الحسینُ (علیه السلام) یستوحی مقتله

0

وخُیّر لی مصرع أنا لاقیه ، کأنّی بأوصالی تقطّعها عسلان الفلاه بین النواویس وکربلاء ،فیملأن منّی أکراشاً جوفاً ، وأجربه سغباً ، لا محیص عن یوم خُطّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البیت ، نصبر على بلائه ویوفّینا اُجور الصابرین . لن تشذّ عن رسول الله لحمته ، بل هی مجموعه له فی حضیره القدس ؛ تقرّ بهم عینه وینجز بهم وعده . ألا ومَن کان فینا باذلاً مهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه فلیرحل معنا ، فإنّی راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى ))(۱) .
ـــــــــــ
(۱) اللهوف / ۳۳ ، وابن نما / ۲۰ .
وحاول جماعه من أهل بیته وصحبه صرفه عن السفر والتریّث خوفاً من غدر أهل الکوفه ، لکنّه (علیه السلام) کان یصارح الجمیع بما کتب له ، وبما یوحى إلیه ، وکان شوقه للقاء أسلافه ینعکس نوراً سنیّاً فوق صفحه وجهه ، فکان یخیّل للناظر إلى شیبته المقدّسه بأنّه لم یعد متواجداً على هذه الأرض إلاّ بجسده فقط ، وأنّ تلهّفه للشهاده طار بوجدانه وفکره إلى حیث یریه الله تعالى مکانه فی النعیم بعد قلیل من الوقت ؛ لذا فقد أجاب ابن الزبیر : (( إنّ أبی حدّثنی أنّ بمکّه کبشاً به تُستحلّ حرمتها ، فما أحبّ أن أکون ذلک الکبش ، ولئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إلیّ من أن اُقتل فیها . وایم الله لو کنت فی ثقب هامه من هذه الهوام لاستخرجونی حتّى یقضوا فیّ حاجتهم . والله لیعتدنّ علیّ کما اعتدت الیهود فی السبت ))(۱) . وکان الوحی ینزل فوق رأسه فینقله إلى مطارح مصرعه ، ولم یشأ (علیه السلام) أن یتحدّث برؤاه لأحد حتّى یلقى ربّه ذا الجلال .
ولمّا أقام (علیه السلام) فی ( الخزیمیه ) یوماً ولیله أقبلت إلیه اُخته زینب (علیها السّلام) وقالت : إنّی سمعت هاتفاً یقول :
ألا یـاعینُ فاحتفلی iiبجُهدی        فمَن یبکی على الشهداءِ بعدی
عـلى قـومٍ تـسوقهُمُ المنایا          بـمقدارٍ إلـى إنجاز iiوعدی
فقال : ( یا اُختاه ، کلّ الذی قضی فهو کائن )(۲) .
ومع عباره ( کلّ الذی قضی فهو کائن ) یختتم الحسین (علیه السلام) سلسله رؤاه فی کلّ ما سیبلوه الله به فوق أرض کربلاء ، وبهذه العباره ردُّ کافٍ على أهل المظنّه الذین نعتوا ثورته بـ ( الغضبه العسکریّه ) التی کان ینقصها التخطیط العسکری السّلیم کی تبلغ النصر فی میزان النصر ، وکأنّ السرّ الإلهی أعمى على قلوب هؤلاء فحجب عن بصائرهم فهم مغزى الثوره على حقیقتها . وبأنّ قوّتها تکمن فی ضعفها العسکری ، وبأنّ نصرها منبثق من انکسارها ، وبأنّ فلاحها مستمدّ من خذلانها ، وبأنّ عظمتها
ـــــــــــــ
(۱) تاریخ مکّه للأزرقی ۲ / ۱۵۰ .
(۲) وردت فی مجلّد ابن نما / ۲۳ .
التی ما زادتها القرون إلاّ تأجّجاً ، کانت من لُحمه العظمه الربّانیّه التی رسمتها بهذا الشکل الذی قضیت به ، کی تکون نتائجها وآثارها بالشکل الذی آلت إلیه .
فیا لیت اُولئک المتجرّئین على ردّ حقائق ثوره فرخ النّبی وریحانته ، وسیّد شباب أهل الجنّه وأبی الشهداء فی عمر البشریّه إلى غیر منابعها ومصبّها ! یا لیتهم یرعوون ویثوبون عن غیّهم وکفرهم قبل أن تنزل بهم العنایه الإلهیّه غضبتها ؛ نتیجه ما أوّلوا حکمتها ـ التی لا یرقى إلیها عقل بشری ـ إلى تأویلات شتّى سداها الضعف البشری ، ولُحمتها الکفر بالمسلّمات والبدهیّات العُلویه !
معجزاتُ الشهاده

 

المعجزات التی تعقب الشهادات العظیمه ، ما هی إلاّ غضبه الخالق من عقوق خلقه الذی انتهى إلى قتل شهیده ، وسبحانه یجری هذه المعجزات بشکل صاعق له ردّه الصدمه الکهربائیه العنیفه ؛ بهدف إیقاظ الضمائر لتنظر فیما جرى ، بقتلها هذا الشهید الذی لم یؤتَ على حیاته بأیّه معجزات تنجیه من مصیره المحتوم ، فکانت المعجزات بعد مماته شاهداً على قدره الله ، وتوکیداً على مکانه الشهید المقدّس ، وبأنّ ما قاله وبشّر به هو صوت الحقّ الإلهی الذی یتوجّب على الجمیع إعاده سماعه إذا فاتهم ذلک والشهید بینهم حیٌ بطبیعه بشریّه لم تکن کافیه لمَن قست قلوبهم وغلظت ضمائرهم ، کی تقنعهم بقوّه العدل الذی جاء یبشّر به .

 

وقد اشترک الأنبیاء والشهداء بقواسم مشترکه عدیده ، أفاضت على عقول الناس فیضاً من تشابه الرسالات السماویّه فی جوهرها الأصلی ، وإن اختلفت باختلاف أسالیبها التی لو شاء المولى (عزّ وجلّ) لجعلها واحده ، لکنّ قوه إقناعها تکمن فی اختلافها . وما دامت حیاه الأبرار المختارین من الله تتشابه فی ابتلائهم بشتّى الرزایا ، وبصبرهم الواحد حیالها ، وبنهایاتهم الألیمه التی لولاها لَما کان ثمّه أدیان حفظت لنا حتّى الآن . فإنّ الصدمات الإلهیّه التی تعقب استشهادهم هی من التشابه والقوّه بحیث لا تدع مجالاً للشکّ بأنّها الانطباعات الفوریّه والقویّه على مکانه الشهید وعظم رسالته .

وإذا کنّا فی صدد الحدیث عن أوجه الشبه بین شهیدی المسیحیّه والإسلام عیسى والحسین (علیهما السلام) فإنّا لواجدون هذا الشبه جلیّاً فی نوعیّه المعجزات التی أعقبت شهادتَیهما ، بما تتلاءم مع قسوه میتتیهما ، وإذا کنّا راغبین فی حصر هذا التشابه بین الشهیدین العظیمین ، فذلک انسجاماً مع بحثنا لمدى فهم الفکر المسیحی خاصّه والإنسانی عامّه لملحمه استشهاد الحسین ، بإبراز کلّ نقاط التشابه التی تدنیها من ملحمه فداء عیسى .
حینما استشهد الحسین (علیه السلام) اظلمّت الدنیا ثلاث أیّام واسودّت سواداً عظیماً حتّى ظنّ الناس أنّ القیامه قامت ، وبدت الکواکب نصف النهار ، ولَم یرَ نور الشمس ثلاثه أیّام کامله ، حیث کان سیّد شباب أهل الجنّه عاریاً على وجه الصعید(۱) .
وحینما استشهد عیسى (علیه السلام) انتشر ظلام شدید على الأرض کلّها منذ الساعه السادسه إلى التاسعه ، حیث لفظ المسیح روحه وصرخ صرخه قویّه ، وإذا ستار الهیکل قد انشقّ شطرَین من الأعلى إلى الأسفل ، وزلزلت الأرض ، وتصدّعت الصخور ، وتفتّحت القبور(۲) .
هاتان المعجزتان العظیمتان تدلاّن على عظمه الشهیدَین ، وعلى عظم غضبه
ــــــــــــــ
(۱) تاریخ ابن عساکر ۴ / ۳۳۹ ، والخصائص الکبرى ۲ / ۱۲۶ ، والصواعق المحرقه / ۱۱۶ ، والخطط المقریزیّه ۲ / ۲۸۹ ، وتذکره الخواص / ۱۵۵ ، ومقتل الحسین (علیه السلام) للخوارزمی ۲ / ۹۰ ، وابن لهیعه عن أبی قبیل المعافری إذ قال : إنّ الشمس کسفت حتّى بدت النّجوم وقت الظهر ، وإنّ الأرض أظلمت .
(۲) متّی ۲۷ / ۵۱ ـ ۵۲ .
الخالق سبحانه وتعالى ، الذی أظلم الدنیا ثلاث أیّام طیله بقاء سیّد الشهداء عاریاً فی فلاه کربلاء ، وأظلمها ثلاث ساعات طیله بقاء شهید المحبّه عاریاً فی الجلجله ؛ کی لا تکشف عریهما المقدّس عین ، ومن أجل إشراک الظواهر الطبیعیّه التی هی إحدى العلل فی مجرى الکَون(۱) ، والذی أوقف هذا المجرى شهادتا عیسى والحسین غضباً على مقتلهما ، وإظهاراً لغضبه الخالق على خلقه الذین اضطهدوا وقتلوا الشهیدَین العظیمَین .
وعن زراره عن أبی عبد الله (علیه السلام) : (إنّ السماء بکت على الحسین أربعین صباحاً بالاحمرار ، والأرض بکت أربعین صباحاً بالسواد ، والشمس بکت علیه أربعین صباحاً بالکسوف والحمره )(۲) .
وبعد ثلاث أیّام من دفن عیسى حدث زلزال شدید وهبط ملاک الربّ نازلاً من السماء ودحرج حجر القبر الضخم وقعد علیه ، وکان هذا إیذاناً بقیامه المسیح من بین الأموات صاعداً إلى السماء کما جاء فی الآیه التی نزلت یوم مولده(۳) .
وفی ذات اللیله رأت اُمّ سلمه رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی المنام أشعث مغبّراً وعلى رأسه التراب ، فقالت له : یا رسول الله ، ما لی أراک أشعث مغبّراً ؟! قال : ( قُتل ولدی الحسین ، ومازلت أحفر القبور له ولأصحابه )(۴) . فانتبهت فزعه ونظرت إلى
ـــــــــــ
(۱) استنکر بعض المؤرّخین حدوث مثل هذه الظواهر ، ووصفها ابن تیمیه فی کتابه (رأس الحسین) ط القاهره / ۱۳۰ ، بالغلوّ فی الإیراد ، وفی المسیحیه تقدیر لهذه الظواهر کجزء من علل الکون المسیّر بعنایه إلهیه ، فقد ورد فی أعمال الرسل ۲ / ۱۹ ـ ۲۰ قول عزّته : (وأجعل علوّاً أعاجیب فی السماء ، وسفلاً آیات فی الأرض ، فتتبدّل الشمس بنورها ظلاماً ، والقمر دماً ) .
(۲) وردت فی عدّه مصادر سأذکرها بدون ترقیم وهی : الخصائص الکبرى ، تاریخ ابن عساکر ، تذکره الخواص ، الإتحاف بحب الأشراف ، المناقب لابن شهر آشوب ، النجوم الزاهره ، کنز العمال ، الصواعق المحرقه .
(۳) متّی ۲۷ / ۲ ـ ۳ .
(۴) راجع أمالی الشیخ الطوسی / ۵۶ ، وتهذیب التهذیب ۲ / ۳۵۶ ، وذخائر العقبى ـ المحب الطبری / ۱۴۸ ، وتاریخ الخلفاء ـ السیوطی / ۱۳۹ ، وسیر أعلام النبلاء ـ الذهبی ۳ / ۲۱۳ .
القاروره التی فیها تراب أرض کربلاء فإذا به یفور دماً ، وهو التراب الذی دفعه النبی (صلى الله علیه وآله) إلیها وأمرها أن تحتفظ به(۱) ، وقد سمعت لیلتها صوتاً هاتفاً فی جوف اللیل ینعى الحسین (علیه السلام) فیقول :
أیـها القاتلونَ جهلاً iiحسیناً          أبـشروا بالعذابِ iiوالتنکیلِ
قد لُعنتمْ على لسان ابنِ داودَ       ومـوسى وصاحبِ الإنجیلِ
کلّ أهل السماء یدعو iiعلیکُمْ      مـن نـبیّ ومرسلٍ iiوقبیل(۲)
وفی یوم عاشوراء رأى ابن عبّاس رسول الله (صلى الله علیه وآله) أشعث مغبّراً ، وبیده قاروره فیها دم ، فقال له : بأبی أنت واُمّی ما هذا ؟! قال : ( هذا دم الحسین وأصحابه ، لم أزل التقطه منذ الیوم )(۳) .
ویحدّث دعبل الخزاعی عن جدّه : أنّ اُمّه سعدى بنت مالک الخزاعیّه أدرکت الشجره التی کانت عند اُمّ معبد الخزاعیّه وهی یابسه ، وببرکات وضوء النبی (صلى الله علیه وآله) فی أسفلها أورقت وأثمرت کثیراً . ولمّا قبض النبی (صلى الله علیه وآله) قلّ ثمرها ، ولمّا قُتل أمیر المؤمنین (علیه السلام) تساقط ثمرها ، وکانوا یتداوون بورقها .
ـــــــــــــ
(۱) راجع مرآه الجنان للیافعی ۱ / ۱۳۴ ، وکامل ابن الأثیر الجزء ۳۸ ، ومقتل الخوارزمی ۲ / ۹۵ .
(۲) راجع تاریخ ابن عساکر ۴ / ۳۴۱ فقد ذکرت الأبیات الثلاثه ، وفی تاج العروس ۷ / ۱۰۳ ذکر البیت الأوّل والثالث ـ نقلاً عن المقرم .
(۳) تفرّد به الإمام أحمد / ۲۴۲ وإسناده قوی ، وذکر فی تاریخ بغداد للخطیب ۱ / ۱۴۲ ، وفی طرح التثریب / ۲۲ .
وبعد برهه نظروا إلیها وإذا بساقها ینبع دماً ، فأفزعهم هذا الحادث ، ولمّا أظلم اللیل سمعوا بکاءً وعویلاً ولم یروا أحداً ، وقائل یقول :
یـابنَ الشهیدِ ویا شهیداً iiعمُّهُ    خـیرُ الـعمومهِ جعفرُ iiالطیّارُ
عـجباً لـمصقولٍ أصاب iiحدّهُ      فی الوجهِ منک وقد علاک غبارُ
وقد أخذ البیت الثانی أحد شعراء الشیعه القدامى ونظمه فی ثلاث أبیات ، یقول فیها :
عجباً لمصقولٍ علاک iiفرندهُ      یومَ الهیاجِ وقد علاک iiغبارُ
ولأسـهمٍ نفذتکَ دونَ iiحرائرٍ       یدعون جدّکَ والدموعُ iiغزارُ
هـلاّ تکسّرتِ السّهامُ وعاقها      عن جسمِکَ الإجلالُ والإکبارُ(۱)
وإذا کانت الطبیعه والوحوش والأشیاء قد انفلتت من إسارها ، وانفعلت حزناً على الحسین ، فإنّ الرسول الکریم (صلى الله علیه وآله) الذی قال : (( حسین منّی وأنا من حسین )) . حضر المعرکه التی عذّب فیها بضعته وریحانته ، وشاهد ذلک الجمع الحاقد المتألّب على استئصال أهله من جدید الأرض وبمرأى منه عویل الأیامى ونشیج الفاقدات وصراخ الصبیه من الظمأ ، وقد سمع العسکر صوتاً
ـــــــــــ
(۱) مناقب ابن شهر آشوب ۲ / ۳۸۰ .
هائلاً : ویلکم یا أهل الکوفه ! إنّی أرى رسول الله (صلى الله علیه وآله) ینظر إلى جمعکم مرّه وإلى السماء اُخرى وهو قابض على لحیته المقدّسه . لکن الهوى والضلال المستحکم فی نفوس ذلک الجمع المغمور بالأطماع ، أوحى إلیهم ( إنّه صوت مجنون ) ، فصاح الجمع : لا یهولنّکم ذلک . وکان أبو عبد الله الصادق (علیه السلام) یقول : ( لا أراه إلاّ جبرائیل )(۱) .
ولمّا حمل الرأس الشریف إلى دمشق ونصب فی موضع الصیارفه وهناک لغط الماره وضوضاء المتعاملین ، فأراد سیّد الشهداء توجیه النفوس نحوه لیسمعوا عظاته ، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالیاً ، فاتجهت إلیه الناس واعترتهم الدهشه حیث لم یسمعوا رأساً مقطوعاً یتنحنح قبل یوم الحسین (علیه السلام) ، فعندها قرأ سوره الکهف إلى قوله تعالى : ( إِنَّهُمْ فِتْیَهٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً )(۲) .
وصُلب على شجره فاجتمع الناس حولها ینظرون إلى النور الساطع فأخذ یقرأ : ( وَسَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنقَلَبٍ یَنقَلِبُونَ )(۳)(۴) .
وقال هلال بن معاویه : رأیت رجلاً یحمل رأس الحسین (علیه السلام) والرأس یخاطبه فرّقت بین رأسی وبدنی ، فرفع السوط وأخذ یضرب الرأس حتّى سکت(۳) .
ویحدّث ابن وکیده : إنّه سمع الرأس یقرأ سوره الکهف فشکّ فی أنّه صوته أو غیره ، فترک (علیه السلام) القراءه والتفت إلیه یخاطبه : ( یابن وکیده ، أما علمت أنّا معشر الأئمّه أحیاء عند ربّهم یرزقون ؟ ) .
ــــــــــــ
(۱) کامل الزیارات .
(۲) سوره الکهف / ۱۳ .
(۳) سوره الشعراء / ۲۲۷ .
(۴) ابن شهر آشوب ۲ / ۱۸۸ .
(۵) شرح قصیده أبی فراس / ۱۴۸ .
فعزم على أن یسرق الرأس ویدفنه ، وإذا الخطاب من الرأس الشریف : ( یابن وکیده ، لیس إلى ذلک من سبیل ؛ إنّ سفکهم دمی أعظم عند الله من تسییری على الرمح ، فذرهم فسوف یعلمون ( إِذِ الأَغْلاَلُ فِی أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ یُسْحَبُونَ)) (۱) .
وقال المنهال بن عمرو : رأیت رأس الحسین بدمشق على رمح وأمامه رجل یقرأ سوره الکهف حتّى إذا بلغ إلى قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْکَهْفِ وَالرَّقِیمِ کَانُوا مِنْ آیَاتِنَا عَجَباً )(۲) . نطق الرأس بلسانٍ فصیح : ( أعجب من أصحاب الکهف قتلی وحملی )(۲) .
ولمّا أمر یزید بقتل رسول ملک الروم حیث أنکر علیه فعلته ، نطق الرأس الشریف بصوتٍ رفیع : ( لا حول ولا قوه إلاّ بالله )(۳) .
وحدّث ابن لیهعه : أنّه رأى رجلاً متعلقاً بأستار الکعبه یستغیث بربّه ثمّ یقول : ولا أراک فاعلاً . فأخذته ناحیه وقلت : إنّک لمجنون ! فإنّ الله غفور رحیم ولو کانت ذنوبک عدد القطر لغفرها لک . قال لی : اعلم کنت ممّن سار برأس الحسین إلى الشام ، فإذا أمسینا وضعنا الرأس وشربنا حوله .
وفی لیله کنت أحرسه وأصحابی رقود ، فرأیت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس ، ففزعت ودهشت ولزمت السکوت ، فسمعت بکاءً وعویلاً ، وقائلاً یقول : یا محمّد ، إنّ الله أمرنی أن أطیعک ، فلو أمرتنی أن أزلزل بهؤلاء الأرض کما فعلت بقوم لوط . فقال له : ( یا جبرائیل ، إنّ لی موقفاً معهم یوم القیامه بین یدی ربّی سبحانه ) .
ــــــــــــــ
(۱) شرح قصیده أبی فراس / ۱۴۹ .
(۲) سوره الکهف / ۹ .
(۳) الخصائص ـ السیوطی ۲ / ۱۲۷ .
(۴) مقتل العوالم / ۱۵۱ .
فصحت : یا رسول الله , الأمان . فقال لی : ( اذهب فلا غفر الله لک ) . فهل ترى الله یغفر لی(۱) ؟
وفی بعض المنازل وضعوا الرأس المطهّر فلم یشعر القوم إلاّ وقد ظهر قلم حدید من الحائط وکتب بالدم :
أترجو أمّهٌ قتلت حسیناً        شفاعهَ جدّه یومَ الحسابِ(۲) ؟!
وقبل أن یصلوا الموضع بفرسخ وضعوا الرأس على صخره هناک ، فسقطت منه قطره دم على الصخره ، فکانت تغلی کلّ سنه یوم عاشوراء ، فیجتمع الناس هناک ویقیمون المأتم على الحسین حولها ، وبقی هذا إلى أیّام عبد الملک بن مروان ، فأمر بنقل الحجر فلم یرَ له أثر بعد ذلک(۳) .
وقد روى ابن قولویه فی الکامل : أنّهم کانوا یسمعون نوح الجن فی اللیالی التی قُتل فیها الحسین (علیه السلام) ، ومن شعرهم :
أبکی ابنَ فاطمه الذی     مِن قتلهِ شاب الشعرْ
ولـقـتلِهِ iiزُلـزلتموا        ولقتلِهِ انخسف القمرْ
ـــــــــــ
(۱) اللهوف / ۹۸ .
(۲) مجمع الزوائد ـ لابن حجر ۹ / ۱۹۹ ، والخصائص ـ السیوطی ۲ / ۱۲۷ ، وتاریخ ابن عساکر ۴ / ۳۴۲ ، وتاریخ القرمانی / ۱۰۸ ، ومثیر الأحزان / ۵۳ .
(۳) نفس المهموم / ۲۲۸ ، ونهر الذهب فی تاریخ حلب ۳ / ۳۳ ، وکتاب الإشارات إلى معرفه الزیارات / ۶۶ .
وذکر ابن نما عن أبی حباب الکلبی قال : لمّا قُتل الحسین (علیه السلام) ناحت علیه الجنّ فکان الجصّاصون یخرجون باللیل إلى الجبّانه فیسمعون الجنّ یقولون :
مـسح الحسینُ iiجبینَهُ     فله بریقٌ فی iiالخدودِ
وأبوهُ من أعلا قریـ           ـشٍ جـدُّه خـیرُ iiالجدودِ
ویشیر أبو العلاء المعرّی إلى قتل الحسین واحمرار السماء حزناً علیه فی قصیده یقول مطلعها :
عـلّلانی فـإنَ بیضَ iiالأمانی     فُـنیتْ والـظلامُ لـیس بفانِ
وعلى الدهرِ من دماء الشهیدیـ    ـنِ عـلـیٍّ ونـجـلِهِ iiشـاهدانِ
فـهما فی أواخر اللیل iiفجرا       ن وفــی أولـیـاتهِ iiشـفـقانِ
ثبتا فی قمیصه لیجیء iiالحشـ      ـر مـسـتعدیاً إلــى iiالـرحمنِ
وممّا هو معروف أنّ المسیح کانت له سلطه على الجن والأرواح وجند الملائکه ، فقد کانت تأتمر بأمره (علیه السلام) فتنقله بلمحه طرف إلى أی مکان ، ویأمرها فتنفّذ له ما یأمرها به ، وعندما تبکی الجن على مقتل الحسین ، فإنّ فی هذه الحکمه الأعجوبه لمعجزه خارقه أتی بمثلها لعیسى (علیه السلام) .
وإذا کنّا قد خلصنا إلى أوجه الشبه بین عیسى والحسین (علیهما السلام) ، وبین شهادتَیهما ، والمعجزات الکونیّه الخارقه التی تلتهما مباشره ، فإنّا سنعرّج على أوجه الاختلاف القلیل بین الشهیدَین العظیمَین .

Leave A Reply

Your email address will not be published.