توصیاتٌ عامّه للخُطباء
والنصائح العامّه تنقسم إلى قسمین : منها ما یرتبط بالمسؤولیّه الدینیّه العامّه ، ومنها ما یرتبط بواقعه الحسین (علیه السلام)، ونحن فیما یلی ذاکرون بعون الله الأهمّ ممّا یخطر على البال من کلا القسمین :
أوّلاً : البدء بالخطبه بـ (بسم الله الرحمن الرحیم) ، لا بشیء آخر حتّى لو کان ذاکراً للحسین (علیه السلام) ، فإنّ کل ّکلام لا یبدأ بـ (بسم الله) فهو أبتر ، وبالبسمله یمکن للخطیب أن یُعاذ فی خطبته من الشیطان وأن یُؤیَّد برحمه الرحمان .
ثانیاً : الموعظه والإرشاد ؛ فإنّه من الضروریات والواجبات فی هذا المجتمع وفی کلّ مجتمع ، وفی هذا الزمان وفی کلّ زمان ، لکی تصل الموعظه إلى أهلها ویستفید منها أکبر عدد ممکن ، سواء کانت الموعظه مرتبطه بقضایا الحسین (علیه السلام) أم لا ؟ فإنّ فی تلک القضایا من العِبر والمواعظ ما لا حدّ لهُ ، فضلاً عن غیرها .
ثالثاً : عدم إیذاء أحد من الناس أو من الطوائف فی کلام الخطباء ، وهو معنى ( التقیّه ) فإنّها واجبه على کلّ حال ، ما لم یکن الأمر خارجاً عن موردها ، یعنی أن یَحرز الفرد أنّ کلامه سالم النتیجه .
رابعاً : التورّع عن نسبه الأقوال والأفعال إلى المعصومین (علیهم السّلام) وغیرهم کذباً ؛ فإنّ الکذب على المعصومین من أعظم الکبائر ، والکذب على غیرهم کبیره ، سواء على الأشخاص التاریخیّین ، أو على مؤلّفی المصادر، أو على أیّ مؤمنٍ ومؤمنه ، وأوضح أسلوب یتّخذه فی هذا الصدد أن یقول: (قیل) ، أو (روی)، أو (یقال) ، ونحو ذلک حتّى لا ینبغی له ذکر أحد من أسماء المؤلّفین ، ما لم یَحرز بالیقین وجوده فی کتابه وصحّه انتساب الکتاب إلیه بالیقین أو بدلیلٍ معتبر .
خامساً : أن یتوّرع من نسبه الأقوال والأفعال إلى المعصومین (علیهم السّلام) وغیرهم ، باعتبار لسان الحال ، شعراً کان ما یقوله الخطیب أم نثراً ، فصیحاً کان الکلام أم دارجاً ، ما لم یَعلم أو یطمئنّ بأنّ لسان حالهم هو کذلک فعلاً ، وقد ناقشنا ذلک مفصّلاً فیما سبق ، فراجع .
سادساً : أن یتوّرع الخطیب عن ذِکر الأمور النظریّه والتاریخیّه أو غیرها ، ممّا قد یُثیر شُبهات حول الأمور الاعتقادیّه فی أذهان السامعین ، ویکون هو قاصراً أو عاجزاً عن ردّها ومناقشتها أو غافلاً عن ذلک ، بل یجب علیه أن یختار ما سیقوله بدقّه وإحکام ، وإلاّ فسوف یکون هو المسؤول عن عمله ، فیقع فی الحرام من حیث یعلم أو لا یعلم .
وینبغی أن یلتفت إلى أنّ هذا ممّا لا یُفرّق فیه بین أن یکون مرتبطاً بحوادث الحسین (علیه السلام) أو غیر مرتبط ، أو کان مُسلّم الصحّه فی اعتقادهم أو غیر مُسلّم .
سابعاً : أن یحاول الخطیب سترَ ما سترهُ الله سبحانه وتعالى من الأمور ، فلا یُصرّح بأمورٍ قد حَدثت خلال الحرب أو القتل ، قد توجِب ذلّه أو مهانه المقتول ، أو ما یسمّى فی عرفنا ( بالبهذله ) ، فیسکت عن کلّ شی یوجِب بهذله المؤمنین الموجودین یومئذٍ ، بل کلّ المؤمنین فی کلّ جیل ، وخاصّه الحسین (علیه السلام) ونسائه وأصحابه وأهل بیته .
وهنا ینبغی أن نلتفت إلى أمرین :
الأمرُ الأوّل : إنّ هذا الذی قلناه الآن غیر ما سبق أن نفیناه من وجود الذلّه للحسین (علیه السلام) وأنصاره ؛ فإنّهم لم یمرّوا فی الذلّه بکلّ تأکید ، ولکنّ المقتولین مرّوا بالذلّه بکلّ تأکید ، وهذا ما تعمّده الأعداء وما یکون طبیعیّاً وجوده عند الحرب ، إلاّ أنّ ستره واجب ، والتصریح به حرام .
الأمرُ الثانی : إنّ هذا الذی قلناه غیر ما سبقَ من حرمه نسبه الأقوال والأفعال إلى المعصومین وغیرهم کذباً ، بمعنى أنّ الخطیب حتّى لو کان عالِماً بالحال ، أو متأکّداً منه ، أو قامت عنده الحجّه الشرعیّه لدیه ، فإنّه أیضاً لا یجوز علیه أن یفتح فَمه بالأمور التی توجب مهانتهم رضوان الله علیهم .
ثامناً : أن لا یروی الخطیب أموراً مستحیله بحسب القانون الطبیعی حتّى وإن ثَبتت بطریقٍ معتبر ؛ لأنّها على أیّ حالٍ ستکون صعبه التحمّل على السامعین ، ولعلّ أوضح أمثله ذلک : ما یذکرهُ بعض الخطباء عن علیّ بن الحسین الأکبر (علیه السلام) ، أنّه حین ضُرب على رأسه بالعمود تناثرَ مُخّه ، وفی بعض المصادر أنّه سالَ مُخّه على کتفیه ، ثمّ یقول الخطباء : إنّه فی آخر رَمق من حیاته دعا أباه الحسین (علیه السلام) ، فبادرَ بالذهاب إلیه فأخبرهُ قائلاً : هذا جدّی رسول الله (صلّى الله علیه وآله) قد سقانی شُربه لا أظمأُ بعدها أبداً(۱) .
ـــــــــــــــ
(۱) مقتل الخوارزمی : ج۲ ، ص۳۱ ، اللهوف لابن طاووس : ص۴۹ ، البحار : ج۴۵ ، ص۴۴ .
مع العلم الیقین أنّ مَن تناثرَ مُخّه ، فهو میّت لا محاله ، ولا یستطیع الکلام ولا بکلمه واحده ، فضلاً عن انتظار مدّه إلى أن یصل إلیه أبوه ؛ فإنّ تَلف المُخ طبیّاً یعنی الوفاه ، وعدم إمکان استمرار الحیاه بکلّ تأکید ، فیکون ما یقوله الخطباء من کلامٍ بعد ذلک مُمتنعاً بحسب القانون الطبیعی ، إلاّ أنّ یقول : إنّ مُخّه لم یتناثر ولم یسل على کتفیه ، عندئذٍ تکون له فرصه الکلام . وقد یخطر فی البال أمران :
الأمرُ الأوّل : إنّ هذا وأمثاله یمکن أن یحصل بنحو المعجزه ؛ فإنّه وإن کان خارقاً للناموس الطبیعی ، إلاّ أنّ کلّ معجزه خارقه له بطبیعه الحال ، فلیکن هذا منها . وجواب ذلک : إنّنا بحسب ما نفهم ، فإنّ واقعه کربلاء بکلّ تفاصیلها لیست قائمه على شیء من المعجزات ، وإلاّ لم یکن الإمام الحسین (علیه السلام) فی حاجه إلى الحرب ، وإلى تحمّل هذا البلاء الدنیوی العظیم ، بل کان یمکن بدعاء واحدٍ لله عزّ وجل أن یقتل کلّ أعدائه ، وأن یعود إلى المدینه بأسلوب طیّ الأرض ، أو أن یُسخّر الجنّ ، أو الملائکه فی القتال ، أو أن یَصرف قلوب أو أذهان أعدائه عن مقاتلته أو قتله …. إلى غیر ذلک من احتمالات السلامه ، ولعلّنا نبحث هذا الأمر بمزیدٍ من التفاصیل حین تسنح الفرصه إلیه قریباً .
الأمرُ الثانی : إنّه من المروی ، بل المؤکّد حصول بعض المعجزات فی ساحه کربلاء یومئذٍ ، حین یوجد شخص أو أکثر ، وربّما مُتعدّدون دعا علیهم الحسین (علیه السلام) ، فحصلَ فیه حادث مروّع : کالموت حَرقاً ، أو غرقاً(۱) ، أو غیر ذلک ، وإذا أمکنت المعجزه هناک مرّه أمکنت مرّات .
ـــــــــــــــ
(۱) کالذی جرى مع ( ابن جوزه ) ، فقد ذَکر السیّد المقرّم فی مقتله نقلاً عن مَجمع الزوائد للهیثمی : ج۹ ، ص۱۹۳ ، ومقتل الخوارزمی : ج۱ ، ص۲۴۹ ، وروضه الواعظین للفتّال : ص۱۵۹ : ( أنّ عبد الله بن جوزه أتى الحسین (علیه السلام) وصاحَ : یا حسین ، أبشر بالنار ، فقال الحسین (علیه السلام) : (( کذِبتَ ، بل أقدِم على ربٍّ غفور کریم . فمَن أنتَ ؟ )) فقال : أنا أبو جوزه ، فرفعَ الحسین (علیه السلام) یدیه حتّى بانَ بیاض إبطیه وقال : (( اللهمّ جرّهُ إلى النار )) ، فغضبَ ابن جوزه وأقحمَ فرسهُ إلیه ، وکان بینهم نهر فسقطَ عنها ، وعَلِقت قدمهُ بالرکاب وجالت به الفرس ، وانقطعت قَدمه وساقه وفخذه وبقى جانبه الآخر بالرکاب ، وأخذت تضرب به کلّ حجرٍ وشجر ، وألقتهُ بالنار المشتعله فی الخندق .
وکالذی جرى مع محمّد بن الأشعث حینما قال للحسین (علیه السلام) : أیّ قرابه بینک وبین محمّد (صلّى الله علیه وآله) ! فدعا علیه الحسین (علیه السلام) ، فخرجَ من المعسکر لقضاء حاجته ، فلَدغهُ عقرب أسود لدغه ترکتهُ متلوّثاً فی ثیابه ممّا به ، وماتَ بادیَ العوره ( مقتل المقرّم نقلاً عن روضه الواعظین للفتّال : ص۱۵۹ ، الکامل لابن الأثیر : ج۴ ، ص۲۷ ) .
وجواب ذلک على مستویین :
المستوى الأوّل : إنّ المروی من أمثال هذه الحوادث قد حَدثت بأسباب طبیعیّه ، مهما کانت ضعیفه ، فهی وإن کانت استجابهً لدعاء الحسین (علیه السلام) ومن أقسام المعجزه ، إلاّ أنّ الله سبحانه لم یشأ أن تَحدث فجأه وبدون سبب ، وإذا عُرف السَبب زالَ العَجَب .
المستوى الثانی : إنّنا لو تنازلنا عن المستوى الأوّل وفرضناها معجزات ناجزه ، فیمکننا أن نلتفت إلى أنّ المعجزات على قسمین فی حدود ما نستهدفه الآن :
القسم الأوّل : معجزات قد تحصل لإقامه الحجّه على المعسکر المعادی ، لجلب الانتباه إلى أنّ الحقّ إلى جانب الحسین (علیه السلام) وأصحابه ، وترکیز ذلک فی أذهانهم ، فإنّنی أعتقدُ أنّهم لم یکونوا یحتاجون إلى ذلک فی موقفهم أمام الله سبحانه ، لوضوح ذلک للمعادین وغیرهم ، ولکن قد تقتضی الحکمه الإلهیّه الزیاده فی ذلک الترکیز واثبات ذلک حسیّاً أمامهم ؛ لإمکان أن یرجع بعضهم إلى التوبه ، وإن لم یرجع لها فسوف یشعر بضخامه عمله ووخامه عاقبته ، وهذا ما یندرج فی إجابه دعاء الحسین (علیه السلام) فی بعض الأفراد ، کما سبق .
القسم الثانی : معجزات لا ربطَ لها بإقامه الحجّه على المعسکر المعادی ، بل لعلّ الحکمه تقتضی عدم تحقّقها ؛ لیکون البلاء الدنیوی الواقع على معسکر الحسین (علیه السلام) أشدّ ، لتکون المقامات لهم أعلى ، والثواب أجزل ، ورضاء الله سبحانه وتعالى أفضل .
تاسعاً : من الأمور التی ننصح بها الخطیب الحسینی أیّاً کان : أن یحاول برمجه مصادره جهد الإمکان فی قالب موحّد ومنسجم ، ولیس متنافراً ومتناقضاً من ناحیه ، ولا متباعداً ومتناثراً من ناحیه ، بل یذکر أموراً متقاربه تاریخیّاً منسجمه نظریّاً ، ویبذل أقصى إمکانه فیه .
عاشراً : أن یَدع ما أمکن التفلسف فی الحوادث ، أعنی التعرّض إلى الحُکم والأسباب التی اقتضتها ، ما لم یَحرز فی نفسه الإصابه لذلک ، وإلاّ فلیدع ذلک إلى أهله ، وهو خیرٌ له فی الدنیا والآخره من أن یکلّف نفسه ما لا یُطیق ، أو أن یُکلّف السامعین ما لا یطیقون ، فقد تثبُت الشُبهه فی أذهانهم ویکون الخطیب عاجزاً عن ردّها ، أو عن إقناع السامعین بالرد ، فیتورّط بالحرام من حیث لا یعلم ، ولیس ذلک فقط ، أعنی فیما یخصّ کربلاء ، أو حرکه الحسین (علیه السلام) ، بل کلّ أمور الشریعه على هذا الغرار ، فلا ینبغی لأیّ فردٍ التعدّی إلى التفلسف فیها ما لم یَحرز فی نفسه الأهلیّه والقدره ، وإلاّ فمن الأولى لهُ إیکال عِلمها إلى الله سبحانه : ( وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا )(۱) .
ومن أمثله ذلک : ما سمعتهُ شخصیّاً من بعض الخطباء ، حیث کان یُحلّل معنى ما ورد : ( لا عَدوى فی الإسلام )(۲) ، ولم یکن یُفلح فی ذلک ، وسمعتُ من بعضهم أیضاً : أنّه کان یُحلّل قول رسول الله (صلّى الله علیه وآله) لعلی (علیه السلام) ، على ما هو مروی فی نهج البلاغه : (( یا علی ، إنّک ترى ما أرى وتسمعُ ما أسمع ))(۳) .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره آل عمران : آیه ۷ .
(۲) شرح نهج البلاغه ، ابن أبی الحدید : ج۱۹ ، ص۳۸۱ .
(۳) نهج البلاغه : خطبه ۱۹۲ ، ص۳۰۱ ، تحقیق د. صبحی الصالح .
وکلاهما کان عاجزاً عن الوصول إلى حقیقه المعنى ، فلو کانا قد تعرّضا إلى ما ینفع الناس من أمورهم الخاصّه والعامّه ، لکانَ خیراً لهم وأحسن تأویلاً .
الحادی عشَر : أن یدع الخطیب التشکیک فیما تسالمَ العامّه ـ أعنی جمهور الناس ـ على صحّته ، فضلاً عن إنکاره بصراحه ؛ فإنّه ینبغی أن یستهدف هدایتهم وتوجیههم نحو الطاعه والعقیده ، ومن الواضح أنّهم إذا وجدوا مثل هذا التشکیک فی کلامه سوف ینتقدونه وسیسقط من أنظارهم ، فیسبّب ذلک عدم سماعهم لمواعظه وإرشاده ، أو بُعده عنهم ، أو مقاطعتهم له عملیّاً .
ومن هذا القبیل : ما طرَقَ سَمعی من أنّ شخصاً معروفاً فی هذا العصر ، طبعَ کتاباً عن الحسین (علیه السلام) ، حاولَ فیه بوضوح أن یبرهن على أنّه (علیه السلام) لم یکن یعلم بمقتله قبل حصوله ، فسقطَ الکتاب والمؤلِّف عن أعین الناس ، کما هو أهلٌ له فعلاً ، لو صحّ النقل(۱) .
ـــــــــــــــ
(۱) کتاب ( شهید جاوید ) بالفارسیّه ، وقد تُرجم إلى العربیّه باسم واقعه کربلاء ( ط ) .
الثانی عشر : أن لا یَنسب الخطیب الحسینی وغیره إلى غیر المعصومین من المؤمنین ـ فضلاً عن المعصومین (علیهم السّلام) ـ الوقوع فی الحرام ، قلّ ذلک أم کثُر ؛ فإنّ غیر المعصومین وإن کان یمکن ذلک فی حقّهم ، إلاّ أنّه مع ذلک یجب السکوت عن مثله :
أوّلاً : لأنّهم علماء عظماء من تربیه الأئمّه المعصومین (علیهم السّلام) .
ثانیاً : لأنّ نسبه المحرّم إلیهم لم یَثبت بطریقٍ معتبر لو وجِد ، فیکون ذکرهُ من الکذب الحرام .
ثالثاًَ : لو تنزّلنا وفَرضنا ثبوته بدلیلٍ معتبر ، فالسترُ على فاعله أولى وأفضل .
رابعاً : لو تنزّلنا عن کلّ ذلک ، فلا أقلّ من عدم تحمّل الجمهور لمثل هذه الروایات ، ممّا یحصل رد فعلٍ غیر مناسب لدیهم ، فإمّا أن یسقط الخطیب من أنظارهم ، وإمّا أن یتجرّأوا على الحرام ، بعنوان : أنّ أصحاب الأئمّه (علیهم السّلام) ، کانوا یعملون الحرام فلماذا لا نعمله ، وتکون الخطیئه فی النتیجه فی ذمّه الخطیب الناقل للروایه .
ویحسن بنا الآن أن نذکر لهذا الأمر مثالین یخطران على البال ؛ لأجل التدلیل بهما أوّلاً ، ولأجل التعرّض إلى فلسفتهما وأسبابهما ثانیاً :
المثال الأوّل : قولهُ عن نساء الحسین (علیه السلام) فی وصف حالهنّ بعد مقتله ، وذلک فی زیاره الناحیه : (( فخرجنَ من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات ، وللوجوه سافرات ، وبالعویل داعیات ، وبعد العزّ مُذلّلات ، وإلى مصرعک مُبادرات ))(۱) .
حیث إنّ الظاهر الأوّلی لقوله : ناشرات الشعور ، کونهنّ کذلک أمامَ الرجال الأجانب من المعسکر المعادی ، وهو ممّا لا شکّ فی حُرمته فی الشریعه المقدّسه ، فیکون ذکرهُ من نسبه المحرّم إلى نساء الحسین (علیه السلام) .
وجوابُ ذلک من وجوه :
الوجهُ الأوّل : ضعف هذه الروایه سنداً ، فهی لا تقوم کدلیلٍ معتبر على أیّ شیء فیها ، فینتفی الأمر من أصله .
الوجه الثانی : لو تنزّلنا وفرضناها معتبره ، فالدلیل إنّما یکون معتبراً فی حدود ما یمکن تصدیقه والأخذ به من المعانی والأفکار ، وأمّا ما لا یمکن فیه ذلک فلا یکون الدلیل معتبراً أو حجّه فیه ، فإذا نَسَبت أیّه روایه إلى هؤلاء الأجلاّء أیّ محرّم ـ والعیاذ بالله ـ کانت هی الساقطه عن الحجیّه ، لا أنّ التصدیق بمضمونها یکون ممکناً ، ولیست هذه الروایه ببدَعٍ عن ظواهر القرآن الکریم ، حیث ثبتَ فی علم الأصول أنّها إنّما تکون حجّه ، إذا لم تکن منافیه للدلیل القطعی .
ـــــــــــــــ
(۱) زیاره الناحیه المقدّسه المرویّه عن الإمام الحجّه ( عجّل الله فرجه ) .
وأمّا إذا کانت منافیه له ، لم تکن حجّه کقوله تعالى : ( یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ )(۱) ، أو قوله تعالى : ( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )(۲) ، بعد قیام الدلیل العقلی القطعی على استحاله ثبوت مثل هذه الأمور للذات الإلهیّه المقدّسه .
الوجهُ الثالث : أنّ النساء کنّ مدهوشات وحائرات الفکر وغیر شاعرات بواقعهنّ ، لمَدى الحُزن والأسى الذی تَملَکهنّ وسیطر علیهنّ لمقتل الحسین (علیه السلام) وأصحابه ، فإذا کُنّ قد خرجنَ أمام الرجال الأجانب ، فهنّ غیر ملتفتات إلى واقعهنّ وغافلات عن الحکم الشرعی أو قل : ناسیات له ، فلا یکون الحکم فعلیّاً أو مُنجّزاً فی حقّهنّ أو قل : إنّهن معذورات بالنسبه إلیه ، وهذا الوجه له درجه من الوجاهه ، بعد التنزّل عن الوجهین السابقین ، وهو المشهور بین الناس ، ولعلّه هو المقصود فی الزیاره لو کانت معتبره سنداً ، إلاّ أنّه مع ذلک لا یخلو من استبعادٍ لأمرین نذکرهما مع إحاله القناعه بهما إلى وجدان القارئ اللبیب :
الأمرُ الأوّل : إنّ النساء کنّ کثیرات کعشره أو أکثر ، ولم تکن واحده أو اثنتین مثلاً ، فإذا أمکنَ سیطره الحزن بشدّه على واحده أو اثنتین ونحو ذلک ، لم یکن ذلک فی الجمیع باستمرار أو قل طیله الوقت ، فلا أقلّ من أنّ واحده أو أکثر تلتفت لحالهنّ فیجب علیها تنبیههنّ على ذلک ویتمّ الأمر .
الأمر الثانی : إنّه یُستبعد جدّاً أن یکون مقتضى الحکمه الإلهیّه ذلک ؛ لأنّ الحسین (علیه السلام) وأصحابه قُتلوا فی سبیل الله والدین ، فمن الصعب أو من السخف أن نتصوّر أنّ فی التقدیر الإلهی أن یصدر العصیان الصریح ، والمنظر القبیح من نسائه الأشدّ ارتباطاً به من بعد مقتله مباشره .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الفتح : آیه ۱۰ .
(۲) سوره طه : آیه ۵ .
الوجه الرابع : للجواب على هذه الروایه : إنّه لم یقل فی الروایه : ناشرات الشعور أمام الرجال الأجانب ، أم أمام الأعداء ونحو ذلک ، بل من الواضح أنّهن ناشرات الشعور فقط ، وهذا من الممکن بل المتعیّن أن یکون ضمن التعالیم الدینیّه أو الحجاب الإسلامی ، فإذا ضَممنا إلى ذلک هذه الفکره ، وهی : إنّ النساء فی الشرق کنّ و لازلنَ ، قد ورثنَ الأمر عن الأجیال السابقه ورأیناه عَیاناًَ ، وهو اعتیاد النساء فی حاله الحزن والمصیبه على الالتزام بنشر شعورهنّ وإرسالها وذلک لأمرین :
أحدهما : أنّ ذلک بنفسه علامه الحزن والحِداد .
وثانیهما : أنّ ذلک ناشئ من إعراضها عن الزینه حزناً ، أو من ضیق نفسها عن التمشّط أساساً ، إمّا حقیقهً ، أو أنّ المرأه ترید أن تُظهر ذلک أمام الآخرین ، أو أن تکون فی هذا الحال کغیرها من النساء ؛ فإنّ التزام النساء بعادات بعضهنّ البعض ممّا هو واضحٌ ومُسلّم .
فإذا ضَممنا هذه الفکره إلى ما سبقَ أمکننا أن نقول : إنّ نساء الحسین (علیه السلام) ناشرات الشعور ، حِداداً على هذا المصاب الجَلل ، وحزناً وإظهاراً لزیاده المصاب ، ولیس فی الأمر ولا فی الروایه بالمرّه أنّهنّ کنّ ناشرات الشعور أمام الرجال الأجانب ، بل کنّ کذلک فی مجتمعهنّ الخاصّ ، أعنی النساء أمام بعضهنّ البعض .
فإن قال قائل : إنّ هذا الوجه مُحتمل ولیس أکیداً ، قلنا : إنّه بعد التنزّل عن کلّ ما سبق ممّا یقتضی کونه أکیداً ، فإنّ مجرّد الاحتمال هنا یکفینا ، کأطروحه موهِنه للاستدلال بهذه الروایه ضدّ نساء الحسین (علیه السلام) ، أو قیامهنّ بالمحرّمات ، وإذا دَخلَ الاحتمال بطلَ الاستدلال .
المثال الثانی : لِمَا رویَ من قضایا الحسین (علیه السلام) ، ممّا یکون ظاهره العمل بشیءٍ من المحرّمات ، مع التعرّض إلى جوابه :
ما وردَ فی تاریخ مسلم بن عقیل (علیه السلام) : من أنّه حین أُخذَ مکتوفاً إلى عُبید الله بن زیاد ، رأى قُلّه(۱) ماء بارد فقال : اسقونی منها ، فقال له بعضهم : انظر إلیها ما أبرَدها ، لن تذوق منها حتّى تذوق الحمیم ، إلى أن تقول القصّه : إنّه صُبّ لهُ فی قدح ماء وقرّبه إلى فمه لکی یشربه ، فامتلأ القدح دَماً ؛ لأنّه کان قد حَصلت له ضربه على شَفته العلیا ووصلت إلى أسنانه فسکبَ الماء ، فملؤوه لهُ مرّه أخرى ، فامتلأ القدح دماً فسکبه ، فلمّا کانت الثالثه قال : لو کان من الرزق المقسوم لشربتهُ(۲) .
ففی هذه الحادثه یمکن أن نلاحظ کملاحظه أوّلیّه : عدم مشروعیّه مطالبه مسلم بن عقیل (علیه السلام) بالماء ؛ لأنّه لا یخلو إمّا أن یکون ملتفتاً إلى جرحه الذی فی فَمه أم لا ، والجَرح لم یکن مضت علیه مدّه طویله ، ولعلّه کان ینزف لحدّ الآن .
أمّا عدم التفاته إلیه فهذا مُستبعد جدّاً ، باعتبار الدم الذی ینزف ، وإن لم یکن له دم کان الألم موجوداً ، ومن الصحیح أنّه (علیه السلام) یتحمّله ویصبر علیه ، إلاّ أنّ ذلک لا یعنی نسیانه ، بحیث یستطیع أن یأکل أو یشرب کأیّ إنسانٍ اعتیادی .
فإذا کان ملتفتاً إلى الجَرح ، فلماذا طلبَ الماء وهو یعلم سَلفاً باختلاطه بالدم ؛ لأنّ الدم وإن لم یکن ینزف بشدّه ، ولکنّه إذا شربَ الماء فسوف یدخل الماء فی الجرح ویحدث نزف جدید یقیناً ، فهذا فیه احتمالان باطلان لإتمام الاستشکال ومُحتمل ثالث صحیح للجواب علیه :
ـــــــــــــــ
(۱) القُلّه : بمعنى الجرّه ، وقیل : الکوز الصغیر ( أقرب الموارد : ج۲ ، ص۱۰۳۴ بتصرّف ) .
(۲) الإرشاد للشیخ المفید : ص۲۱۵ ، ط نجف ، تاریخ الطبری : ج۶ ، ص۲۱۲ ، الکامل لابن الأثیر : ج۳ ، ص۲۷۴ ، مقاتل الطالبیین : ص۱۰۷ .
أمّا الاحتمالان الباطلان فهما :
الأوّل : أن یکون مسلم بن عقیل (علیه السلام) مستعدّاً لشرب الماء المختلط بالدم بالرغم من نجاسته ، وهذا باطلٌ ؛ لأنّه حرام أوّلاً ، وینصّ التاریخ على ترکه وإراقه الماء ثلاث مرّات ثانیاً .
الثانی : تبذیر الماء بحیث کان کلّما امتلأ دَماً أراقهُ ، وخاصّه فی المرّه الثالثه حیث کان من المعلوم حصول نفس النتیجه ، وهذا الاحتمال باطل أیضاً ؛ لأنّه وإن کان تبذیراً إلاّ أنّه لیس بمحرّم على مسلم بن عقیل فی ذلک المورد ، لوجود المصلحه فیه ـ على ما سیأتی ـ ولکن لو صحّ أحد هذین الاحتمالین لتمّ الاستشکال ، ولم یبقَ عندنا من جواب إلاّ الطعن بسند هذه القصّه نفسها ، واحتمال کونها مکذوبه أساساً أو تأکید ذلک ؛ لأنّنا نَجلّ مسلم بن عقیل عن مثل هذا الإسفاف .
ولکنّ الاحتمال الثالث والأخیر یصلح جواباً على الإشکال أساساً : وهو أنّنا ینبغی أن نلتفت إلى أنّ طلبهُ للماء کان فی أوّل دخوله على عبید الله بن زیاد ، فأراد أن یبرهن له عملیّاً وحسیّاً على حاله السیّئه دنیویّاً والبلاء الحاصل علیه قبل القبض علیه وشدّ وثاقه ، فهو مُتعب جدّاً وعطشان جدّاً ومجروح جَرحاً بلیغاً ، مضافاً إلى کونه أسیراً ومکتوفاً ، ولئن کان فی شرب الماء نوع من الراحه لهُ ، فهو قد أصبحَ بحالٍ بحیث لا یستطیع أن یشرب الماء لیرتاح حتّى بهذا المقدار ، کلّ هذا فَهَمهُ عُبید الله بن زیاد من تنفیذ طلبه ومحاولته لشرب الماء ، بل أکثر من ذلک وهو : أنّ الجرح بلیغ إلى درجه لا یؤمَل معه انقطاع الدم حتّى فی الصبّه الثالثه للماء .
وهذا الذی أشرنا إلیه : من أنّ المصلحه تقتضی وجود هذه الصّبه فلا تکون تبذیراً ، فقد کان طلبهُ بیان عملی لشرح حاله لا أکثر ، وبهذا یندفع الإشکال السابق جملهً وتفصیلاً .
تألیف السید محمد الصدر