القرآن معجزه إلهیه

0

 
قد علم کان عاقل بلغته الدعوه الاسلامیه ، أن محمّداً (ص) بشر جمیع الاُمم بدعوتهم إلى الإسلام ، وأقام الحجّه علیهم بالقرآن ، وتحداهم بإعجازه ، وطلب منهم أن یأتوا بمثله وإن کان بعضهم لبعض ظهیراً ، ثم تنزل عن ذلک فطلب منهم أن یأتوا بعشر سور مثله مفتریات ، ثم تحدّاهم إلى الإتیان بسوره واحده.
وکان من الجدیر بالعرب ـ وفیهم الفصحاء النابغون فی الفصاحه ـ أن یجیبوه إلى ما یرید ، ویسقطوا حجّته بالمعارضه ، لو کان ذلک ممکناً غیر مستحیل. نعم کان من الجدیر بهم أن یعارضوا سوره واحده من سور القرآن ، ویأتوا بنظیرها فی البلاغه ، فیسقطوا حجّه هذا المدعی الذی تحدّاهم فی أبرع کمالاتهم ، وأظهر میزاتهم ، ویسجلوا لأنفسهم ظهور الغلبه وخلود الذکر ، وسمّو الشرف والمکانه ، ویستریحوا بهذه المعارضه البسیطه من حروب طاحنه ، وبذل أموال ، ومفارقه أوطان ، وتحمّل شدائد ومکاره.
ولکن العرب فکّرت فی بلاغه القرآن فأذعنت لأعجازه ، وعلمت أنها مهزومه إذا أرادت المعارضه ، فصدق منها قوم داعی الحق ، وخضعوا لدعوه القرآن ، وفازوا بشرف الإسلام ، ورکب آخرون جاده العناد ، فاختاروا المقابله بالسیوف على المقاومه بالحروف ، وآثروا المبارزه بالسنان على المعارضه فی البیان ، فکان هذا العجز والمقاومه أعظم حجّه على أن القرآن وحی إلهی خارج عن طوق البشر.
وقد یدعی جاهل من غیر المسلمین : أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجّه ، وقد اختفت علینا هذه المعارضه لطول الزمان. وجواب ذلک : أن هذه المعارضه لو کانت حاصله لاعلنتها العرب فی أندیتها ، وشهرتها فی مواسمها وأسواقها. ولاخذ منه أعداء الاسلام نشیداً یوقّعونه فی کلّ مجلس ، وذکرا یرددونه فی کلّ مناسبه ، وللقنه السلف للخلف ، وتحفظوا علیه تحفظ المدعی على حجّته ، وکان ذلک أقرّ لعیونهم من الاحتفاظ بتاریخ السلف ، وأشعار الجاهلیّه التی ملأت کتب التاریخ ، وجوامع الأدب ، مع أنا لا نرى أثراً لهذه المعارضه ، ولا نسمع لها بذکر. على أنّ القرآن الکریم قد تحدّى جمیع البشر بذلک ، بل جمیع الإنس والجنّ ، ولم یحصر ذلک بجماعه خاصه. فقال عز من قائل : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن یَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ کَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِیرًا ) [ ١٧ : ٨٨ ].
ونحن نرى النصارى وأعداء الإسلام ، یبذلون الأموال الطائله فی الحط من کرامه هذا الدین ، والنیل من نبیّه الأعظم ، وکتابه المقدّس ، ویتکرّر هذا العمل منهم فی کلّ عام بل فی کلّ شهر. فلو کان من المیسور لهم أن یعارضوا القرآن ، ولو بمقدار سوره منه ، لکان هذا أعظم لهم فی الحجّه ، وأقرب لحصول الأمنیه ، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الأموال ، وإتعاب النفوس.
( یُرِیدُونَ لِیُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ ) [ ۶١ : ٨ ].
على أن من مارس کلاماً بلیغاً ، وبالغ فی ممارسته زماناً ، أمکنه أن یأتی بمثله أو بما یقاربه فی الاُسلوب ، وهذا مشاهد فی العاده ، ولا یجری مثل هذا فی القرآن ، فإن کثره ممارسته ودراسته ، لا تمکن الانسان من مشابهته فی قلیل ولا کثیر ، وهذا یکشف لنا أن للقرآن اُسلوباً خارجاً عن حدود التعلیم والتعلّم ، ولو کان القرآن من کلام الرسول وإنشائه ، لوجدنا فی بعض خطبه وکلماته ما یشبه القرآن فی اُسلوبه ، ویضارعه فی بلاغته. وکلمات الرسول (ص) وخطبه محفوظه مدونه تختص باُسلوب آخر. ولو کان فی کلماته ما یشبه القرآن لشاع نقله وتدوینه ، وخصوصاً من أعدائه الذین یریدون کید الإسلام بکلّ وسیله وذریعه. مع أنّ للبلاغه المألوفه حدوداً لا تتعدّاها فی الأغلب ، فإنا نرى البلیغ العربی الشاعر أو الناثر تختصّ بلاغته فی جهه واحده ، أو جهتین أو ثلاث جهات ، فیجید فی الحماسه مثلاً دون المدیح ، أو فی الرثاء دون النسیب ، والقرآن قد استطرد مواضیع عدیده ، وتعرض لفنون من الکلام کثیره ، وأتى فی جمیع ذلک بما یعجز عنه غیره ، وهذا ممتنع على البشر فی العاده.
 
مقتبس من کتاب البیان فی تفسیر القرآن
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.