شبهه إلقاء النفس فی التَّهلُکه
وهذا لا وجه لا یخصُّ الإمام الحسین (علیه السّلام)، وإنْ کان فیه أوضح باعتبار القرائن المُتوفِّره الواضحه، التی تدلُّ على مقتله لو سار فی هذا الطریق، وعدم إمکانه الحصول على الانتصار العسکری المُباشر ، ولکنَّها أیضاً شُبهه موجوده بالنسبه للأئمَّه الآخرین (علیهم السّلام) ؛ مِن حیث سیرهم فی طریق الموت فی حین أنَّهم یعلمون بحصوله ـ کما هو المُبرهن علیه والوارد عندنا فی حقهم(۲) ـ وقد حصَّلنا فکره کافیه عن إحاطه علومهم فیما سبق .
ـــــــــــــــ
(۱) وهو قوله تعالى : ( وَأَنفِقُواْ فِی سَبِیلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ ) سوره البقره . آیه ۱۹۵٫
(۲) أُصول الکافی للکلینی ج۱ ص۲۵۸ – باب ۱۰۲- أعلام الورى للطبرسی ص۳۴۰ – مُرآه العقول للمجلسی ج۳ ص۱۰۸ .
إذاً ؛ فهم یعلمون بحصول هذه الوفاه فی هذا الطریق ، فلماذا ساروا فیه ؟! سواء کان المُراد الأمام الحسین أم غیره مِن المعصومین . وهل السیر فی ذلک إلاَّ السیر فی طریق التهلُکه المُحرَّمه بنصِّ
القرآن الکریم ؟!
ویُمکن الجواب على ذلک بعِدَّه وجوه نذکر أهمَّها :
الوجه الأوَّل : إنَّه یُمکن القول : إنِّ الآیه الکریمه : ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ ) (۱) ، خاصَّه غیر عامَّه ، فإنَّ خصوصها وعمومها إنَّما هو ناشئ مِن المُخاطب فیها فی قوله : ( وَلاَ تُلْقُواْ ) ، والمُخاطب فیها غیر مُحدَّد .
وأوضح المصادیق الأُخرى مِن القرآن الکریم لذلک قوله تعالى : ( وَإِن مِّنکُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا کَانَ عَلَى رَبِّکَ حَتْماً مَّقْضِیّاً ) (۲) ؛ فإنَّ المُخاطب فیها غیر مُحدَّد ، وإذا لم یکن مُحدَّداً لم یکن عمومها أکیداً ، کما یَفهم سائر الناس .
وقد یُستشکل : أنَّ الظاهر هو العموم ، وأنَّ الضمیر یعود إلى سائر المسلمین . بما فیهم الأئمَّه (علیهم السّلام) .
وجوابه : أنَّ هذا صحیح لو خُلِّی وطبعه ، إلاَّ أنَّه توجد فی الآیه التی نتحدَّث عنها قرائن صارفه عن کون الخطاب للمعصومین (علیهم السّلام) .
فإنَّه تعالى یقول : ( وَأَنفِقُواْ فِی سَبِیلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ ) (۳) ، ومِن الواضح أنَّ الأمرین الأوَّل والأخیر : ( وَأَنفِقُواْ ) و( أَحْسِنُوَاْ ) خاصٌّ بغیر الأئمَّه (علیهم السّلام) بلْ بغیر المعصومین وغیر الراسخین فی العلم عموماً ؛ لأنَّ أمثال هذه المُستویات العُلیا مِن الإدراک لا تحتاجه ، وإنَّما یُعتبَر بالنسبه إلیهم مِن توضیح الواضحات ، بلْ یکون الخطاب هذه الأُمور قبیحاً ، وحاشا لله وکلامه مِن القبح. إذاً ؛ فالمُخاطب غیرهم (علیهم السّلام) .
إذاً ؛ فقد وقع النهی عن التهلُکه فی سیاق الخطاب لغیرهم (علیهم السّلام) فنعرف مِن وحده السیاق – وهی قرینه عُرفیَّه مبحوثه فی علم الأُصول ـ : أنَّ النهی عن التهلُکه ، غیر شامل لهم أیضاً . ومعه لا یُمکن القول : بأنَّ القرآن الکریم نصَّ علیهم بعدم إلقاء النفس فی التهلُکه ـ کما یُرید المُستشکِل أنْ یقول ـ .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره البقره . آیه ۱۹۵
(۲) سوره مریم . آیه ۷۱٫
(۳) سوره البقره . آیه ۱۹۵٫
الوجه الثانی : إنَّه بعد أنْ ثبت أنَّ المعصومین (علیهم السّلام) مُسدَّدون بالإلهام مِن قبل الله سبحانه ؛ إذ یکون عندهم نوعاً مِن التکالیف : ظاهریَّه وباطنیَّه . أمَّا الظاهریه ، فهی الموافقه لظاهر الشریعه والمُعلَنه بین الناس . وأمَّا الباطنیَّه ، فهی التعالیم التی یعرفونها بالإلهام ، فإذا تعارض الأمران : الظاهری والباطنی ، کان الباطنی أهمَّ کما هو أخصُّ أیضاً ؛ فیتقیَّد إطلاق الآیه الکریمه – لو تمَّ ـ بغیر هذا المورد . فلا یکون هذا المورد على المعصوم حراماً ، بلْ یکون واجباً بمُقتضى الإلهام الإلهی الثابت لدیه . فیتقدَّم نحوه بخطوات ثابته مُمْتثلاً أمر الله سبحانه ، وراجیاً ثوابه الجزیل ببذل النفس فی هذا السبیل . وهذا الأمر لا یختلف فیه الإمام الحسین (علیه السّلام) عن غیره مِن المعصومین (علیهم السّلام) .
الوجه الثالث : إنَّه مِن المُمکن أنْ لا یُراد مِن ( التهلُکه ) المنهیِّ عنها فی الآیه الکریمه … التهلُکه الدنیویَّه ، بمعنى تحمُّل الموت أو المصاعب العظیمه ، کما یُرید الناس أنْ یفهموا منها . بلْ یُراد منها الهلاک المعنوی ، وهو الکفر وإلقاء النفس فی الباطل والعصیان والانحراف ، وهو أمر منهیٌّ عنه بضروره الدین .
وبتعبیر آخر : إنَّ المُراد مِن التهلُکه لیس هو التهلُکه الدنیویَّه ، بلْ التهلُکه الأُخرویَّه ، وهو التسبیب إلى الوقوع فی جهنَّم بالذنوب والباطل ، ولا أقلَّ مِن احتمال ذلک ، بلْ مِن الواضح أنَّ التعالیم الأُخرى الموجوده فی سیاقها ـ کما سمعنا فیما سبق ـ هی مِن الطاعات ، إذاً ؛ فتکون قرینه مُحتمله ، على أنَّ المُراد مِن هذا النهی : التحذیر عن ترک الطاعات والوقوع فی المعاصی(۱) .
ـــــــــــــــ
(۱) وهنا یشیرُ سماحه المؤلِّف إلى أنَّ الآیه الکریمه تُعطی أوامر فی سیاق قرآنی واحد وهو : ( أنفقوا – ولا تُلقوا – أحسنوا ) ، فإذا لاحظنا أنَّ الأمر الأوَّل والأخیر ( الإنفاق والإحسان ) أنَّهما مِن الأُمور التی یُرجى عند العمل بها الحصول على الجزاء والثواب مِن الله عزَّ وجلَّ أُخرویَّاً ، أیْ : أنَّ العبد عندما یُنفق أو یُحسن لوجه الله إنَّما یأمل أنْ یرى أثر عمله أو طاعته أُخرویَّاً وهو رضى الله سبحانه وتعالى علیه ، وبالتالی دخوله إلى الجنَّه فلا ینتظر الجزاء فی الدنیا أو مِن الشخص المُقابل ، فإذا کانت نتیجه هذین الأمرین نتیجه أُخرویَّه یکون الأمر الثالث ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ ) أمراً أُخرویَّاً أیضاً ؛ لأنَّه واقع بنفس السیاق ، فتکون التهلُکه تهلُکه أُخرویَّه وهو دخول جهنَّم ؛ لترک الطاعات والوقوع فی المعاصی .
وأشار إلى هذا المعنى عدد مِن المُفسِّرین ، ومنهم الفخر الرازی ، الذی أعطى فی تفسیر هذا المقطع مِن الآیه عِدَّه وجوه منها وجه قریب للمعنى السابق ، فیقول : قوله : ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَیْدِیکُمْ إِلَى التَّهْلُکَهِ ) هو الرجل یُصیب الذنب الذی یرى أنَّه لا ینفعه معه عمل ، فذاک هو إلقاء النفس إلى التهلُکه ؛ فالحاصل أنَّ معناه النهی عن القنوط عن رحمه الله ؛ لأنَّ ذلک یحمل الإنسان على ترک العبودیَّه والإصرار على الذنب . انتهى .
وإذا تمَّ ذلک : لم یکن فی الآیه أیُّ دلیل على ما یُرید الناس أو یمیل إلیه المُستدلُّ ، بلْ تکون بعیده عن ذلک کلَّ البُعد .
الوجه الرابع : إنَّنا لو تنزَّلنا جدلاً عن الوجوه السابقه ، وقلنا : بحرمه التهلُکه ، فإنَّها إنَّما تحرُم ما دام صدق العنوان موجوداً ، أو قلْ : إذا کان العرف یوافق على أنَّها تهلُکه فعلاً . وأمَّا إذا لم تکن کذلک خرجت عن موضوع التهلُکه فلم تُصبح مُحرَّمه . ولا شکَّ أنَّ المفهوم ـ عرفاً وعقلائیَّاً ـ أنَّ التهلُکه إنَّما تکون کذلک ، والصعوبه إنَّما تکون صعوبه ، فیما إذا کانت بدون عوض أو بدل ، فلو مرَّ الإنسان بصعوبه بلیغه مِن دون نتیجه صالحه لتعویضها کان ذلک ( تهلُکه ) . وأمَّا إذا کانت نتائجها حسنه فلیست تهلُکه بأیِّ حال .
ونحن نرى الناس کلَّهم ـ تقریباً بلْ تحدیداً ـ یُضحُّون مُختلف التضحیات فی سبیل نتائج أفضل ى، سواء مِن ناحیه الأرباح الاقتصادیَّه أم المصالح الاجتماعیَّه أم النتائج السیاسیه أم الثمرات العلمیَّه أم أیِّ حقل مِن حقول هذه الدنیا الوسیعه ، فإنَّه یحتاج إلى تضحیه قبل الوصول إلى نتائج . ومِن الواضح أنَّ هذه النتائج ما دامت مُستهدفه لم یعتبرها الناس تهلُکه أو خساره ، بلْ یعتبرونها ربحاً وفیراً ، ورزقاً کثیراً ؛ لأنَّها مُقدَّمات لها ، على أیِّ حال .
فإذا طبَّقنا ذلک على حرکه الحسین (علیه السّلام) أمکننا مُلاحظتها مع نتائجها بکلِّ تأکید ، سواء النتائج المطلوب تحقُّقها منها فی الدنیا أم المطلوب تحقُّقها فی الآخره ؛ فإنَّها نتائج کبیره ومُهمَّه جِدَّاً ، ولعلَّنا فی المُستقبل القریب لهذا البحث سنحمل فکره کافیه عن ذلک . ولیس مِن حقِّنا أصلاً أنْ نُلاحظ هذه الحرکه مُنفصله عن النتائج ، خاصَّه بعد أنْ نعلم علم الیقین أنَّ الحسین (علیه السّلام) إنَّما أرادها لذلک ، وأنَّ الله سبحانه إنَّما أرادها منه لذلک . إذاً ؛ فتسعیرها الواقعی وإعطاؤها قیمتها الحقیقیَّه ، إنَّما تکون مع مُلاحظه نتائجها لا محاله .
ومِن الواضح ـ عقلاً وعرفاً وعقلائیَّاً ـ أنَّنا إذا لاحظناها مع نتائجها لم تکن ( تهلُکه) بأیِّ حال ، بلْ کانت تضحیه بسیطه ـ مهما کانت مریره ـ فی سبیل نتائج عظیمه ومقامات عُلیا فی الدنیا والآخره ،لا تخطر على بال ولم یعرفها مخلوق ، ویکون الأمر بالرغم مِن أهمِّیَّته القُصوى ، بمنزله التضحیه بالمصلحه الخاصَّه فی سبیل المصلحه العامَّه ، وفی مثل ذلک لا یکون حقُّ أحد الإرجاف بأنَّها ( تهلُکه ) . فإذا لم تکن تهلُکه لم تکن مشموله لحکم التحریم فی الآیه الکریمه .
الوجه الخامس : إنَّه لا یُحتمَل فقهاً وشرعاً فی الدین الإسلامی أنْ تکون کلُّ تهلُکه مُحرَّمه ، بلْ الآیه الکریمه إنْ وجِد لها إطلاق وشمول ، فهی مُخصَّصه بکثیر مِن الموارد ؛ مِمَّا یجب فیه إلقاء النفس فی المصاعب الشدیده أو القتل ، أو یُستحب کالجهاد بقسمیه الهجومی والدفاعی ، ومثل کلمه الحقِّ عند سلطان جائر(۱) ، ومثل تسلیم المُجرم نفسه إلى القضاء الشرعی ؛ لیُقام علیه الحدُّ الذی قد یؤدِّی به إلى الموت کالرجم والجَلْد والقطع وغیرها . وکلُّها جزماً مِن مصادیق التهلُکه بالمعنى العام ، ولکنَّها واجبه حیناً ومُستحبَّه أحیاناً .
إذاً ؛ فلیس کلُّ تهلُکه مُحرَّمه ، فکما أصبحت الأُمور المذکوره جائزه ومُستثناه مِن عموم الآیه الکریمه ، فلتکُن ثوره الحسین (علیه السّلام) کذلک .
ـــــــــــــــ
(۱) إسعاف الراغبین لمحمد الصبان على هامش نور الأبصار للشبلنجی ص۷۷ – التهذیب للطوسی ج۶ ص ۱۸۷ .
وما یُمکن أنْ یکون دلیلاً على الاستثناء أحد ثلاث أُمور مُتصوَّره ، أصبحت سبباً لقناعه الأمام الحسین (علیه السّلام) بحرکته :
الأمر الأوَّل : الإلهام الذی یأمره بالخروج فی هذا السبیل أمراً وجوبیَّاً(۱) .
الأمر الثانی : إنَّه تلقَّى الوجوب عن جَدِّه نبی الإسلام (صلَّى الله علیه وآله)(۲) .
الأمر الثالث : إنَّه رأى مصلحه عامَّه واضحه الصحَّه وبعیده المدى ، بحیث یکون سلوک هذا السبیل مِن قبیل التضحیه بالأُمور الخاصَّه مِن أجل المصالح العامَّه .
بقیَّه الحدیث عن التهلُکه
وإذا تمَّ لنا ـ کما حصل فعلاً مِمَّا قلناه ـ تأویل الآیه بالشکل المعقول ، الذی یصرفها عن محلِّ الکلام ومورد الإشکال ؛ إذاً سوف لن یکون سیر الحسین (علیه السّلام) فی هذا السبیل ، وسیر غیره مِن المعصومین (علیهم السّلام) فی طریق موتهم لا یکون أمراً مُحرَّماً ، بلْ هو جائز یختاره برضاه وطیب نفسه مِن أجل رضاء الله عزَّ وجلَّ ، والنتائج المطلوبه فی المُستقبل ، ولکنَّنا مع ذلک نعرض فی ما یلی الوجوه الأُخرى لتفسیر ذلک مِمَّا قیل أو یُمکن أنْ یُقال فی هذا الصدد .
ـــــــــــــــ
(۱) أصول الکافی ج۱ ص۲۴۴ – بتصرُّف واقتضاب – أسرار الشهاده للدربندی ص۲۲۶٫
(۲) البحار للمجلسی ج۴۴ ص۳۲۸ – مثیر الأحزان لابن نما ص۲۲ – اللهوف لابن طاووس ص۱۱ .
الوجه الأوَّل : النظر إلى المعصوم (علیه السّلام) کقائد دنیویٍّ ، ومِن المعلوم أنَّ القائد الدنیویَّ قد لا یلتفت ، أو لا یتأکَّد مِن وقوعه فی الموت فی هذا الصدد الذی هو فیه ، وإنَّما یأتیه سبب الموت على حین غرَّه . غیر أنَّ هذا الوجه غیر تامٍّ لأکثر مِن جواب .
أوَّلاً : المنع عن النظر إلیهم کقوَّاد دنیوین ، بعد کلِّ الذی برهنَّا علیه مِن کونهم مُسدَّدین مُلهمین مِن قبل الله سبحانه وتعالى .
ثانیاً : إنَّنا حتَّى لو نظرنا إلى التسبیب الطبیعی ، فإنَّه کثیراً ما یکون مِن الراجح جِدَّاً حصول الموت فی الطُّرق التی سلکها الأئمَّه فی التسبیب لموتهم .
وأوضح مصادیق ذلک حرکه الحسین (علیه السّلام) ؛ إذ کان هو یعلم بموته ، وکذلک عدد مِمَّن ناقشه فی سیره وأراد صرف رأیه عنه(۱) ، کان مِمَّن یُرجِّح حصول مثل هذه الکارثه التی حصلت له .
ومعه فمِن سُخْف القول : إنَّ الإمام (علیه السّلام) لم یکن مُلتفتاً إلى ذلک أو مُحتملاً له سلفاً ؛ وإلاَّ فقد أنزلناه إلى مرتبه وضیعه مِن التفکیر .
الوجه الثانی : ما هو المشهور بین بعض المُفکِّرین فی الدین ، مِن أنَّ المعصوم وإنْ کان بحسب طبعه الأوَّل معصوماً عن الخطأ والنسیان ، إلاَّ أنَّه فی تلک الواقعه ، یعنی : حین یُرید الله سبحانه التسبیب إلى موته یجعله ناسیاً أو جاهلاً بالنتائج ، فیذهب فی هذا الطریق وهو لا یعلم(۲) .
ـــــــــــــــ
(۱) قد مرَّ ذکر أسمائهم سابقاً فراجع .
(۲) مرآه العقول للمجلسی ج۳ص۱۲۲ .
أقول : وهذا الوجه إنَّما یکون حراماً إذا کان عمدیَّاً . وأمَّا إذا کان عن جهل أو نسیان ، فلا یکون مُحرَّماً . لاستحاله تکلیف الناسی والجاهل مادام بهذه الصفه ، والمفروض أنَّ هذه الصفه تلازم المعصوم (علیه السّلام) إلى حین تورُّطه فی الحادث .
إلاَّ أنَّ هذا الوجه – أیضاً ـ لیس بصحیح ؛ لأنَّه منقوض بما دلَّ مِن الروایات الوارده عنهم (علیهم السّلام) ، على علمهم بحصول الموت لدى السیر فی هذا الطریق قبل التورُّط فیه ، کالذی ورد عن الحسین (علیه السلام) حین یقول : (( کأنِّی بأوصالی تُقطِّعها عُسلان الفلوات بین النواویس وکربلاء ، فیملأن منِّی أکراشاً جوفاً وأجربه سُغباً ، لا محیص عن یوم خُطَّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البیت ، نصبر على بلائه ویوفِّینا أجور الصابرین ))(۱) . ثمَّ قال فی نفس الخُطبه : (( فمَن کان باذلاً فینا مُهجته موطِّناً على لقاء الله نفسه ؛ فلیرحل معنا ؛ فإنِّی راحل مُصبِّحاً إنْ شاء الله تعالى ))(۲) .
وکلُّ ذلک واضح الدلاله فی علمه (علیه السّلام) ، بموته وموت کلِّ أصحابه (سلام الله علیهم أجمعین) .
وکذلک الإمام الرضا (علیه السّلام) ، حین مشى بطریق الموت ؛ فإنَّه قال فیما قال لأبی الصلت الهروی(۳) : (( فإنْ أنا خرجت إلیک وأنا مکشوف الرأس فکلِّمنی ، وإنْ خرجت إلیک مُقنَّع الرأس فلا تُکلِّمنی )) .
ـــــــــــــــ
(۱) اللهوف لابن طاووس ص۲۶ – ابن نما الحلِّی ص۲۹ – کشف الغمَّه للأربلی ج۲ص۲۴۱- مقتل الخوارزمی ج۲۱ص۵ .
(۲) نفس المصدر .
(۳) أبو الصلت الهروی : هو عبد السلام بن سالم الهروی ، روى عن الرضا (علیه السّلام) ، ثقه صحیح الحدیث قاله النجاشی والعلاَّمه . له کتاب وفاه الرضا (علیه السّلام) وکان کما یشعر به بعض الکلمات مُخالطاً للعامَّه وراویاً لأخبارهم ، فلذلک التبس أمره على بعض المشایخ ، فذکر أنَّه عامِّیٌّ . قال الأُستاذ الأکبر فی التعلیقه بعد نقل کلام الشهید الثانی فی تشیُّعه : لا یخفى أنَّ الأمر کذلک فإنَّ الأخبار الصادره عنه فی العیون والأمالی وغیرهما الصریحه الناصعه على تشیعه ، بلْ کونه مِن خواصِّ الشیعه أکثر مِن أنْ تُحصى وعلماء العامَّه ذکروه .
قال اذهنی فی میزان الاعتدال : عبد السّلام بن صالح أبو الصلت الهروی رجل صالح إلاَّ أنَّه شیعی . ونقل عن الجُعفی : أنَّه رافضی خبیث . وقال الدار قطنی أنَّه رافضی مُتَّهم . وقال ابن الجوزی : إنَّه خادم للرضا شیعی مع صلاحه . وروی أنَّ المأمون حَبس أبا الصلت بعد وفات الرضا (علیه السّلام) سنه ، فضاق صدره فدعا الله بمحمد وآل محمد ، فدخل علیه أبو جعفر الجواد (علیه السّلام) فضرب یده إلى القیود ، ففکَّها وأخذ بیده وأخرجه مِن الدار والحرسه والغَلمه یرونه فلم یستطیعوا أنْ یُکلِّموه فخرج مِن باب الدار ، وقال له أبو جعفر (علیه السّلام) : (( امض فی ودائع الله ؛ فإنَّک لن تصل إلیه و لا یصل إلیک أبداً )) . الکُنى والألقاب ج۱ص۱۰۰ .
(۱) الدمعه الساکبه ص ۸۶ – عیون أخبار الرضا للصدوق ج۲ص۲۴۵ .
(۲) نفس المصدر .
فحین خرج إلیه مقنع الرأس هابه أبو الصلت أن یتکلم معه (۱) ، مُضافاً إلى الروایه التی تقول : فقال له : إلى أین أنت ذاهب ـ یابن رسول الله ـ ؟ فقال : (( إلى حیث أرسلتنی ))(۲) .
إذاً ؛ فهو یعلم أنَّه أرسله إلى الموت ، ولم تکن إلى ذلک الحین دلاله طبیعیَّه أو عرفیَّه دالَّه على ذلک .
الوجه الثالث : إنَّ المعصوم ( علیه السّلام ) یعلم بتکلیف شرعی مِن الله عزَّ وجلَّ ، بالإلهام أو بالروایه عن جَدِّه النبی (صلَّى الله علیه وآله) ، تکلیفاً وجوبیَّاً أو استحبابیَّاً بالسیر فی هذا الطریق ـ طریق الموت ـ . فهو بذلک یؤدِّی امتثاله لذلک التکلیف الوجوبی أو الاستحبابی قُربه إلى الله تعالى ، ورجاء لرضاء الله سبحانه وثوابه . تماماً کالعبد المؤمن الاعتیادی حین یُصلِّی ، أو یصوم أو یحجُّ أو یتعبَّد عباده واجبه أو مُستحبَّه . وهذا أحسن الوجوه التی عرفناها للجواب على مثل هذا السؤال على تقدیر دلاله الآیه الکریم على حُرمه التهلُکه . وقد عرفنا فیما سبق عدم دلالتها على ذلک إطلاقاً .
رضى الله رضانا أهل البیت . سمعنا الإمام الحسین (علیه السّلام) فیما سبق فی الخُطبه المرویَّه عنه أنَّه قال : (( رضى الله رضانا أهل البیت ))(۱) . فنزید هنا إعطاء فکره کافیه عن ذلک ، فإنْ فهم هذه الجمله یحتوی على تقسیمین :
التقسیم الأوَّل : النظر إلى معنى الرضى فی هذا الجمله ، فإنَّنا تاره نفهم نفس الرضى بصفته عاطفه نفسیَّه محبوبه ، وأُخرى نفهم منها : الأمر المرضی ، یعنی : الذی یتعلَّق به الرضى کما هو المُتعارف عرفاً التعبیر عنه بذلک ولو مجازاً .
التقسیم الثانی : النظر إلى ما هو المُتبدأ والخبر فی هذه الجمله ، فإنَّه قد یکون ( رضى الله ) مُبتدأ و ( رضانا ) خبر ، کما هو مُقتضى الترتیب اللفظی لهذه الجمله . کما أنَّه قد یکون العکس صحیحاً ، وهو أنْ یکون ( رضا الله ) خبراً مُقدَّماً و ( رضانا ) مُبتداً مُؤخَّراً .
وإذا لاحظنا کلا التقسیمین ، کانت الاحتمالات أربعه بضرب اثنین فی اثنین ، ولکلٍّ مِن هذه المُحتملات معناها المُهمُّ .
ـــــــــــــــ
(۱) أسرار الشهاده للدربندی ص۲۲۷ – کشف الغُمَّه للاربلی ج۲ ص۲۴۱ .
ویُمکن أنْ نُعطی فیما یلی بعض الأمثله لذلک فی الفُهوم التالیه :
الفَهم الأوَّل : أنْ یکون الرضى بمعنى الأمر المرضی ، ویکون ( رضى الله ) فی هذه الجمله هو المُبتدأ ؛ فیکون المعنى : أنَّ الأمر الذی یرضاه الله عزَّ وجلَّ نرضاه نحن أهل البیت . وهذا هو الفَهم الاعتیادی والمُناسب مع السیاق فی هذه الخُطبه ، مِن حیث إنَّه (علیه السّلام) یُعبِّر عن رضاه بمقتله لأنَّه أمر مرضیٌّ لله عزَّ وجلَّ الفَهم الثانی : أنْ یکون الرضى بمعنى الأمر المرضی ، ویکون (رضى الله) فی هذه الجمله خبراً مُقدَّماً . فیکون المعنى : أنَّ الأمر الذی نرضاه نحن أهل البیت یرضاه الله عزَّ وجلَّ . أو قُلْ : هو مرضیٌّ لله عزَّ وجلَّ بدوره .
وهذا أمر صحیح وعلى القاعده ، مُطابق لما ورد عنهم (علیهم السّلام) بمضمون : (( إنَّنا أعطینا الله ما یُرید فأعطانا ما نُرید ))(۱) ، فتکون تلک الجمله بمعنى الفقره الثانیه مِن هذه الجمله ، کما هو واضح للقارئ اللبیب.
الفَهم الثالث : أنْ یکون المُراد بالرضى معناه المُطابقی ، ولیس الأمر المرضی . ویکون (رضى الله) فی هذه الجمله مُبتدأ . ولیس خبراً مُقدَّماً.
فیکون المعنى : أنَّ رضى الله سبحانه هو رضى أهل البیت (علیهم السّلام) . وهذا صحیح أیضاً ومُطابق للقاعده . إلاَّ أنَّ الفلاسفه والمُتکلِّمین المسلمین قالوا : إنَّه ورد فی الکتاب الکریم والسُّنَّه الشریفه ، نسبت کثیر مِن الأُمور إلى الله سبحانه کالرضى والغضب ، والحُبِّ والبُغض ، والکِره والإراده وغیر ذلک مِن الصفات(۲) . مع أنَّه قد ثبت فی مودر آخر ، أنَّ الله تعالى لیس مَحلَّاً للحوادث(۳) ، ویستحیل فیه ذلک : وکلُّ هذه الأُمور مِن قبیل العواطف المُتجدِّده ، التی تستحیل على ذات الله سبحانه . فکیف صحَّ نسبتها إلیه سبحانه فی الکتاب والسنه ؟!
ـــــــــــــــ
(۱) لم نعثر على هذا الحدیث بما فی أیدینا مِن مصادر التحقیق . ویبدو أنَّ سماحه المؤلِّف قد أخذ هذا المضمون مِن عِدَّه روایات مُجتمعه لا مِن روایه واحده . والظاهر أنَّ هذه العباره غیر مودجوه نصَّاً فی الروایات ، وإنَّما من تعبیر المؤلِّف لمضمون عدد مِن الروایات ، وقد أشار إلى ذلک بقوله : ( بمضمون ) .
(۲) وقد استدلُّوا على ذلک بالقرآن الکریم فمًثلاً :
الرضى کما فی قوله : ( رَّضِیَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) البینه آیه ۸٫
الغضب : کما فی قوله : ( فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ ) النحل آیه ۱۰۶ .
الحُبُّ : کما فی قوله : ( إِنَّ اللّهَ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ ) البقره آیه ۱۹۵ .
الکِرْه : کما فی قوله : ( کَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ ) التوبه آیه ۴۶ .
الإراده : کما فی قوله : ( وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً ) الرعد آیه ۱۱ .
(۳) أنظر مثلاً : کشف المُراد للعلاَّمه ص ۲۹۴
وقد أجاب الفلاسفه والمُتکلِّمون بعِدَّه أجوبه عن ذلک ، کان مِن أهمِّها : أنَّه جلَّ جلاله یجعل هذه العواطف المُتجدِّده فی نفوس أولیائه وأنبیائه وأصفیائه ، فإذا علمنا أنَّ أهل البیت هُمْ أولیاء الله وأصفیائه، إذاً؛ فیصدق: أنَّ رضى الله رضاهم أهل البیت ؛ لأنَّ رضى الله ـ کما قال الفلاسفه ـ لیس قائماً بذاته جلَّ جلاله ، بلْ قائم بذواتهم (علیهم السّلام) .