ثوره الوحی الإلهی

0

ویردّ البعض الآخر حرکه الحسین إلى رغبته فی إثاره المؤیّدین والرافضین على السواء ، وتحمیل ضمائرهم وزر قتل آل النبی(۳) ، وحلّلها آخرون بأنّها ثوره أخلاقیّه
ـــــــــــــــــ
(۱) ورد فی صحیح مسلم: أنّ طائفه من الجهله قد تأوّلوا على الحسین وقتلوه ولم یکن له قتله ، بل إجابته . فلیس الأمر کما ذهبوا إلیه ، بل أکثر الأئمّه قدیماً وحدیثاً کاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه سوى شرذمه قلیله من أهل الکوفه .
وذکر الحافظ ابن کثیر فی استشهاد الحسین / ۱۰۷ : أنّ ابن زیاد لمّا صعد المنبر قال : إنّ الله فتح علیه من قتل الحسین الذی أراد أن یسلبهم الملک ویفرّق الکلمه علیهم .
(۲) فی کتابه ( السیاسه الإسلامیّه ) یقول الفیلسوف الألمانی ماربین : إنّ الحسین مع ما کانت له من المحبوبیّه فی قلوب المسلمین کان بإمکانه تجهیز جیش جرّار لمقاتله یزید ، لکنه قصد من استشهاده ( الانفراد والمظلومیّه) لإفشاء ظلم بنی اُمیّه ، وإظهار عداوتهم لآل النبی .
(۳) الذین یؤیّدون هذا الرأی یستندون إلى کلام العقیله زینب (علیها السّلام) فی مجلس یزید حینما قالت له : فوالله لا تمحو ذکرنا ولا تمیت وحینا ، ولا یرحض عنک عارها .
کان الحسین یبتغی من ورائها عزل العقیده المحمّدیّه عن مسالک تهلکتها والنجاه بها إلى طریقها الصحیح(۱) ، وحصَرها آخرون فی إطار رغبه الاستیلاء على الحکم ، والإیثار بالخلافه(۲) . والذین لم یحلّلوها حسب رؤاهم اکتفوا بوصفها بالعاطفیّه وعدم التخطیط وحساب ما للحرب من نتائج وأسالیب وما یترتّب علیها من نتائج .
ولو توفّر لکلّ هؤلاء المغرضین والمستبدّین بآرائهم البصیره النافذه والرؤیه المتبصّره التی تردّ مؤشّرات الأحداث إلى منابعها ، وتربط النهایات بالبدایات ، والمسار بنقطه الانطلاق ، والنتائج بالمسبّبات ، لَما وقعوا فیما وقعوا فیه من مغالطات وتَجَنٍّ على الحقیقه ، تجلّت فی رؤیه الأحداث والحقائق من وجهه نظر تفصیلیّه مادیّه ضیّقه ، وربط النتائج بالأسباب بکیفیّه تقلیدیّه على نحو ما اصطلح علیه العقل البشری فی بعض اجتهاداته المحرّفه سیّئه المقاصد .
ولکن أنّى لهم ذلک إذا کانت السّوءه فی هضم الحقائق فکریاً هی هدفهم الأسمى الذی یسعون إلیه ، ویُغذّون على نبراسه فی دروب رؤاهم الموءوده بسکین وترتهم وضیق أفقهم وسوء نیّاتهم ؟
فالقائلون : بأنّها ثوره مرتجله ، فی قولهم کمَن یجدِّفون على الحکمه الإلهیّه التی هیّأت
ــــــــــــــ
(۱) الشیخ عبد الله العلایلی فی کتابه ( الإمام الحسین ) / ۳۴۸ رأی یقول فیه : خروج الحسین (علیه السّلام) لیس فتنه ـ کما اتّهموا ـ بل لمکافحه الفتنه ، فأیّه محاوله وثوره على الفساد فی سبیل أن یکون الدین کلّه لله نحن مأمورون بها . فالحسین بخروجه لم یجاوز برهان ربّه : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَکُونَ فِتْنَهٌ وَیَکُونَ الدِّینُ کُلُّهُ لِلَّهِ ) .
(۲) للعقّاد فی کتابه ( أبو الشهداء ) رأی یقول فیه : الحسین (علیه السّلام) طلب الخلافه بشروطها التی یرضاها ، ولم یطلبها غنیمه یحرص علیها مهما تکلّفه من ثمن ، ومهما تتطلّب من نتیجه ، وفی هذا القول شبه بما قاله ماربین من أنّ خروج الحسین کان عزمه قلب کبیر یبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ویحیی به قضیّه مخذوله لیس لها بغیر ذلک حیاه . العقّاد / ۱۱۸ .
الشهاده للحسین ، ویستهینون بنبوءات الرسل والأنبیاء عن قتله فی فلاه کربلاء ذبیحاً وعطشان ومداساً بحوافر الخیل ، ویسفّهون ما جاء على لسان الوصیّین والأبرار الذین ما جاؤوا إلى البشریّه إلاّ من أجل توطید عقائدها وحفظ شرائعها .
فها هو شهید المسیحیّه عیسى (علیه السّلام) یمرّ بأرض کربلاء ، فینبئ عن قتل الحسین ویلعن قاتلیه ، ویصف أرض الطّف بـ( البقعه کثیره الخیر )(۱) .
وقد أمسک بعض المشکّکین بهذه الواقعه لدعم تغرّضهم ؛ فذکروا أنّ عیسى (علیه السّلام) لم یخرج من فلسطین طیله حیاته ، وأنّه من غیر المعقول أن یکون قد وصل إلى کربلاء فی العراق ، لکن هؤلاء فاتهم تلک الفتره الغامضه منذ یفاعه عیسى حتّى سنِّه العشرین ، إذ لم تذکر التواریخ ولا حتى الإنجیل المقدّس أین أمضى عیسى طفولته وبعضاً من سنیّ شبابه المبکر ؛ إذ هناک روایات تتحدّث عن سفره إلى التبت لنهل الحکمه والطبّ الروحی ، وثمّه روایه أخرى تحدّثت عن تنقّله فی کلّ بقاع الأرض لاختیار المواطن المناسبه لبعث دیانته ونشرها بعد نزولها علیه فی فلسطین .
ونبیٌّ کعیسى أیّده الله بمعجزات خارقه هل یستحیل علیه الوصول إلى کربلاء بطرفه عین ؟! وما هو غیر المعقول فی زیاره شهید المسیحیّه إلى مسقط رأس شهاده الحسین (علیه السّلام) الذی سیأتی بعد قرون لیتمّم شهاده الحقّ والعدل التی استشهد لأجلها علیه السّلام ؟
فإذا کانت الطبائع البشریه قد جبلت على تقدیس الشهداء وحبّهم بوحیٍ من فطرتها الإنسانیّه ، فکیف بالشهداء الذین تسبق شهادتهم شهاده نظائرهم ممَّن سیأتون لإتمام ما بدؤوه ؟
ــــــــــــــــ
(۱) إکمال الدین ـ الصدوق / ۲۹۵ .
ألم یبکِ القتیل الحسین قبل مقتله بمئات السنین آدم والخلیل وموسى ، ویلعن عیسى قاتله ویأمر بنی إسرائیل بلعنه ، ویقول : مَن أدرک أیّامه فلیقاتل معه ؛ فإنّه کالشهید مع الأنبیاء مقبلاً غیر مدبر ؟(۱)
فالحواجز الزمنیه التی تحول بین البشر وبین استشفاف المستقبل لیس لها حساب مع الشهداء والنبیّین ، فعلیهم السّلام یرون قائمه الشهاده التی نصبها سبحانه وتعالى ، ویقرؤون بها أسماء مَن سیلی بعدهم مع صحیفه تبیّن کیفیّه المقتل واُسلوب المعاناه ، وإلاّ لِمَ بکَ الحسین کلّ هؤلاء الأنبیاء ، ولعنوا قاتلیه قبل أن تکون الواقعه بمئات السنین ؟!
والله سبحانه وتعالى أعطى الأنبیاء والأخیار مَلَکه نورانیّه تساعدهم على استجلاء الغیب: ( عَالِمُ الْغَیْبِ فَلاَ یُظْهِرُ عَلَى غَیْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ )(۲) ، وکان أبو جعفر (علیه السّلام) یقول : (( کان والله محمد ممّن ارتضاه ، ولم یبعد الله الخلفاء عن هذه المنزله بعد اشتقاقهم من النور المحمّدی ))(۳) .
فلا توافق بین الارتجال الذی نعت البعض به ثوره الحسین ، وبین نبوءات الأطهار ممّن ارتضاهم الله ، ولا یصیبنّ ناعت فی نعت استشهاد أبی الشهداء مهما بلغت فصاحته ؛ لأنّه مستمدّ من القدر الإلهی ، وموحى به قبل أن یولد الشهید .
وکأنّی أسمع أحدهم یقول ـ مشکّکاً ـ : ولکن الحسین کان بإمکانه تجنّب التهلکه التی ألقى بنفسه وآل بیته إلیها ، عملاً بقول الآیه الکریمه : ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ ) . إلاّ أنّ منطق الشهاده یبرّر معنى الآیه إذا کان فی الحفاظ على
ــــــــــــــ
(۱) کامل الزیارات / ۶۷ ابن قولویه .
(۲) سوره الجن / ۲۶ و ۲۷ .
(۳) البحار ۱۵ / ۷۴ ، وابن حجر فی فتح الباری ۱۳ / ۲۸۴ کتاب التوحید .
النفس مصلحه أهم من إزهاقها ، والاقتصار على ما یقتضیه الوصف یخرج الآیه عمّا فی الشهاده من نفی للهلکه ، فإنّها أعقبت آیه الاعتداء فی الأشهر الحرم على المسلمین ، فقال تعالى : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَیْکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِینَ * وَأَنفِقُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ )(۱) .
والحسین (علیه السّلام) کان عالماً بمقتله ، وواعیاً لکلّ ما سیحیق به ، وإقدامه على الشهاده إنّما کان من باب الطاعه وامتثالاً للتکلیف الموجّه إلیه من القدره الإلهیّه .
وقد أعْلَمَ اُمّ سلمه بقتله قائلاً لها : (( إنّی أعلم الیوم الذی اُقتل فیه ، والساعه التی اُقتل فیها ، وأعلم مَن یُقتل من أهل بیتی وأصحابی . أتظنّین أنّک علمت ما لم أعلمه ؟ وهل من الموت بُدّ ؟ فإن لم أذهب الیوم ذهبت غداً )) .
والارتجالیه هی عکس معرفه کلّ شیء بالتفصیل کما قال الشهید لاُمّ سلمه حین أبدت له خوفها من سفره ، ومعرفته بما سیحلّ به لم یؤخّره أو یمنعه عن التقدّم والتسلیم للقضاء المحتوم ، وعدم التوسّل إلى الباری تعالى فی إزاحه العلّه لینال الشهاده .
ولو شاء سیّد الشهداء أن یدفع الله تعالى عنه هذه التهلکه لکان ذلک على الله أسرع من سلک منظوم انقطع ، ولرفع عنه الطواغیت ، لکن الحکمه المتجلّیه فی عدم طلب مثل هذا الدفع لا یعلمها إلاّ ربّ العالمین .
والأنبیاء الذین قتلوا فی سبیل إعلاء کلمه الله المبشّره بالحقّ والعدل أنظنّ نحن البشر بأنّ الله تعالى قد تخلّى عنهم لمصائرهم ؟ کلاّ ، بل إنّهم (علیهم السّلام) یتشوّقون للشهاده تقرّباً من قدس الله وتنفیذاً لمشیئته ، ولو دَعَوا الله لِرفعها عنهم ، لَرفعها .
لکنّهم یدورون مدار ما اختاره تعالى لهم من الأقضیه والأقدار ، إذا کان فی إقدامهم إبقاءٌ على دین ، أو حفظاً لشریعه ، أو إنقاذاً لعقیده .
ــــــــــــــ
(۱) سوره البقره / ۱۹۴ و ۱۹۵ .
وقد تنبّأ عیسى (علیه السّلام) بموته أمام تلامیذه ، وشرح لهم کلّ ما سیحدث له من تسلیمه إلى الوثنیین وسخریتهم منه وجَلْدِه وقتله ، وحثّ تلمیذه الخائن یهوذا الاسخریوطی على تسلیمه ، ولمّا اجتذبه تلمیذه بطرس إلیه وطفق یحذّره من المضیّ إلى القدس ، التفت (علیه السّلام) إلى تلمیذه وقال له : (( اذهب خلفی یا شیطان ، إنّک لی معثره ؛ لأنّ أفکارک لیست أفکار الله ، بل أفکار الناس )) .
ولمّا هوى أحد أصحابه بسیفه على أذن عبد عظیم الأحبار وقطعها ، قال له المسیح : (( اغمد سیفک ، فمَن یأخذ بالسیف یهلک ، أو تظنّ أنّی لا أستطیع أن أسأل ربّی فیمدّنی الساعه بأکثر من اثنی عشر فیلقاً من الملائکه ؟! ولکن کیف تتمّ آیات الکتب التی تقول: إنّ هذا ما یجب أن یحدث ؟ ))(۱) .
فعیسى بن مریم کان قادراً إذا طلب من ربّه أن یقضی على الیهود الذین جاؤوا لاعتقاله ، لکنّه لم یفعل حتّى تتمّ مشیئه الواحد القهّار التی لا یفهمها النّاس العادیّون کتلمیذه بطرس .
وعندما کان تلامیذه یسهرون لیله قال لهم : (( نفسی حزینه حتّى الموت )) . ثمّ أبعد قلیلاً وأکبّ لوجهه یصلّی ویقول : (( یا ربّاه ، لتبتعد عنّی هذه الکأس إن کان یُستطاع ، ولکن لا کما أنا أشاء ، بل کما أنت تشاء ))(۲) .
ولم یلح نبیّ المسیحیّه على طلب إبعاد کأس الموت عنه کما یشاء هو ، بل کما یشاء ربّه الأعلى . وکما قال عیسى (علیه السّلام) : (( لا کما أنا أشاء بل کما أنت تشاء )) ، قال سیّد الشهداء مخاطباً أخاه محمّد بن الحنفیّه : (( شاء الله أن یرانی قتیلاً ، ویرى النساء سبایا )) .
ــــــــــــــ
(۱) متّی ۲۶ / ۵۳ ـ ۵۴ ـ ۵۵ .
(۲) مرقس ۱۴ / ۳۶ ـ ۳۷ .
فهل للمشکّکین بوعی ثوره الحسین من حجّه بعد هذا القول (( شاء الله أن یرانی قتیلاً )) من وصف ثورته بالعاطفیّه وسوء التخطیط ؟ وما قولهم بمشیئه الله القادر الذی خطّط لثوره سیّد الشهداء وأجراها نبوءات على ألسنه رسله الأطهار ، وأنزلها وحیاً على ذبیحها الذی سیکون قربانها الرئیسی ؟ هل سیبلغ بهم الکفر حدّاً لنعتها بأیّ نعتٍ آخر إزاء مقوله الحسین بمشیئه ربّه ؟
هذه المشیئه المقدّسه هی التی جعلت إبراهیم الخلیل (علیه السّلام) یحطّم آلهه قومه ویدوسها بقدمیه غیر عابئ بالنمرود صاحب البطش ، وبالنّار التی أوقدها لحرقه حیّاً .
وهی المشیئه الإلهیّه التی دفعت بکلیم الله موسى (علیه السّلام) لیقف فی وجه فرعون المتألّه ، ملک النیل والسلطان العریض ، ویصیح أمامه : (( أنت ضالٌ مُضِل )) .
هی مشیئه الواحد القهّار التی دفعت بیحیى (علیه السّلام) للصراخ فی وجه هیرودس عندما أراد التزوّج بامرأه أخیه قائلاً له : (( إنّها لا تحلّ لک )) . ولمّا رقصت ابنه هیرودیا إحدى بغایا بنی إسرائیل ، قدّم لها هیرودس رأس یحیى (علیه السّلام) على طَبَق من ذهب .
هی المشیئه التی رسمت لعیسى (علیه السّلام) مواقفه وحیاته ، فقال لأحبار الیهود ( أنتم أبناء الشیاطین ) . رغم علمه بأنّه سیُقتل .
وهی المشیئه العلیا التی أوحت للنبیّ محمّد (صلّى الله علیه وآله) الیتیم الفقیر ، لتسفیه أحلام قریش ، وسبّ آلهتهم ، وحمل الرساله المحمّدیّه والاندفاع بها مهدّداً کسرى وقیصر شرقاً وغرباً .
وقال أمیر المؤمنین : (( أوحى الله إلى داود : ترید واُرید ولا یکون إلاّ ما اُرید ؛ فإن سلّمت لِما اُرید اُعطیتَ ما ترید ، وإن لم تسلّم لِما اُرید أتعبتک فیما ترید ، ثمّ لا
یکون إلاّ ما اُرید )) . وقال : (( لا تسخط الله برضا أحد من خلقه ؛ فإنّ فی الله خَلَفاً من غیره ، ولیس من الله خلف فی غیره )) . وقال رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : (( مَن طلب رضى مخلوق بسخط الخالق سلّط الله علیه ذلک المخلوق )) .
بهذه المبادئ العلویّه جاء الأنبیاء والرسل والشهداء إلى البشریّه مبشّرین بالأدیان السماویّه ، مقاتلین دون تحریفها ، باذلین الأنفس والمهج فی سبیل ترسیخها فی النفوس ، وعندما یقف هؤلاء الأطهار أمام أصحاب السّطوه والاستطاعه فإنّهم یقفون بقوّه العزّه الإلهیّه التی لا قوّه فوقها ، ویخاطبون أهل السلطان باسم الله الذی أوحى لهم ما یقولون ، ورسم لهم أدوارهم التی بعثهم للبشریّه من أجلها .
وأیّه اجتهادات فی تفسیر هذه الأدوار بغیر هذا المنطق معناه وضع الحقائق الجوهریّه فی غیر موضعها ، حتّى لتبدو الرغبه فی التضلیل واضحه فیمَن یقدمون على مثل هذا التحریف فی أخذ منطق هذه الحقائق .
وثوره الحسین (علیه السّلام) لیست ولیده ساعتها ، بل هی فی سفر الوصایا الإلهیّه نقشت علیه قبل نزول الرساله المحمّدیّه ، وعِلم ذلک عند ربّ الأکوان وباعث الرّسالات ، إذ کان یعلم تعالى بما ستتعرّض له هذه الرساله من اهتزاز بعد نزولها على محمّد (صلّى الله علیه وآله) فهیّأ لها الحسین قبل أن یکون .
فها هو الشهید یقول لعبد الله بن جعفر : (( إنّی رأیت رسول الله فی المنام ، وأمرنی بأمرٍ أنا ماضٍ له )) . وفی بطن العقبه قال لمَن معه : (( ما أرانی إلاّ مقتولاً ، فإنّی رأیت فی المنام کلاباً تنهشنی ، وأشدّها علیّ کلب أبقع ))(۱) .
ولمّا أشار علیه عمرو بن لوذان بالانصراف عن الکوفه إلى أن ینظر ما یکون علیه حال النّاس ، قال (علیه السّلام) : (( لیس یخفى علیَّ الرأی ، ولکن لا یغلب على أمر الله . وإنّهم لا یدعونی حتّى یستخرجوا هذه العقله من جوفی ))(۲) .
وفی مکّه حینما أراد السفر منها إلى العراق قال : (( کأنّی بأوصالی هذه تقطّعها عسلان الفلوات بین النواویس وکربلاء ، فیملأن منّی أکراشاً جوفاً ، وأجربه سغباً . لا محیص عن یومٍ خُطّ بالقلم ))(۳) .
فعباره ( لا محیص عن یومٍ خُطّ بالقلم ) ، دلاله واضحه على أنّ سیّد الشهداء کان عالماً بأنّ مصیره قد خُطّ بالقلم ، وأن لا مندوحه من الامتثال لمشیئه الله القادر دونما تساؤل عن هذا السرّ الإلهیّ ، فالأنبیاء والشهداء والمصطفون لا یسألون : ( لماذا ، وکیف ؟ ) بل هم یمضون فی دربهم على هَدی الإیحاءات العلویّه التی تنیر لهم دربهم خطوه إثر خطوه .
ـــــــــــــــ
(۱) کامل الزیارات / ۷۵ .
(۲) تاریخ الطبری ۶ / ۲۲۶ ، وإرشاد المفید ، ونفس المهموم للمحدّث القمّی / ۹۸ .
(۳) اللهوف / ۳۳ ، وابن نما / ۲۰ .
وهذا السرّ العلوی هو الذی منع الإمام المجتبى الحسن ابن أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ، من السؤال حینما حلّ الأجل تسلیماً لقضاء القوّه الإلهیّه ، ودفعه لأن یمدّ یده بلا ارتعاش إلى جعده بنت الأشعث لیتناول منها اللبن المسموم ویرفع رأسه إلى السماء قائلاً : (( إنّا لله وإنّا إلیه راجعون ، الحمد لله على لقاء محمّد سیّد المرسلین ، وأبی سیّد الوصیّین ، واُمّی سیّده نساء العالمین ، وعمّی جعفر الطیّار فی الجنّه ، وحمزه سیّد الشهداء )) ، ثمّ یشرب اللبن المسموم وهو یدعو على جعده بالخزی(۱) .
وهذا السرّ العلوی هو الذی أوحى للرضا (علیه السّلام) بأنّ منیّته تکون على ید المأمون ولا بدّ من الصبر حتّى یبلغ الکتاب أجله . وقال أبو جعفر الجواد لإسماعیل بن مهران لمّا رآه قلقاً من إشخاص المأمون له : (( إنّه لم یکن صاحبی ، وسأعود من هذه السفره )) . ولمّا أشخصه المرّه الثانیه قال (علیه السّلام) لإسماعیل : (( فی هذه الدفعه یجری القضاء المحتوم ))(۲) ، وأمره بالرجوع إلى ابنه الهادی فإنّه إمام الاُمّه بعده ، ولمّا حلّ قضاء الله ودفعت إلیه اُمّ الفضل المندیل المسموم لم یمتنع عن استعماله تسلیماً لطاعه المولى .
وفی هذا الرضوخ للقوّه العلویه تفسیر فی الآیه الکریمه : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِیِّینَ مِیثَاقَهُمْ وَمِنْکَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِیمَ وَمُوسَى وَعِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِیثَاقًا غَلِیظاً )(۳) .
وهذا ما یفسّر أیضاً المعاناه التی ذاقها الأنبیاء ، خاصّه النبی محمّد (صلّى الله علیه وآله) وآل بیته الأطهار وقد قال : (( ما أوذی نبی بمثل ما أوذیت )) . وأوصاه الله بالصبر حیث قالت عزّته : (فَاصْبِرْ کَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ ) .
لکن ما صبر علیه الحسین (علیه السّلام) وصحبه کان أشدّ من کلّ المعاناه التی وقعت بالأنبیاء والرسل ، کانت أشدّ هولاً وفتکاً وآلاماً ، وقد صبر الشهید وطالَب أهله وصحبه بالصبر ابتغاء لمرضاه الله : (( صبراً بنی الکرام ، فما الموت إلاّ قنطره تعبر بکم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعه ، والنّعیم الدائم ، فأیّکم یکره أن ینتقل من سجن إلى قصر ؟ وما هو
ـــــــــــــ
(۱) البحار ۱۰ / ۱۳۳ عن عیون المعجزات ، والإرشاد للمفید ، والخرائج .
(۲) الإرشاد وإعلام الورى / ۲۰۵ .
(۳) سوره الأحزاب / ۷ .
لأعدائکم إلاّ کمَن ینتقل من قصر إلى سجن وعذاب . إنّ أبی حدّثنی عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : أنّ الدنیا سجن المؤمن وجنّه الکافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم ، وجسر هؤلاء إلى جهنّم ، ما کذّبتُ ولا کُذِّبت )) .
وهو یودّع عیاله قال لهم : (( استعدّوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله حامیکم وحافظکم ، وسینجیکم من شرّ الأعداء ، ویجعل عاقبه أمرکم إلى خیر ، ویعذّب عدوّکم بأنواع العذاب ، ویعوّضکم عن هذه البلیّه بأنواع النعم والکرامه ، فلا تشکوا ولا تقولوا بألسنتکم ما ینقص من قدرکم ))(۱) .
وهذا الصبر النادر العجیب الذی تحلّى به الأنبیاء والشهداء ، فمنعهم حتّى من التساؤل عن سبب ما یبتلون به . هو الذی یعجز تفکیرنا البشری عن إدراک ماهیّته ، إلاّ أنّنا من وجهه قدرتنا المحدوده لا نملک إلاّ أنّ نفهم الحکمه الإلهیّه التی سنّت لهؤلاء الأخیار سُنن الشهاده ، فکأنّهم فرحون بها ، وفرحهم یمنعهم حتّى من التساؤل ما داموا قد أعطوا ملکه تبصّر نتائج صبرهم واستشهادهم ، وما هیّأه الله سبحانه وتعالى لهم من نِعَمٍ وجنان .
ــــــــــــ
(۱) جلاء العیون للمجلسی / عن المقتل للمقرم .
ویحثّ عیسى (علیه السّلام) تلامیذه الذین سیحملون رساله المسیحیّه من بعده ، یحثّهم أیضاً على الصبر ، قائلاً عندما دنت ساعته : (( الآن تؤمنون ! ها هی الساعه آتیه ، وإنّها قد أتت ، تتفرّقون فیها فیذهب کلّ واحد فی سبیله ، وتترکونی وحدی ! کلاّ لست وحدی ، إنّ الربّ معی ، قلت لکم هذه الأشیاء لیکون لکم بی السّلام ، ستعانون الشدّه فی العالم ، فاصبروا لها لقد غلبتُ العالم ))(۱) .
والرؤیا التی استشفّها الحسین (علیه السّلام) فی خضمّ الشدائد التی حلّت به وبآل بیته وصحبه ، فبشّرهم بتعویض بلیّتهم بنعمٍ وکرامه . هی ذات الرؤیا التی بشّر بها المسیح رسله بقوله : (( ستبکون وتنتحبون ، ستحزنون ولکن حزنکم سیتبدّل فرحاً ))(۲) .
فما الذی یمکن لنا کباحثین ومطّلعین أن ندرکه من هذه الأمثولات الإلهیّه التی لا مجال لنا إلى إدراکها أو الغوص فی حکمتها المقدّسه ؟ وما الرأی لدى اُولئک المشکّکین بواقعیّه ووعی ثوره الحسین بکلّ ما سبق ذکره ، من أنّ البرره کتبت لهم حیاتهم ومصائرهم فی ( الصحیفه الإلهیّه ) التی یقف علیها الأنبیاء فتتکشّف أمامهم حجب الغیب وتهتک لوعیهم ستر المستقبل ؟
ألا یصحّ بموقف الذین تناولوا ثوره الحسین (علیه السّلام) بمقیاس الربح والخساره والثورات العسکریّه والنتائج المادیّه والزمانیّه والمکانیّه فی حینها ، ألا یصحّ فیهم وبسوءه نوایاهم ، قول الإمام أبی جعفر الباقر (علیه السّلام) : (( إنّی لأعجب من قوم یتولَّونا ویجعلونا أئمّه , ویصفون أنّ طاعتنا مفترضه کطاعه رسول الله (صلّى الله علیه وآله) ، ثمّ یکسرون حجّتهم ویخصّون أنفسهم لضعف قلوبهم ؛ فینتقصونا حقّنا ، ویعیبون ذلک على مَن أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسلیم لأمرنا ! أترون الله تعالى افترض طاعه أولیائه على عباده ثمّ یخفی علیهم أخبار السماء ، ویقطع عنهم مواد العلم فیما یرد علیهم مما فیه قوام دینهم ؟! ))(۳) .
ــــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۱۶ / ۳۲ ـ ۳۳ .
(۲) یوحنا ۱۶ / ۲۰ .
(۳) الکافی على هامش مرآه العقول ۱ / ۱۹۰ باب أنّهم یعلمون ما کان ، وبصائر الدرجات ـ الصفّار / ۳۳ ، والخرائج للراوندی / ۱۴۳ طبعه الهند.

Leave A Reply

Your email address will not be published.