الإعلام بین الذوق والواجب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ، الصلاه والسلام على سید المرسلین محمد وأله الطیبین الطاهرین الهداه المیامین.
الزمن والناس والمکان ثلاثی متغیر، لکل زمان دوله ورجال على مکان، فالمکان إذا خلی منه الإنسان صارفی حساب خفی عن الحضور وصار من مجاهیل الأرض وتوقف فیه الزمن والإنسان لا یصنع التاریخ بدون الزمان والمکان هذا المثلث متفاعل بتمام اضلاعه وإذا فقد واحد منهم توقف الحدث وخمدت الأهمیه وانمسح التاریخ ولکن الإنسان یتمیز فی هذه المعادله بخصوصیه ألاختیار على الأغلب فهوا المعنی بالتغییر وهو المستطیع على تطویع الأرض وکتابه الاحداث وهذه القدره هی الهم الذی نزل به ادم من الجنه حیث تغیر منهج العباده من الالتزام بعدم تناول ثمر شجره بعینها إلى مصادیق الابتلاء بالعباده أمرا ونهیا وتفکرا واعتقادا.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِی کَبَدٍ ﴾البلد۴ إن ما یواجهه الإنسان فی کبد الحیاه لهو الهدف للتمحیص فی قابلیه العباده وقدره الإطاعه للخالق جل وعلى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ ﴾الذاریات۵۶ ومسابقه الأقران لأخذ قصب التمیز القربوی الشریف، وبالفطره الإنسان یعلم بأن یکون اکثر قربا من الله حتى یکون أدنى من الکمال وأتم تنفیذا لمغزى الوجود فیتحصل على الرحمه المرصوده کهدف للخلق ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّکَ وَلِذَلِکَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ کَلِمَهُ رَبِّکَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِینَ ﴾هود۱۱۹ وبرغم العلم المسبق لنا بهذه الأسباب الحقیقه لوجودنا بأنا مبتلیین بالطاعه لاستحقاق الرحمه إلا ان الکثیر منا یسهو وینسى ولا یتذکر فی خضم النزاع مع النفس هذه الأهداف وینزوی خارج القاعده إلى إشباع الشذوذ فی عباده الأنا وإطاعه النفس الأماره بالسوء ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِی إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّیَ إِنَّ رَبِّی غَفُورٌ رَّحِیمٌ ﴾یوسف۵۳ ومن تمام الرحمه والحجه التامه فی الدین أن رسمت وفصلت مسالک مشرعه وواضحه للنهوض بمداواه الضعف البشری وتبصیرهم وتذکیرهم بسبب وجودهم فی هذه الحیاه الدنیا فکان الآمر بالمعروف والنهی عن المنکر ﴿ وَلْتَکُن مِّنکُمْ أُمَّهٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنکَرِ وَأُوْلَـئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾آل عمران۱۰۴ ودور ألإعلام هو دور مهم بل رئیس وفاعل بحسب نوعه وتخصصه فی نقل المعلومه المحمله بالمعنى المؤثر والصانع للموقف والمعزز للقدره فی النهوض المقصود نحو الإصلاح فی ألأمه.
قد یُتسأل عن أن الإنسان بما هو فرد مسئول بمباشره الممارسه الذاتیه فی زجر نفسه أو حثها فما بالنا نفتح منفذا لتعاطی وتبادل التأثیر الدعوی والذی قد یذهب بالحریه الفردیه ویمحق القدره فی ممارسه الهدایه بشقیها الإیجابی والسلبی؟
بالحقیقه هذه معاناه تضاف إلى کبد «من مکابده» ألإنسان فاعلا أو متلقیا لتمحص القدره بین ألاندفاع الشهوی والإطاعه العقلیه هما سبیلان بین أن یجتاز المجتمع بأفراده وبجمعه حالتی الشکر أو الکفر لما فی شرط التأثر ألجمعی وقوه التکیف والذوبان البشری البینی والتناضح الفکری والحاجه للعیش فی مرمى التعارف وشرط ألأنس والتکامل المدنی المهنی والفکری.
الواقع ألاجتماعی إذا متأثر بالطبع بالتغیرات الفردیه المنعکس علیه کمجتمع فکل وحده اجتماعیه تنتج وتأخذ التأثیر والتأثر فلیس المجتمع بمعزل من نتاج الفرد ولیس الفرد کذلک محصور بعیدا عن موجات التأثر الجمعی وهنا یقف الإعلام ویزرع قدرته التوجیهیه المهمه فی صیاغه شکل المجتمع وماهیه توجهه.
الحاله الإسلامیه هی الساحه التی سبقت فی رسم قانون الآمر بالمعروف والنهی عن المنکر وجعلته حاله قانونیه ورسمیه ولکنها جعلت فی بعض الحالات من إفراد هذا السلک فئه منظوره ورفیعه الشأن وهذا له أثره السلبی کما له ألأثر الایجابی على أننا نحتاج عاده إلى ألإعلام فی ممارسه دور الامر والنهی لمحاوله الفرصه لمنع مرض التسلط ودکتاتوریه الفرد بشکل نسبی ولو أن هذا المرض یتسلل بشکل ذکی حتى على ألأعلام وقد یمارس دوره الخفی بلیل لذلک نلاحظ الآیه الشریفه تأمر ب ولتکن منکم امه. ﴿ وَلْتَکُن مِّنکُمْ أُمَّهٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنکَرِ وَأُوْلَـئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾آل عمران ۱۰۴ومعروف أن دور المجموعه اکثر احتمالیه واقرب لمنع التحکم والتسلط الفردی باختلاف التشخیص برغم وحده الهدف.
نرجع لموضوع الامر بالمعروف والنهی عن المنکر لنستجلی حظه فی تصحیح المسار الجماهیری لکی ننعطف بعد ذلک لتحسس مکانه الإعلام فی هذا المشروع الإلهی الشریف بجمیع أجزائه سواء القسم الوقائی الذی یقوم به النخبه والحاکم عاده أو القسم التحریضی والحث للفعل الخیر والتواصی بالمکرمات أو القسم البطولی بصناعه ألأمثوله والقدوه الفذه، فکما أن الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر من شأنه التدرج لمواکبه التصحیح بالقدر العادل والمنضبط حتى لا یزید عن حده فینقلب إلى ضده فلابد له من مراتب واحده تلو ألأخرى یبتدئ من داخل القلب حبا وبغضا ویصل إلى الفعل ألأمر والناهی مرورا بالقول والإعلام فی نفس الوظیفه الشرعیه والاعلام هنا یمثل المعالجه الجماهیریه المسایره للمعالجه الفردیه فی الداخل أو الخارج حیث أن الجهاد الأکبر هو جهاد النفس أولا وتترقى درجاته بخطوات مترتبه الأولى فالأولى، کل ذالک یجب أن ینبع من دور التعبد لله وبعیدا عن فرض الذات أو صناعه الفوائد الأنانیه، رجوعا إلى ألأعلام الذی صار معلوما بارتباطه الوشیج مع أحکام الامر بالمعروف والنهی عن المنکر ودوره فی معالجه جماعیه فی درجه القول المؤدی إلى الشعور القلبی والتأثیر على العمل بالید فی أخر المطاف ولکن هناک احتمالیه من صرف الإعلام فی مسارب التیه ونشره فی الخط المعاکس تماما للأمر بالمعروف والنهی عن المنکر من جهه أو من المصادره على المهمه الرئیسیه النوعیه باستخدامه وسیله لخدمه الأنا او الحزب او الکتله وبشکل رئیسی قد یحرفه عن الهدف المرجو من خدمه الإنسان فی توجیهه لهدف وجوده لیعبد الله ویستحق رحمته فیصیر بابتعاده عن الهدف فی ابسط الأحوال لممارسه ذوقیه مترفه وغیر رسالیه هذا عدى عن الاحتمال الأخطر کما أسلفنا من توجه الإعلام لإضافه معاناه ومکابده فی طریق العیش للأمه وتکبیل قدراتها ونزح مشیئتها للمتسلط الممتلک لأجهزه ألأعلام ووسائله المؤثره ونحن نلاحظ تهافت السلاطین على سجن الحرکه الإعلامیه فی قبضه المتسلط لعلمهم بخطوره دور ألأعلام على مشاریعهم الاستحواذیه وخاصه إذا کان هذا الأعلام ذو مصداقیه أکیده وحریه شامخه وإذا حصل أن الإعلام فی اسر هؤلاء المستبدین کما هو اکثر إعلامنا الیوم فسیبقى الخط الأول لدى ألإنسان المدعم بالفطره والعقل والتمییز ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾۷﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾الشمس۸ لیقاوم هذا الإعلام المسخ ویقف فی وجهه بالقلب ثم اللسان ثم الید ولا یستسلم لفئه الإعلام السلطانی فهم کما وصفهم القران الکریم ﴿ وَإِنَّهُمْ لَیَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِیلِ وَیَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾الزخرف۳۷ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِینَ أُوتُواْ نَصِیباً مِّنَ الْکِتَابِ یَشْتَرُونَ الضَّلاَلَهَ وَیُرِیدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِیلَ ﴾النساء۴۴
وتبقی حریه الإنسان وکرامته فی التعبد لله بطوع أمره امام البطش والقوه لمن یمتلک الوسیله إذا کان یبعده عن التوجه الحر ویعیقه من مشروعه الذی خلقه الله له ویعتمد على الهدایه الربانیه فهو وحده المسئول بالأخیر وهو من یؤثر فی الأمه ویتأثر بقدرته وبإرادته مهما کان الکبد وکانت المعاناه ﴿ إِنَّا هَدَیْنَاهُ السَّبِیلَ إِمَّا شَاکِراً وَإِمَّا کَفُوراً ﴾ فکلما کان الإنسان حرا وکلما زاد تعلقا بالله منع فرصه المستکبر والمستحوذ فی فرد ظلال الضلال ومکشفه بنور البصیره ونهى النفس والناس والسلاطین عن الهوى.