معراج النبی الأکرم صلّى الله علیه وآله وسلّم

0

 
إنّ الوقوف على إسراء النبی من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعروجه منه إلى سدره المنتهى من معاجزه وکراماته التی أثبتهما القرآن الکریم فی سورتی الإسراء والنجم ، وتفصیل ما ظهر له فیهما من الآیات یتوقّف على نقل شأنهما فی الذکر الحکیم. أمّا الإسراء فقال فیه :
( سُبْحَانَ الَّذِی أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَیْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ ) [ الإسراء / ١ ].
١ ـ إبتدأ سبحانه کلامه بالتسبیح وقال : ( سُبْحَانَ ) (۱) وهی کلمه تنزیه لله عزّ اسمه عمّا لا یلیق به من الصفات ، وقد یراد به التعجیب ، ولکن الظاهر هو الأوّل.
ولعلّ الوجه فی إبتدائها بالتنزیه هو التصریح بتنزیهه سبحانه عن العجز لما سیذکر بعده من الإسراء بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فی فتره زمنیه قصیره ، ویمکن أن یکون الوجه إراده تنزیهه سبحانه عن التجسیم والجهه والرؤیه وکل ما لا یلیق بعزّ جلاله وصفات کماله ، حتّى لا یتوهّم متوهّم أنّ المقصود من المعراج هو رؤیه الله تبارک وتعالى فی ملکوت عرشه وجبروت سلطانه ، والأوّل أقرب.
٢ ـ الإسراء لغه هو السیر فی اللیل. یقال : سرى باللیل وأسرى بمعنىً ، وأمّا الإتیان بلفظه « لیلاً » مع الإستغناء عنه فیأتی وجهه.
٣ ـ قوله « بعبده » یدل على أنّ الإسراء کان بمجموع الروح والجسد یقظه لا مناماً ولم یطلق العبد فی القرآن إلّا على المجموع منهما. قال سبحانه : ( الحُرُّ بِالحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) [ البقره / ١٧٨ ] ، وقال سبحانه : ( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَیْرٌ مِّن مُّشْرِکٍ ) [ البقره / ٢٢١ ].
إلى غیر ذلک من الآیات التی ورد فیها لفظ العبد والتی تناهز ٢٨ آیه ، ویؤیّد ذلک أنّه سبحانه ابتدأ السوره بالتنزیه فقال : ( سُبْحَانَ الَّذِی أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ … ) خصوصاً إذا قلنا بأنّه للتعجّب فإنّه یکون فی الاُمور العظام الخارقه للعاده ، ولو کان الإسراء بمجرّد الروح ، مناماً لم یکن فیه کبیر شأن ولم یکن مستعظماً ، وما ورد فی المقام من الروایات المنتهیه إلى أمثال معاویه ابن أبی سفیان بأنّه قال : کان رؤیا من الله صادقه ، مرفوض فإنّ معاویه یومئذٍ کان من المشرکین لا یقبل خبره فی مثل هذا ، ومثله ما روی عن عائشه زوجه النبی بأنّه قال : ما فقد جسد رسول الله ولکن اُسری بروحه ، فإنّ عائشه یومئذٍ کانت صغیره ولم تکن زوجه رسول الله ، بل لم تولد بعد على إحتمال ، وهناک کلام لأبی جعفر الطبری فی تفسیره نقتطف منه ما یلی :
« الصواب من القول فی ذلک عندنا أن یقال : إنّ الله أسرى بعبده محمد ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى کما أخبر الله عباده وکما تضافرت به الأخبار عن رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلّم : إنّ الله حمله على البراق حتى أتى به فصلّى هناک بمن صلّى من الأنبیاء والرسل فأراه ما أراه من الآیات ، ولا معنى لقول من قال : اُسری بروحه دون جسده ، لأنّ هذا الإسراء لا یشکّل دلیلاً على نبوّته ولا حجّه له على رسالته ، ولا کان الذین أنکروا حقیقه ذلک من أهل الشرک. إذ لم یکن منکراً عندهم ولا عند أحد من ذوی الفطره الصحیحه من بنی آدم أن یرى الرائی منهم فی المنام ما على مسیره سنه ، فکیف ما هو مسیره شهر أو أقل ؟ وبعد ، فإنّ الله إنّما أخبر فی کتابه أنّه أسرى بعبده ولم یخبرنا أنّه أسرى بروح عبده ، فلیس جائزاً لأحد أن یتعدّى ما قال الله إلى غیره ـ [ مضافاً ] إلى أنّ الأدلّه الواضحه والأخبار المتداوله عن رسول الله اُسری به على دابه یقال لها البراق ، فلو کان الإسراء بروحه لم تکن الروح محموله على البراق ، إذ کانت الدواب لا تحمل إلّا الأجساد (۲).
۴ ـ ( لَیْلاً ) وهو یدل على أنّ الإسراء فی بعض اللیل کما یفیده التنکیر فلا یستفاد ذلک من لفظ الإسراء ، فإنّه یدل على صرف کونه فی اللیل.
قال الزمخشری : إنّ تنکیر « لیلاً » للدلاله على أنّه اُسرى به بعض اللیل من مکّه إلى الشام مسیره أربعین لیله ، وذلک إنّ التنکیر قد دلّ على معنى البعضیّه ویشهد لذلک قراءه عبد الله بن حذیفه : « من اللیل » أی بعض اللیل ، کقوله : ( وَمِنَ اللَّیْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَهً لَّکَ ) ( أی من بعضه ) (۳). ثمّ إنّ الحرکه بهذه السرعه ممکنه فی نفسها ، فقد جاء فی القرآن أنّ الریاح کانت تسیر بسلیمان إلى المواقع البعیده ، فی الأوقات الزمنیه القلیله کما مرّ.
وحکى سبحانه عن الذی کان عنده علم من الکتاب أنّه أحضر عرش بلقیس من أقصى الیمن إلى أقصى الشام فی مقدار لمح البصر ، حیث قال : ( قَالَ الَّذِی عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْکِتَابِ أَنَا آتِیکَ بِهِ قَبْلَ أَن یَرْتَدَّ إِلَیْکَ طَرْفُکَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّی ) [ النمل / ۴٠ ].
فإذا أجاز هذا لدى طائفه من الناس ، ممّن سبقه ، صحّ وقوعه منه (۴).
وها نحن فی کل یوم نشاهد من صنوف المخترعات فی میادین النقل والمواصلات ما یتمکّن بواسطتها من قطع المسافات الشاسعه کالطائرات التی تجتاز المحیطات فی ساعات قلائل وینتقل من قاره إلى قاره ومن قطر إلى قطر بیسر وسهوله ، وهذا لیدفعنا إلى الإعتقاد الجازم بشهاده العیان بأنّ ما جاء فی هذه الرحله الخارقه لقوانین الطبیعه لیس أمراً عزیز الحصول أو مستحیلاً ، فإذا کان هذا بوسع الإنسان بحسب طاقاته المحدوده وهو الذی خلق ضعیفاً ، فالله سبحانه أقدر علیه وعلى غیره من کل أحد ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ).
۵ ـ ( مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى ) وهذه الجمله تعرب عن تحدید بدء السیر ومنتهاه ، وأنّه ابتدأ من المسجد الحرام وانتهى إلى المسجد الأقصى وهو بیت المقدس بقرینه قوله : ( الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ ) والقصى العبد ، وسمّی المسجد الأقصى به لکونه أبعد مسجد بالنسبه إلى مکان النبی ومن معه من المخاطبین وهو مکّه التی فیها « المسجد الحرام ».
وذهب أکثر المفسّرین إلى أنّه اُسری به من دار اُم هانی اُخت علی بن أبی طالب وزوجها هبیره بن أبی لهب المخزومی ، وکان صلّى الله علیه وآله وسلّم نائماً تلک اللیله فی بیتها ، وأنّ المراد بالمسجد الحرام هنا مکّه ، والحرم کلّها مسجد (۵).
وقال بعضهم : إنّما اُسری به من شعب أبی طالب.
والوجه الأوّل هو الأوفق بظاهر الکتاب ومع ذلک یمکن تصحیح الوجهین الأخیرین بوجهین :
الأوّل : إنّه لو کان فی المکان الوسیع شیء معروف ومتبرّک یطلق اسمه على جمیع المکان ، نظیر ذلک مسجد الشجره حیث یطلق ویراد منه ذو الحلیفه ، ومشهد الإمام علیّ علیه السلام یطلق ویراد منه النجف برمّتها ، إلى غیر ذلک ، ومن الممکن أن یکون المراد من المسجد الحرام ، الحرم کلّه بالملاک المذکور فیشمل مکّه والبیت الذی اُسری منه النبی أو الشعب الذی کان النبی لاجئاً إلیه یومذاک.
الثانی : أن یکون الإسراء قد حدث مرّتین أحدهما من المسجد الحرام والآخر من بیت أم هانی أو من الشعب ، ویؤیّد ذلک ما رواه الکلینی أنّه سأل أبو بصیر أبا عبد الله علیه السلام فقال : جعلت فداک وکم عرج برسول الله ؟ فقال : مرّتین (۶).
۶ ـ ( الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ ) أی جعلنا البرکه فیما حوله من الأشجار والثمار والنبات والأمن والخصب حتّى لا یحتاجون إلى أن یجلب إلیهم من موضع آخر. أضف إلى ذلک انّه سبحانه جعله مقر الأنبیاء ومهبط الملائکه ، فقد اجتمعت فیه برکات وخیرات الدین والدنیا.
٧ ـ ( لِنُرِیَهُ مِنْ آیَاتِنَا ) والجمله متکفّله ببیان الهدف من الإسراء وهو إراءه عجائب الآیات وغرائب الصنع ، ومنها إسراءه فی لیله واحده من مکّه إلى المسجد الأقصى ، وهی فتره قیاسیه خارقه للعاده.
فلو کان المسجد الأقصى منتهى سیره فی ذلک الإسراء ، فیکون المراد من الآیات التی أراه الله سبحانه إیّاها مجرّد ما رأته عیناه فی طریقه إلى المسجد الأقصى وما فیه من مقامات الأنبیاء وقبورهم وآثارهم.
وأمّا إذا کان العروج إلى السماء متّصلاً بذلک الإسراء فیتّسع نطاق الآیات ، وفی السیاق دلاله على عظمه هذه الآیات التی کشف له عنها الله سبحانه ، وحیث أراه بعضها لا کلّها ، وفیه تصریح بأنّ الهدف هو إراءه الآیات الکونیه الباهره لیرجع النبی من إسرائه بصدر منشرح وقلب متفتّح قد انعکست فیه آیات العظمه وسبحات الجلال والجمال ، وأمّا ما یتخیّل من أنّ الهدف رؤیه الله سبحانه فهو ممّا حاکته ید الدسّ ونسجته أغراض التزویر.
وفی الأحادیث المرویّه عن أئمّه أهل البیت تندید بهذا الفکر النابی. روى الصدوق فی علل الشرائع : عن ثابت بن دینار ، قال سألت زین العابدین ـ علی بن الحسین ـ علیه السلام عن الله جلّ جلاله هل یوصف بمکان ؟ فقال : تعالى عن ذلک ، قلنا : فلم أسرى نبیّه إلى السماء ؟ قال : لیریه ملکوت السماوات وما فیها من عجائب صنعه وبدائع خلقه.
وفی حدیث آخر عن یونس بن عبد الرحمان ، قال : قلت لأبی الحسن موسى ابن جعفر علیهما السلام : لأیّ علّه عرج الله ـ عزّ وجلّ ـ نبیّه إلى السماء ومنها إلى سدره المنتهى ، ومنها إلى حجب النور ، وخاطبه وناجاه هناک ، والله لا یوصف بمکان ؟ فقال علیه السلام : إنّ الله تبارک وتعالى لا یوصف بمکان ولا یجری علیه زمان ، ولکنّه عزّ وجلّ أراد أن یشرّف ملائکته وسکّان سماواته ویکرمهم بمشاهدته ویریه من عجائب عظمته ویخبر به بعد هبوطه ، ولیس ذلک على ما یقوله المشبّهون. سبحان الله وتعالى عمّا یشرکون.
٨ ـ ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ ) وهذا تعلیل لإراءه آیاته ، ومعناه أنّه سمیع لأقوال عباده ، بصیر بأفعالهم ، یسمع أقوال من صدّقه أو کذّبه ویبصر أفعالهم.
 
_______________________________________________
۱٫ سبحان علم للتسبیح کعثمان للرجل ، وانتصابه بفعل مضمر لا یظهر تقدیره یسبّح الله سبحان ، ثمّ نزل سبحان منزله الفعل وسدّ مسدّه ودلّ على التنزیه البلیغ من جمیع القبائح التی یضیفها إلیه أعداؤه.
۲٫ تفسیر الطبری : ج ١۵ ص ١٣٠.
۳٫ الکشّاف : ج ٢ ص ٢٢٣ ( طبع مصر ).
۴٫ تفسیر المراغی : ج ١۵ ، ص ۶ ، بتصرّف یسیر.
۵٫ مجمع البیان : ج ۶ ص ٣٩٩.
۶٫ نور الثقلین : ج ٣ ص ٩٨.
 
مقتبس من کتاب مفاهیم القرآن الجزء السابع

Leave A Reply

Your email address will not be published.