الشیطان من الجن أم من الملائکه؟

0

المحور الأساسی و العله الهامه فی إیجاد هذا السؤال هو مجریات و أطوار خلق آدم علیه السلام، فعندما أراد الله سبحانه أن یخلق الإنسان حاول الملائکه أن یستفهموا ویسألوا بکل أدب و احترام و خضوع أمام الله سبحانه، فقالوا: ألم یکن تسبیحنا و تقدیسنا کافیاً؟ و ما هو الهدف من خلق الإنسان؟ و عندما بین الله لهم السرّ فی خلق الإنسان و الهدف من ذلک، و أخبرهم بأن الإنسان هو خلیفه الله فی الأرض، فما کان من الملائکه إلا أن یمتثلوا لأمر الله بکل تواضع و تسلیم، حینما أمرهم بالسجود لآدم علیه السلام، فسجدوا بکل إخلاص و احترام، و قد کان إبلیس من بین الملائکه، أو من الأفضل أن یقال کان فی صف الملائکه، و قد عبد الله مده طویله و لکنه کان یخفی فی داخله سرّاً مکتوماً و مستوراً، لم یطّلع علیه أحد سوى الله سبحانه و تعالى، ذلک السرّ الذی أخفاه إبلیس مدهً طویلهً من الزمن و لکنه انکشف أمره فی أطوار خلق آدم علیه السلام و مجریات إیجاده. و حقیقه الأمر هی أن إبلیس کان کافراً، إنه کافر منذ وقت طویل، و لکن استکباره و عناده و رفضه امتثال أمر الله عندما أمر بالسجود لآدم علیه السلام هو الذی کشف ذلک الکفر المقنّع المستور.
فعندما وجّه الله سبحانه أمره إلى جمیع الملائکه بالسجود لآدم علیه السلام و کان إبلیس فیما بینهم یعبد الله سبحانه و یقدسه، امتثل جمیع الملائکه لهذا الأمر الإلهی إلا إبلیس، فإنه أبى الامتثال و الطاعه فلم یسجد کما أُمر، و کان دلیله هو {أَنَا خَیْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِی مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِینٍ} فکیف یسجد الموجود الأفضل و الأعلى رتبه إلى الموجود الأدنى؟
و کأن إبلیس کان غافلاً عن حقیقه آدم! و کأنه لم یرَ أنه نفخ فیه من الروح الإلهی، و إن إنسانیه الإنسان و قیمته و وزنه یکمن فیما حل فیه من هذا الجوهر الملکوتی الذی أفیض علیه من قبل خالقه تعالى. کان ظن الشیطان أن النار ألطف من الطین، و مع أنه کان مخطأً فی هذا القیاس الذی لا محل لبیانه هنا، إلا أنه نظر إلى البعد الناسوتی الجسمانی بالنسبه للإنسان، و لکنه کان غافلاً عن مقام الإنسانیه السامی! و لذلک فقد أخرج الشیطان من الجنه لردود فعله على عملین اثنین، حیث کانت له ردتی فعلٍ على عملین: رد الفعل الأول یتمثل فی تفاخره و استعلائه بالنسبه إلى طبیعه خلق الإنسان، و رد فعله الثانی یتمثل فی استکباره و إعراضه عن الله و عدم الامتثال لأوامره.
و عمده الکلام فی السؤال التالی الذی یطرح على النحو التالی: هل إن الشیطان (إبلیس) کان من الملائکه أم لا؟
وقبل الإجابه عن هذا السؤال نرى من اللازم بیان و إیضاح المفردات الوارده فی طی السؤال و بشکل مختصر، حتى تکون الإجابه على أساس من الإحکام و الإتقان العلمی إن شاء الله، و لذلک نبدأ بإیضاح المفردات التالیه:
أ ـ الشیطان.
ب ـ إبلیس.
جـ ـ الملک.
د ـ الجن.
أ ـ الشیطان:
لفظ الشیطان مشتق من ماده (شَطَنَ) و الشاطن تعنی الموجود المتمرد الخبیث الطاغی و غیر المنقاد، و ذلک أعم من أن یکون إنساناً أو جناً أو أی مخلوق آخر. و قد ورد هذا المعنى بالنسبه إلى الروح الشریره البعیده عن الحق، و فی الحقیقه فإن القدر المشترک فی هذه المعانی هو شیء واحد.
و على هذا الأساس فلفظ (الشیطان) اسم جنس یطلق على الموجود المنحرف المؤذی سواء کان إنساناً أو غیر إنسان.
و کذلک بالنسبه إلى القرآن الکریم و لسان الأئمه المعصومین (علیهم السلام) لم یطلق لفظ الشیطان على موجود خاص بعینه، بل إنه أطلق على کل شریر و حتى على ما لا یحمد من الأخلاق کالحسد سمی شیطاناً.[۱]
ب ـ إبلیس:
اسم خاص (علم) له مصداق واحد فقط. و هو أوّل من ارتکب المعصیه فی عالم الممکنات، و ادعى الاستقلالیه مقابل خالقه تعالى، و أظهر التفاخر و الاستکبار، و أعرض عن أمر مولاه و لم یطعه، و بعد ذلک طرد من الجنه و أخرج منها.
و کان اسم إبلیس (عزازیل)[۲]، و إن إبلیس مشتق من ماده (الإبلاس) و قد صار لقباً له فی حقیقه الأمر، و الإبلاس یعنی الیأس، و المبلس المئیوس، و بهذا الاعتبار کان إبلیس یائساً من رحمه الله، و بذلک اکتسب هذا اللقب .
جـ ـ الملک:
من المناسب الإشاره إلى بعض صفات الملائکه لنصل إلى ما نرید استنتاجه، و ملخصه هو: بما أنه لیس للملک من سبیل إلى المعصیه فعلیه لا یمکن أن یکون الشیطان من جنس الملائکه.[۳]
الملائکه موجودات وصفها الله تعالى فی القرآن بأفضل ما یکون التوصیف، و ذلک فی قوله سبحانه: {وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُکْرَمُونَ * لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ}[۴] فبالنسبه إلى الملائکه لا وجود لشیء خلاف الحق على الإطلاق، و إنهم فی حال عباده خالقهم بصوره دائمه و مستمره و فی کل ظرف وحین، و على أی حال فالملائکه موجودات معصومه، لا یمکن أن یتلوثوا هم و لا ضمائرهم النقیه بالذنوب و المعاصی. و الأهم من کل شیء بالنسبه لهم هو إطاعتهم و انقیادهم مقابل خالقهم، و إظهارهم العجز فی مقابل ما لا یعلمون، و عدم التفاخر و الاستکبار فیما یعلمون، لأنهم على یقین من أن کل ما عندهم إنما هو من لدن ذات الحق تبارک و تعالى، و لو تعلقت إرادته للحظه واحده فی أن لا یعلموا شیئاً، فإن کل ما یعلمونه یتبدل إلى الجهل و عدم العلم.
إن أهم اختلاف و تفاوت بین الملائکه و الشیطان یظهر جلیاً من خلال ما جرى بالنسبه إلى خلق آدم علیه السلام و الأمر بالسجود له من قبل الله تعالى.
لأن الملائکه قبلوا بکل خضوع و تواضع أنهم لا یعلمون علم الأسماء، و بعباره أخرى إنهم فهموا أنهم لا یفهمون هذا الأمر.
أما الشیطان فقد أوهمه استکباره و عناده بأنه یعلم کل شیء، و لم یفهم أن السجود لآدم علیه السلام بسبب ما أفاض الله علیه من علوم، و إن ذهنه المظلم لا یمکن أن یستقبل مثل هذه العلوم.
أی أن کبره و غروره منعاه من الفهم و الإدراک، فکانا سبباً لمنعه من السجود! لأن إباءه عن السجود کان إباءً استکباریاً، و لیس من قبیل عدم القدره و الاستطاعه على السجود!
و یتضح من البیان السابق، بما أن الملک معصوم محض، فلا سبیل للذنب إلى ساحته، و عندما لا یکون له ذنب، فمعنى ذلک أن جمیع أعماله تکون طاعهً محضه لله تعالى، و إذا کانت الطاعه واجبه و ضروریه بالنسبه إلى موجود ما، فإن الکفر و المعصیه و الاستکبار ممتنع بالنسبه إلیه. و هذا الدلیل هو أوّل دلیل عقلی على اختلاف الشیطان عن الملک، و النتیجه هی أن الشیطان لم یکن ملکاً.
و قبل بیان الأدله العقلیه و النقلیه الأخرى من اللازم الإشاره إلى توضیح مختصر بشأن الجن و طبیعته.
د ـ الجن:
الجن فی الأصل هو الشیء الخافی على حواس الإنسان، و قد أکد القرآن الکریم وجود هذه الموجودات، و بین بعض الأمور المتعلقه بها، و قد ذکر أن جنس هذه المخلوقات من النار، کما بین أن نوع الإنسان و أصله یرجع خلقه إلى التراب. و لکن خلق هذه الموجودات و إیجادها سابق لخلق الإنسان.[۵]
و قد عبر بعض العلماء عن الجن بأنها نوع من الأرواح العاقله التی تکون مجردهً عن الماده، و لکنه من الواضح أنها لا تتمتع بالتجرد الکامل، لأن الشیء الذی یخلق من النار هو مادی، و له نصف تجرد، أو بتعبیر آخر أنها نوع من الأجسام اللطیفه.[۶]
و الذی یستفاد من الآیات القرآنیه أن الجن کنوع البشر تمتلک إرادهً و شعوراً، وباستطاعتها أن تؤدی أعمالاً صعبه و ثقیله، و فیهم المؤمن و الکافر، و بعضهم صالح و البعض الآخر فاسد، و هم على حد سواء مع الإنسان فی الحیاه و الموت و الحشر و القیامه… و فیهم الذکور و الإناث، یتناسلون و یتکاثرون عن طریق التزاوج.
و أما فیما یخص موضوعنا الأساسی، و هو هل أن إبلیس من الملائکه أم لا؟ فللعلماء وجهات نظر مختلفه بشأن ذلک، و لعل منشأ الاختلاف راجع إلى التمسک ببعض آیات القرآن الکریم.
فالذین یذهبون إلى أن الشیطان (إبلیس) من الملائکه، تتلخص عمده دلیلهم بالاستناد إلى الآیه المبارکه فی قوله تعالى: {وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِیسَ}[۷] و حیث أن إبلیس استثنی من السجود، و إن المستثنى منه فی هذه الجمله القرآنیه هو الملائکه، فالنتیجه هی أن إبلیس من الملائکه.
و لکن الحق هو أن إبلیس لم یکن من الملائکه، فقد وردت الأخبار المتواتره عن أئمه الهدى علیهم السلام، و قد أجمع الإمامیه على ذلک، و هذا یؤکد على أن إبلیس لیس من الملائکه و إنما هو من الجن. و هناک العدید من الأدله على هذه المسأله نورد بعضاً منها:
۱٫ إنه سبحانه قال: {إِلاَّ إِبْلِیسَ کَانَ مِنَ الْجِنِّ}[۸] أی أن إبلیس من جنس الجن.
۲٫و قال تعالى فی شأن الملائکه: {لا یَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ یَفْعَلُونَ مَا یُؤْمَرُونَ}[۹].
أی أنه نفى المعصیه عن جنس الملائکه بصوره عامه، و یترتب على ذلک: أولاً: إنه لا أحد من الملائکه یمکن أن یرتکب المعصیه، و ثانیاً: إنهم لا یرتکبون أی لون من ألوان المعاصی.
۳٫ قال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّیَّتَهُ أَوْلِیَاءَ مِنْ دُونِی وَ هُمْ لَکُمْ عَدُوٌّ}[۱۰] و هذا تصریح من القرآن بأن للجن نسلاً و ذریه، أو بعباره أخرى أنهم یتوالدون و یتناسلون، فی حین أن طبیعه خلق الملائکه روحانیه لا وجود فیها لمسائل من هذا القبیل.
۴٫ قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلائِکَهِ رُسُلاً} أی أن الله اتخذ من الملائکه رسلاً.[۱۱] و من المعلوم أن الکفر و العصیان لا یجوز على رسل الله تعالى.
و أما الجواب عن الاستدلال باستثناء إبلیس من الملائکه، فیمکن أن یقال: إن استثناء إبلیس من الملائکه ـ فی الآیه ـ لیس فیه أی دلاله على کون إبلیس من جنس الملائکه، و منتهى ما یفهم من الاستثناء أن إبلیس کان فی صف الملائکه و فیما بینهم، و أنه أمر بالسجود کما أمر الملائکه بذلک، بل إن البعض ذهب إلى أن الاستثناء فی الآیه هو استثناء منقطع، و ذلک یعنی أنه لا وجود للمستثنى منه فی الجمله.[۱۲]
و قد قیل فی وصف إبلیس أنه عبد الله سته آلاف من السنین، و لذلک فوجود هکذا موجود ـ یعبد الله على مدى هذا الزمن الطویل ـ فی صفوف الملائکه و بین أظهرهم لیس بالأمر البعید.
وقد سُئل الإمام الصادق علیه السلام: "أکان (إبلیس) من الملائکه أو کان یلی شیئاً من أمر السماء؟ فقال: لم یکن من الملائکه، و لم یکن یلی شیئاً من أمر السماء، و کان من الجن، و کان مع الملائکه، وکانت الملائکه ترى أنه منها، و کان الله سبحانه یعلم أنه لیس منها، فلما أمر بالسجود لآدم، کان منه الذی کان".[13]
للإطلاع بشکل أوسع یمکن الرجوع إلى المصادر التالیه:
۱٫ المرحوم الطبرسی، مجمع البیان، ج ۱ ، ص۱۶۳، تفسیر الآیه ۳۴، البقره.
۲٫ العلامه الطباطبائی، محمد حسین، تفسیر المیزان، ج ۱، ص۱۲۲ و ما بعدها؛ ج ۸، ص۲۰ وما بعدها.
۳٫ جوادی الآملی، عبد الله، تفسیر موضوعى قرآن کریم" التفسیر الموضوعی للقرآن الکریم،"ج ۶، البحث المتعلق بخلق آدم علیه السلام.
۴ . مصباح الیزدی، محمد تقی، معارف قرآن "معارف القرآن،ج ۱ ـ ۳، ص۲۹۷، و ما بعدها.
۵٫ التفسیر الأمثل، ج ۱، تفسیر الآیه ۳۴ من سوره البقره و ج ۱۱ ، ص ۸، و ما بعدها.

[۱] الراغب الأصفهانی، المفردات، ماده شطن.
[۲] الطبرسی، مجمع البیان، ج ۱، ص۱۶۵، طبعه بیروت.
[۳] جاء لفظ ملائکه فی الآیه الشریفه مقروناً بالألف واللام (الملائکه) مما یدل على استغراق جمیع الملائکه و شمولهم بأمر السجود لآدم علیه السلام.
[۴] الأنبیاء، ۲۶ ـ ۲۷٫
[۵] {وَ الْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} الحجر، ۲۷٫
[۶] تفسیر نمونه" التفسیر الأمثل،" ج ۱۱، ص۷۹ – ۸۰٫
[۷] البقره، ۳۴٫
[۸] الکهف، ۵۰٫
[۹] التحریم، ۶٫
[۱۰] الکهف، ۵۰٫
[۱۱] فاطر، ۱؛ الحج، ۷۵٫
[۱۲] هناک أدله أخرى لم نذکرها توخیاً للاختصار، و لمن یرغب فی الإطلاع علیها یمکنه مراجعه تفسیر مجمع البیان، تفسیر الآیه ۳۴ من سوره البقره.
[۱۳] الطبرسی، مجمع البیان، ج ۱، ص۱۶۳، طبعه بیروت.

Leave A Reply

Your email address will not be published.