هبّ الناس إلى بیت علیّ علیه السلام بعد قتل عثمان

0

إن خلافه علی للنبی تتصور بالصورتین التالیتین:
۱ ـ الخلافه بالنصّ : ویتمّ تعیینها من قِبل الله تعالى ، وهی بهذا المعنى لیست قابله للفسخ أو الرفض ، وهی کالنبوّه من جهه کونها وظیفه إلهیّه توضع على عاتق الشخص المختار من قبل الله تعالى .
۲ ـ الخلافه بالانتخاب : أی انتخاب الخلیفه من قِبل الناس.
وإنّ الّذی رفضه الإمام (علیه السلام) هو القسم الثانی، لأنّه (علیه السلام) قد فهم القضیه فهماً موضوعیاً وعرف أنّ الانحراف الّذی حصل خلال الفتره المنصرمه لابدّ۱۲ .۰pt’>
من التصدّی له وإصلاحه، وهذا التصدی یحتاج إلى مواجهه من النفعیین من جهه وإعداد الأُمّه من جهه ثانیه، فلذلک وضع الأُمّه أمام الأمر الواقع مبیناً لهم خطوره الموقف وعظم المهمه التی ستقع على عاتقهم کی یتحملوا هذه المسؤولیه عن وعی وفهم، ولکی لا یقال إنّ علیاً (علیه السلام)قد خدعنا.
والشاهد على ذلک تعبیر الإمام (علیه السلام) حیث قال:
«دَعُونِی وَالَْتمِسُوا غَیْرِی; فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ; لاَ تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلاَ تَثْبُتُ عَلَیْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الاْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَالَْمحَجَّهَ قَدْ تَنَکَّرَتْ. وَاعْلَمُوا أَنِّی إِنْ أَجَبْتُکُمْ رَکِبْتُ بِکُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَکْتُمُونِی فَأَنَا کَأَحَدِکُمْ; وَلَعَلِّی أَسْمَعُکُمْ وَأَطْوَعُکُمْ لِمَنْ وَلَّیْتُمُوهُ أَمْرَکُمْ، وَ أَنَا لَکُمْ وَزِیراً، خَیْرٌ لَکُمْ مِنِّی أَمِیراً!» .([1])
إذاً إنّ الإمام(علیه السلام) فی هذا الکلام بیّن جانباً من الحقائق والأوضاع الحاکمه على ذلک العصر ، کما بیّن أسلوبه ونظرته فی إداره الحکومه ، حیث إنّ جانباً من الأوضاع الحاکمه على حیاه الناس فی تلک الأیّام ، کانت عباره عن :
۱ ـ الانحراف التدریجی عن سنّه رسول الله(صلى الله علیه وآله) بعد مضیّ ۲۳ سنه على التحاقه بالرفیق الأعلى ، مثل بدعه تفضیل العرب على العجم والموالی على العبید فی العطاء .
۲ ـ أسلوب عثمان المتمثِّل فی التقسیم غیر العادل لأموال بیت المال وتعیین أقاربه من بنی أُمیّه على المناصب المهمّه فی الإمارات ، ممّا جعل المسلمین یثورون علیه ویقتلونه.([۲])
۳ ـ طمع مجموعه بالحصول على مناصب سیاسیه دعاهم إلى مبایعه الإمام علیّ(علیه السلام) .
وهذا ما نراه فی کلام طلحه والزبیر حیث قالا له : نبایعک على أنّا شرکاؤک فی هذا الأمر ، ] فقال [ : لا ، ولکنّکما شریکان فی القوّه والاستعانه ، وعَونان على العجز والأَوْد.([۳])
۴ ـ إشاعه الأعداء بین الناس أنّ علیّاً(علیه السلام) یحرص على الحکومه.([۴])
۵ ـ وجود معاویه الذی امتلأ غیظاً وحقداً على الإمام(علیه السلام) بسبب القتل الذی تعرّض له أقاربه على ید الإمام علیّ(علیه السلام) فی حروب المشرکین على النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم)  ، فوجد فی قتل عثمان ذریعه للثأر من الإمام(علیه السلام) فاتّهمه بالمشارکه فی قتله ، وبحجّه القصاص من قَتَلَه عثمان أطلق لنفسه العنان فی الخروج على إمام زمانه ومحاربته.([۵])
۶ ـ تنبّأ الإمام(علیه السلام) قبل عشر سنوات حینما بُویع عثمان للخلافه بحدوث فتنه([۶]) ، والآن بعد مقتل عثمان فإنّ الإمام یصرّح أنّه یرى ذلک بشکل واضح تهتزّ له القلوب والعقول .
وأُمور أُخرى من هذا القبیل أوجبت على الإمام بیان الحقیقه للناس والظروف الخطیره التی تنتظرهم بدون مجامله ، حتّى لا یُبقی لهم أیّ ذریعه أو حجّه یحتجّون بها علیه ، بعد مبایعتهم له ، لذلک أکّد على هذه النکته فی ما بعد قائلاً :
«لم تکن بیعتکم إیّای فلته . . .» ([7]) ; یعنی أنّ بیعتهم له لم تکن بدون تفکیر وتأمّل منهم حتّى ینقضوها بل کانت بإرادتهم الکامله .
ولذا ذکر أمیر المؤمنین(علیه السلام) سبب سکوته بعد واقعه السقیفه وسبب قبوله للخلافه بعد مقتل عثمان بقوله : « فأمسکت یدی حتّى رأیت راجعه الناس قد رجعت عن الإسلام یدعون إلى محق دین محمّد ، فخشیت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فیه ثلماً أو هدماً تکون المصیبه به علیَّ أعظم من فوت ولایتکم» ([8]) .

[۱] . نهج البلاغه : 1 / 181، الخطبه ۹۲  .
[۲] . راجع نهج البلاغه ، الخطبه ۱۶۴ ; الملل والنحل للشهرستانی : 32 ـ ۳۳ .
[۳] . نهج البلاغه ، الکلمات القصار، برقم ۲۰۲ .
[۴] . نهج البلاغه ، الخطبه ۱۷۲ .
[۵] . لاحظ : نهج البلاغه ، الکتاب رقم ۱۰ و ۲۸ و ۶۴  .
[۶] . شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید : 1 / 195 .
[۷] . نهج البلاغه ، الخطبه ۱۳۶، والکتاب رقم ۵۴ .
[۸] . نهج البلاغه ، الکتاب رقم ۶۲ ، کتابه (علیه السلام)إلى أهل مصر، مع مالک الأشتر لمّا ولاّه إمارتها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.