طرقُ المعرفه وأدواتُها فی الإسلام

0

ولقد تحدّث القرآنُ الکریمُ حولَ هذه الأدَوات الثلاث فی آیات متعدده نأتی هنا بنموذجَین منها:
فقد قال تعالى عنِ الحسّ والعقل:
( وَاللهُ أَخْرَجَکُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِکُمْ لا تَعْلَمُونَ شَیْئاً وَجَعَلَ لَکُمْ السَّمْعَ وَالاْبْصارَ وَالاَْفْئِدَهَ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ) ( [۲] ) .
والمراد من الأَفئدهَ فی الآیه ـ وهی جمع فؤاد ـ بقرینه لفظتَی: «السَّمع» و«البصر» هو العقل البشریّ.
على أنّ ذَیلَ الآیه المذکوره الذی یتضّمن أَمراً بالشُکر یفید أنّ على الإنسان أن یستفید من هذه الأَدَوات الثلاث لأنّ الشّکر یعنی صَرف کل نعمه فی موضِعِها المناسِب.
وحول «الوحی» قال سبحانه :
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ إِلاّ رجالاً نُوحِی إلَیْهِمْ فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ( [۳] ) .
إنَّ الإنسان المتدیّن یستفید ـ فی معرفه الکون والحیاه، والعقیده والدین ـ مِن الحسّ، ولکن غالباً ما تکون المدرَکات الحسیّه أَساساً ومنطلقاً لأحکامِ العقل أی أن تلک المدرَکات تصنع الأَرضیّه للفکر وحُکمه، کما انّه قد یُستفاد من العقل والفکر فی معرفه الله وصفاته وأفعاله وتکون حصیلهُ کلّ واحده من هذه الطرق والأَدَوات مقبولهً، ونافذهً ومعتبره فی اکتشاف الحقیقه ومعرفتها.
الأصلُ الثانی: دعوه الأنبیاء والرسل
تتلخّص دعوهُ الأنبیاء والرسُل فی أمرین:
۱ ـ العقیده .
۲ ـ العمل .
وتتمثل مهمتُهم فی مجال «العقیده» فی الدعوه إلى الإیمان بالله، وصفاته الجمالیّه والجلالیّه، وأفعاله. بینما المقصود من «العمل» هو التّکالیف والأحکام التی یجب أن تَقوم الحیاهُ الفردیّه والإجتماعیّه على أساسِها.
والمطلوبُ فی مجال العقیده إنّما هو العلم والیقین، ومن المسلَّم أنَّه لا یکون شیءٌ ما حجهً، (وبعباره أُخرى: لا یَتّسِمْ بالحجیّه) إلاّ ما یؤدی إلى هذا الأَمر المطلوب.
ولهذا یجب على کل مُسلم أنْ یصلَ فی عقائده إلى الیقین، فلیس له أن یکتفیَ فی هذا المجال بمجرد التقلید، فیأخذَ عقائدَه تقلیداً، ویعتنِقها من غیر تحقیق.
وأمّا فی مجال الوظائف والتّکالیف (العمل) فإِنّ ما هو المطلوب فیها هو تطبیق الحیاه على أساسِها، والأخذُ بموازینها فی جمیع المَجالات الفردیّه والإجتماعیّه والسّیاسیّه والإقتصادیّه.
وفی هذا الصَعید ثَمَّت ـ بالإضافه إلى الیقین ـ طُرق أُخرى أیضاً قد أیَّدَتْها الشّریعهُ وفرض علینا الاعتماد علیها للوصول إلى هذه التّکالیف والوظائف، والرجوع إلى المجتهد الجامع للشّرائط هو أَحدُ الطرق التی أیّدها وأقرّها صاحبُ الشریعه.
الأصلُ الثالث: حجّیه العقل والوحی
نحن نعتمد فی أَخذ العقائد والأَحکام الدّینیّه على حُجّتین إلهیّتین هما: العقل والوحی. وعمده الفرق بین هذین هو أنّنا نستفید مِن «الوحی» فی جمیع المجالات، بینما نستفید مِن «العقل» فی مجالات خاصّه .
والمقصود مِن «الوحی» هو کتابُنا السَّماوی «القرآن الکریم» والأَحادیث التی تنتهی أسنادها إلى رسول الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ .
وأمّا أحادیث أئمه أهل البیت ـ علیهم السَّلام ـ فبما أنّها تنتهی إلى رسول الله ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ ، وتنبع منه، تسمّى جمیعُها بالإضافه إلى أحادیث النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلم ـ بالسُّنه، وتُعتَبر من الحجج الإلهیّه.
إنّ العقل والوحی یؤیّد کلٌ منهما حجیّهَ الآخر وإذا أثبتنا بحکم العقل القطعی حجیّه الوحی فإنّ الوحی بدوره یؤیّد کذلک حجیّه العقل فی مجاله الخاصّ به.
إنّ القرآن الکریم یَقُودُ ـ فی کثیر من المواضع ـ إلى حکم العقل وقضائه، ویدعو النّاس إلى التّفکر والتّدبر العقلی فی عجائب الخلق، ویستعینُ هو کذلک بالعقل لإِثبات مضامین دعوتهِ، ولیس ثمَّتَ کتابٌ سماویٌ کالقرآن الکریم یحترِم المعرفهَ العقلیَّه (والقضایاَ المدلَّلُ علیها بالعقل السلیم). فَالقرآن زاخرٌ بالبراهین العقلیه فی صعیدِ العقائد، حتّى أنّها تفوقُ الحصرَ.
ولقد أکّد أئمهُ أهل البیت ـ علیهم السَّلام ـ على حجیّه العقلِ وأحکامهِ فی المجالات التی یحقُّ للعقل الحکمُ فیها، حتّى أنّ الإمام السّابع موسى بنَ جعفر ـ علیه السَّلام ـ عدّه إحدى الحجج إذ یقول: «إنّ لله على الناس حجّتین: حجّهً ظاهرهً وحجّهً باطنهً، فأمّا الظّاهرهُ فالرُّسل والأنبیاءُ والأئمه، وأمّا الباطنهُ فالعُقول»( [4] ).
الأصلُ الرّابع: العقل والوحی لا یتعارضان
لمّا کانَ الوحیُ دلیلاً قطعیّاً، وکان العقلُ مِصباحاً منیراً جعلهُ الله فی کیان کل فرد من أفراد النَّوع الإنسانیّ، ـ لذلک ـ لَزِمَ أنْ لا یقع أَیُّ تعارُض بین هاتین الحجّتینِ الإِلهیَّتین.
ولو بدا تعارضٌ بدائیٌ أحیاناً بینَ هاتینِ الحجَّتینِ، فیجب أنْ یُعْلَم بأَنّه ناشئٌ من أحد أمرین: إمّا أنّ اسْتنباطنا مِن الدِّینِ فی ذلک المورد غیرُ صحیح، وإمّا أنّ هناک خطأً وقع فی مقدّمات البرهانِ العقلیّ، لأنّ الله الحکیم تعالى لایدعُو النّاس إِلى طریقینِ متعارضینِ مُطلقاً.
وکما أنّه لا یُتصَوَّر أی تعارض حقیقی بین العقل والوحی، کذلک لا یحدثُ أَیُّ تعارض بین «العلم» و «الوحی» مطلقاً، وإذا لُوحظَ نوعٌ مِن التعارض بین هذین فی بعضِ الأَحایین فإنّه أیضاً ناشئ من أحد أمرین: إمّا أَنْ یکونَ استنباطُنا من الدّین فی هذا الموضع استنباطاً خاطئاً، وإمّا أنَّ العلمَ لَمْ یَصِل فی هذا الموضوعِ إلى المرحله القطعیَّه.
إنّ التعارضَ ینشأُ غالباً من الشِّقِ الثانی أَیْ عندما تُتلقّى بعض الفرضیّات العلمیّه على أنّها حقائق قطعیّه، وعند ذلک یحدث التصوّر بأنَّ هناک تعارضاً بین العلم والدّین.
الأصلُ الخامس: حقیقه العالم مقوله غیر خاضعه لتفکیرنا
فی مجال الأُمور التکوینیّه ذات الواقع المستقلّ عنِ الفکر والتَّصوُّر، تکون الحقیقه مقولهً ذات صفه أبَدیّه وخالده. بمعنى أنّ الإنسان لو توصّل عن طریق إحدى الأدَوات الحسّیّه إلى معرفه أَمر واقعیّ کحقیقه من الحقائق فإنّ ما اکتشفه یکون حقاً ثابتاً، دائماً وأبداً.
وَامّا إذا اکتشف أَمراً بعضُه معلوم ومطابق للحقیقه، وبعضُه الآخر خَطَأٌ کان ذلک القسمُ الّذی یتَّسمُ بسمهِ الحقیقه، حقیقه إلى الأَبَد، بمعنى أنّه لا ولن یتغیر أبداً بتغیّرِ الظروفِ وانقلابها.
وبعباره أُخرى; إنَّ النِّسبیَّه فی الحقائق، بمعنى کون حصیله معرفه فی زمان عینَ الحقیقه، وفی زمان آخر عین الخطأ، لا تُتصوّر فی مجال المعرفه التی ترتبط بالتکوینیّات.
فإِذا کان حاصلُ ضرب ۲ × 2 یساوی ۴ مثلاً أمراً ثابتاً، فإنَّ هذا یکون ثابتاً مطلقاً، وإِذا لم یکن هکذا فهو لیس هکذا مطلقاً.
فلا یمکنُ أنْ تکون حصیلهُ معرفه من المعارف فی مرحله خاصّه عینَ الحقیقه وفی مرحله أُخرى ترتدی رداءَ الخطأ.
إنَّ النسبیَّه فی المعارف والمُدرکات إِنَّما تُتصوَّر فیِ الأُمورِ الَّتی لیس لها واقعیه سوى فکر الإنسان وتصدیقه وتکون من مواضعاته فمثلاً، المجتمع الغربی مختار وحر فی انتخاب نظام حکومته. فإِذا اتفقوا ذاتَ یوم على صیغه معیّنه للحکم اتّسمت تلک الصّیغَه بسمه الحقیقه ما داموا متفقین علیها.
وَأَمّا إذا اتَّفقوا ـ ذات یوم ـ على عکسها، کانت الصّیغه الثانیهُ هی الحقیقه، وفی نفس الوقت یکون کل من المعرفتین فی ظرفها الخاصّ عین الحقیقه.
ولکنَّ الأُمورَ الَّتی لها بذاتها محلّ مشخّص ومحدود خارج الذّهن، إذا وقعتْ فی إطار الإدراکِ بصوره صحیحه وثابته تکون صحیحه للأبد، وکان خلافها کذلک باطلاً دائما وأبداً.
وبتعبیر آخر; إنّ کل شیء له واقعیه خارجیه وراء ذهن الإنسان فالمعرفه الواقعه علیه یدور أمرها بین الصحه والخطأ، وأمّا الأُمور الاعتباریه التی یصنعها الذهن لأجل أغراض اجتماعیه، کصیغه الحکومه، والرئاسه والملکیّه فهی تتسم بالنسبیّه وتوصف بها. وتکون حقیقه فی ظرف دون آخر.
[۱] . جاءت الإشاره فی الأحادیث الإسلامیّه إلى مَن وُصِف بالمحدَّث وسیأتی الکلامُ عنه مستقبلاً.
[۲] . النَحل / ۷۸ .
[۳] . النحل / ۴۳ .
[۴] . الکافی الأُصول: ج ۱، ص ۱۶، الحدیث ۱۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.