الإمام الحسین (علیه السّلام) والتطوّر الحضاری للأمه
لقد حفر السبط الشهید نهراً مبارکاً فی ضمیر التاریخ ، یفیض بالقیم الإیمانیه , وتنبت على شاطئه أشجار الرحمه والحب والعواطف الإنسانیّه ، ویمتدّ من ذلک النهر الفائض رافد میمون إلى قلب کلِّ مسلم .
إنّ هذا النهر الحسینی المتدفق ینبعث من ساق العرش , حیث التوحید الخالص ، والتسلیم التام لرب العزّه ، وحیث الطهاره من دنس الشرک ، وحیث التحرر من عباده الأهواء .
أوَتدری لماذا کُتب عن یمین العرش أنّ الحسین مصباح هدى وسفینه نجاه ؟ لأنّ الإمام الحسین (علیه السّلام) حمل رایه الحنفیه البیضاء ، وحطّم بنهضته الحمراء أصنام الجبت والطاغوت ، ورفض أن یستسلم لسلطان الطاغیه یزید ، ولجبت الدینار والدرهم ، وقال بکل شموخ : (( ألا وإنّ الدعی ابن الدعی قد رکز بین اثنتین ؛ بین السله والذله ، وهیهات منا الذله ! ))(۱) .
وهکذا رفع الله رایه السبط الشهید حین شرفه بالتوحید النقی .
لقد جسّد الإمام الحسین (علیه السّلام) الکفر بالطاغوت والإیمان بالله ، فکان مثلاً سامیاً لقول الله سبحانه : (فَمَن یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَیُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقَى)(البقره/ ۲۵۶) .
وإنّ أیام محرّم التی نجدد فیها ذکرى الشهاده هی من أیام الله التی یتجدد فیها الإیمان بالله ، وبالرسالات الإلهیه ، وبإخلاص العبودیه لله . وهکذا نطهّر فیها أنفسنا فی نهر التوحید من شوائب الشکِّ والشرک ، ومن عباده الأهواء ، ومن الخضوع للطغاه ، ومن مجاراه الظالمین , ومهادنه الفسقه والمنافقین .
إنّ نهج أبی عبد الله الحسین (علیه السّلام) لا یزال یبعث شلاّلاً من النور فی کل اُفق ، وإن نهج أعدائه الظالمین لا یزال یعارض سبیل الشهاده , وإنهما نهجان لا یلتقیان ؛ فشیعه الحسین (علیه السّلام) یتسابقون إلى نیل شرف الشهاده ، ویجعلون محاربه الطغاه شعارهم فی کل موقع , بینما ترى السائرین فی رکاب یزید یتهافتون على تقبیل أحذیه السلاطین وجعلها وساماً على أکتافهم الذلیله .
ولا یزال موسم محرم الحرام فرقاناً بین النهجین , والدعاه الحسینیّون والخطباء الحقیقیون یجعلون من کلِّ عاشوراء موسماً میموناً لنصره نهج السبط الشهید ، ومحاربه نهج الخنوع والاستسلام ، ومیعاداً لنشر تلک الرایه المصبوغه بدم الشهاده ، وعلیها تلک الکلمه التی لا تمحى : (( هیهات منّا الذله ! )) .
إنّ کلَّ مسلم حسینی الیوم مدعو وبکلِّ صراحه لیعلن نصرته لنهج السبط الشهید ، أو لیصبح تابعاً ذلیلاً لرکب یزید .
والبصائر التالیه هی بعض ما یمکن أن ننتصر بها جمیعاً لمسیره عاشوراء :
أوّلاً : إنَّ القیادات الشرعیه فی الاُمّه , والتی تجسد نهج الإمام الحسین (علیه السّلام) ـ حسب رؤیتک أیها السائر فی درب الحسین (علیه السّلام) ـ إنّما هی الامتداد الحقیقی لخطِّ أبی عبد الله (علیه السّلام) ، وخطّ الشهاده والفداء ؛ فإذا عرفتها فتمسّک بها ، ولا یزلزلک عنها الوسواس الخناس ، ولا تنتکص عنها خشیه الظالمین أو رغبه فی دنیا المترفین .
وإذا لم تعرفها فابحث عنها حتّى تجدها ، وإیاک أن تبرر التقاعس بأنک لا تعرف مَن یجسّد خطّ أبی عبد الله الحسین (علیه السّلام) ؛ فإنک سوف تتخلف ـ لا سمح الله ـ عن تلک السفینه التی جعلها الله نجاه للاُمّه .
إنّ الانتصار للقیاده الشرعیه والولایه الإلهیه لهو الخطوه الاُولى فی مسیره النهضه , وإنّ کلّ مَن یضمَّ صوته إلى صوت الحقِّ یضیف قوه إلى بنیان الحقِّ ، کما أنه یزداد قوه وصلابه .
وإنّ الخطباء الکرام هم أولى الناس بالدعوه إلى القیادات الشرعیه والدفاع عن نهجهم الحسینی ؛ وبذلک سوف یؤدّون دیْنَهم إلى السبط الشهید ، کما یقومون بواجبهم الشرعی المتمثل فی تولّی أولیاء الله .
ثانیاً : إنّ التیار الفاعل فی الاُمّه , والذی یتمثّل فی التجمعات الربانیّه ، والجمعیات الخیریه ، والهیئات الدینیه وما إلیها , إنما هو نواه المجتمع الإسلامی ، وعلینا دعم مسیره هذا التیار بکلِّ قوه .
والدعوه إلى دعمهم تتم من خلال المنابر الحسینیّه ؛ کی یلتفَّ الناس حولهم , ویبذلون الأموال لدعمهم .
وإذا خرجنا من محرم وقد ازداد هذا التیار قوه وصلابه ، وازدادت المشاریع الخیریه الناهضه عدداً وعدّه ؛ فإنّ ذلک لدلیل على نجاحنا فی هذا الموسم المبارک .
ثالثاً : تعیش الاُمّه مشاکل بالغه التعقید ، وأبرزها التفتت والاتکالیه والابتعاد عن ثقافه الوحی ، والتشبّه بالکفار , وضیاع القیم الحضاریه التی بشّر بها الدین . وعلینا أن نستفید من موسم محرم المیمون وما فیه من روح الإیمان وهدى الرساله ؛ لتوعیه الاُمّه بسبل حلِّ المشاکل والتصدی الشجاع لها .
إنّ الخطباء الکرام سوف یجدون فی هذه المناسبه فرصه مناسبه لتوعیه الناس بضروره التعارف والتعاون ، وأن یتحمّل کلُّ فرد مسؤولیته الشرعیه تجاه دینه واُمّته ، وإصلاح واقع الاُمّه .
رابعاً : لقد تعرّضت اُمّتنا ومنذ قرن لأمواج متلاحقه من الثقافات الجاهلیّه التی تسخر بعقائد الناس , وتثیر الشبهات حول اُصول دینهم ومراسی حضارتهم . والیوم , وبعد تنامی المد الإسلامی , وعوده الناس إلى قواعد دینهم بفضل الله تعالى , نجد موجه جدیده تغزو بلادنا عبر المحطات العالمیه المصوّره التی تبث الأفلام الخلیعه ؛ لعلّها تجتذب الشبیبه , وتدسّ عبر تلک الأفلام الأفکار الغربیه .
کما وأنها تُحکم سیادتها على الإعلام لتصوغ عقولنا حسب مصالحها وأهوائها ؛ لذا علینا أن نسارع إلى حصن ثقافتنا الإلهیه الصافیه ، ونتصدى بواسطتها لهذه الموجه الجدیده من الغزو الثقافی .
إنّ القرآن الکریم هو حبل الله المتین والمتصل بین الأرض والسماء ،
وأنّنا لو عدنا إلیه بحقٍّ لکفانا مؤنه هذا الغزو الجدید .
إنّ على الخطباء الکرام أن یستوحوا من آیات القرآن بصائر لردِّ شبهات الخنّاسین ، وأن ینتهزوا فرصه اجتماع الناس لتذکرتهم بالله وبالیوم الآخر وبالرسالات ، وبالتالی بتلک الاُصول الفکریه التی نجدها فی کتاب ربنا . وإنّ علیهم ـ فی ذات الوقت ـ أن یدعوا الناس إلى قراءه کتاب الله , والتدبر فی آیاته , والاتّعاظ بها , وصیاغه أنفسهم وفقها .
والسنه الشریفه قبس من نور الله ، فعلینا الاهتداء بها والتأمّل فیها ؛ فإنّ سیره النبی وأهل بیته (علیه وعلیهم السّلام) هی تجسید للوحی , ومثالاً واقعیاً للسنه . وبالدعوه المستمره إلى العوده إلى مائده القرآن والسنه نستطیع أن نواجه الغزو الغشوم الذی نتعرض له الیوم .
خامساً : إنّ الشعائر الحسینیّه مائده إلهیه مبارکه ، وإنّ العلماء والخطباء والمثقفین الرسالیین مدعوون إلى أن یستفیدوا منها بأقصى درجه ممکنه ؛ وذلک بإعطائها بُعدها الإلهی ومحتواها الرسالی ، وجعلها أقرب ما یکون إلى الأهداف السامیه التی ابتغاها السبط الشهید (علیه السّلام) من نهضته الربانیّه .
سادساً : من أجل تحقیق أهداف النهضه الحسینیّه علینا أن نتشاور ونتعاون ، وبالذات فیما یتّصل بحلِّ مشاکل الاُمّه التی علینا أن نتعرّف علیها وعلى حلولها من خلال تواصل وتشاور الخطباء مع العلماء المتصدّین لمختلف المناطق , ومع المثقفین والمتصدین لشؤون المجتمع ، وکذلک مع سائر الناس ؛ فکلّما کان الخطیب أقرب إلى ضمیر اُمّته کلما کانت نصائحه أبلغ أثراً فیهم .
ــــــــــــ
(۱) حیاه الإمام الحسین بن علی (علیه السّلام) ـ للقرشی ۲ / ۲۹۰ ـ ۲۹۱