الضارب عرض الجدار بکلّ الأخلاق والقیم، تمثّل الیوم جزءاً من الحرب الناعمه التی تشنّها أمریکا، وأعوانها، على أمّتنا، وبلداننا، هی فی حقیقه الأمر شکل من أشکال الاستعمار، یمکن لنا أن نطلق علیه اسم: الاستعمار الناعم!! حیث تتسلّل هذه الأفکار المتحلّله إلى نفوس شبابنا، وعقولهم، إلى بیوتنا، وعائلاتنا، بلطفٍ، ویسرٍ، ونعومه، مع المنتجات الاستهلاکیّه الأمریکیّه، التی بتنا ندمنها إدماناً، بل بتنا الیوم نعیش تلک العادات، وتلک الأنماط من السلوک الشوارعیّ الأمریکیّ، والتی تساهم جمیعها فی تدمیر وعینا المقاوم.
 
لم یعد مقبولاً الیوم قتل الإحساس بالأمّه، والشعور برابطتها وتکتّلها، ولم یعد مقبولاً هذا الإصرار من قبل البعض فی مجتمعاتنا على قتل الروح المعنویّه للأمّه، من خلال إشاعه روح الإحباط والیأس وثقافه الفشل والهزیمه والاستسلام بین أفرادها وجماعاتها.
وفی هذا السیاق، ما تحتاجه الأمّه فی بناء وعیها المقاوم، هو العمل على تنقیه المفاهیم والمصطلحات المتدوله فی وسائل الإعلام، وفی سائر الأدوات الثقافیّه، وإعاده صیاغتها حیثما تحتاج إلى صیاغه، وتطهیرها وتعقیمها ممّا تسرّب إلیها، بوعیٍ أو لا بوعی، من مصطلحات ومفاهیم صهیونیّه أو أمریکیّه. 

وهنا تحدیداً یبرز دور الصحفیّین والإعلامیّین والکتّاب والمفکّرین على وجه الخصوص، وفی هذه المرحله من تاریخ الصراع الذی تخوضه أمّتنا، وهنا تحدیداً، یصیر الإعلام صاروخاً متطوّراً لا تستطیع أن تعطّله قبّه حدیدیّه، ولا فولاذیّه، ولا غیر ذلک..

Leave A Reply

Your email address will not be published.