الکون فی نظر الإسلام
الأصلُ السابع: نظام الکون الحالی لیس أبدیّاً
النِّظام الحالی للکون لیس خالداً ولا أبدیّاً، بل سینهدمُ ویندثر بعد زمان یعلمه الله وحده على وجه التحدید، ویقوم مکانه نظامٌ آخر هو العالم الأُخروی وما یسمّى بالمعاد، کما یقول تعالى: ( یَوْمَ تُبَدَّلُ الأرضُ غیرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وَبَرَزُوا لله الْوَاحِدِ الْقَهّارِ) ( [۲] ) .
وفی قوله سبحانه: ( إِنّا للهِ وَإِنّا إِلیْهِ راجِعُونَ) ( [۳] ) إِشارَه إلى هذه الحقیقه.
الأصلُ الثامن: العلّه والمعلول
النِّظامُ الکونی الرّاهنُ قائمٌ على أَساس العلَّه والمعلول، وتقومُ بین ظواهرِهِ وأجزائه رابطهُ العلیّه والمعلولیّه.
وتأثیرُ کلّ ظاهره فی ظاهره أُخرى متوقّف على الإذن الإِلهی وَالمشیئه الإلَهیَّه، وقد تَعلَّقت المشیئه الإلَهیَّه الحکیمه بتحقیق فیّاضیّته غالباً عن طریق النِّظام السببیّ، وعَبْرَ الأَسباب والمسبّبات.
ومن الواضح أَنَّ الإِعتقاد بتأثیر الظّواهر بعضُها فی بعض، لا یعنی الإعتقاد بخالقیّتها قَطُّ، بل المقصود هو أنّ تلک الأَسبابَ والعلل توفِّر ـ بإِذن الله ومشیئته ـ أرضیّه تحقّق ظواهر أُخرى، وأَن أیّ نوع من أَنواع التأثیر والتأثر مظهرٌ من مشیئه الله وإِرادته الکلّیّه.
وقد أشار القرآنُ الکریمُ إلى کلا المطلبین المذکورَین ونعنی خضوع الظواهر الطّبیعیه لقانون العلیّه وکذا توقُّفَ تأثیرِ کلّ علّه وسبب فی الکون على الإذن الإلهی الکلّی.
ففی المجال الأَوّل نکتفی بذکر الآیه التالیه:
( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمرَاتِ رِزَقاً لَکمْ) ( [۴] ) .
وفی المَجالِ الثّانی نکتفی بالآیهِ التّالِیَه أَیْضاً:
( وَالْبلَدُ الطَّیّبُ یخرُجُ نَبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّه) ( [۵] ) .( [۶] )
الأصلُ التاسع: الوجود لیس مساوقاً للطبیعه المادیه
الوجودُ لیس مساوِقاً للطبیعه المادّیّه، فهو لا ینحصرُ فی المادّه وحدها بل هو أوسع من الماده ومن ما وراءَها الَّذی أَطلقَ علیه القرآنُ اسْمَ عالَمِ الغیبِ فی مقابل عالَمِ الشَّهادهِ.
وکما انّ الظواهر المادیه یؤثر بعضُها فی بعض بإذن الله تعالى کذلک تؤثّر الموجوداتُ الغیبیه فی عالَم الطبیعه بالإذن الإلهیّ.
وبعباره أُخرى: هی وسائط للفیض الإلهی .
ویتحدث القرآنُ الکریمُ عن تأثیر مَلائکهِ الله وتسَبّبِها لحوادثِ العالَمِ الطبیعیّ إذ یقول :
( فَالمُدَبِّراتِ أمْراً ) ( [۷] ) .
( وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ویُرسِلُ عَلیکم حَفَظَهً) ( [۸] ) .
نَستَنتجُ من الآیات الصَریحه السابقه:
أنّ عالَمَ الخلق بقسمَیْه: الطبیعه وما وراء الطبیعه مع ما یسوده من النظام السببی قائمٌ برمَّته بمشیئه الله سبحانه ومرتبط به، بلا استثناء.
الأصلُ العاشر: خضوع الکون لهدایه خاصه
إنَّ الکونَ حقیقهٌ تخضع لهدایه خاصّه، وانّ جمیع ذرات العالم ـ کلٌّ فی مرتبته ـ تتمتع بحسب ما هی علیها بنورِ الهدایه.
کما وإنّ مراتب هذه الهدایه العامّه والشامله تتکون من الهدایه الطبیعیه، والغریزیه والتکوینیه.
وَلقد ذکَّر القرآنُ الکریمُ فی آیات عدیده بهذه الهدایه التکوینیّه والعامّه نأتی فیما یلی بواحده منها:
( ربُّنا الّذِی أَعطى کُلّ شیْء خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ( [۹] ) .
الأصلُ الحادی عشر: الکون نظام کامل
إنَّ نظامَ الخلیقه الحاضر هو النظامُ الأکملُ والأحسنُ، وإنّ جهاز الوجود قد صُوِّر على أفضل صوره، فلا یمکن تصوّر ما هو أکمل وأفضل مما علیه الآن.
یقول القرآن الکریم: ( الَّذِی أَحسَنَ کُلَّ شیء خَلَقَهُ) ( [۱۰] ) .
والدلیلُ العقلیُّ یدعمه، وذلک لأَنّ فعلَ أیّ فاعل یتناسب ـ من حیث الکمال والنقص ـ مع ما علیه الفاعلُ من حیث الصفات والکمالات، فإذا کان الفاعلُ منزَّهاً عن أیّ نقص من حیث الصفات الوجودیّه، کان فعلهُ کذلک عاریاً عن أیّ نوع من أنواع النقص والعیب.
وحیث إنّ الله تعالى یُوصف بکلّ الکمالات الوجودیّه على وجهها الأتمّ الأکمل یکون فعله أیضاً ـ وبطبیعه الحال ـ أکملَ فعل وأفضلَه.
هذا مضافاً إلى أنّ کونَ اللهِ حکیماً یقتضی ما دام خلقُ العالمِ الأحسنِ ممکناً، أن لا یوجِدَ غیره.
والجدیر بالذِکرِ أنّ ما فی العالَم الطبیعیّ مما یسمّى بالشُّرور لاینافی النظامَ الأحسنَ للوجود، وتوضیحُ هذه النقطه سیأتی فی أبحاث «التوحیدِ فی الخالقیّه».
الأصلُ الثانی عشر: الحکمه فی خلق الکون
حیث إنَّ العالَمَ مَخلوقٌ لله الّذی هو الحقُّ المطلَق وفعلهُ، فإنَّ مصنوعَه کذلک حقٌ ویتَّسم بالحِکمه، فلا مجالَ للعبثیّه واللاهدفیّه فیه.
وقد أشار القرآنُ الکریمُ إلى هذا الموضوع فی آیات عدیده نذکر واحدهً منها هنا:
( ماخَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وَمَابیَنَهما إلاّ بِالحقِّ) ( [۱۱] ) .
على أنّ غایهَ هذا العالم والإنسان إنما تَتَحقّق عندما تقومُ القیامه، کما قال الإمام أمیر المؤمنین علی ـ علیه السَّلام ـ : «فإنّ الغایه القِیامه».( [12] )
[۱] . الإخلاص / ۳ .
[۲] . إبراهیم / ۴۸ .
[۳] . البقره / ۱۵۶٫
[۴] . البقره / ۲۲٫
[۵] . الأعراف / ۵۸ .
[۶] . للتَّوسُّع ومَزید الاطِّلاعِ فی هذا المجال تُراجَع کتب التّفسیر والکلام (العقائد) منها: تفسیر المیزان: ۱ / ۷۴ طبعه بیروت، والإلهیّات: ۲ / ۵۱ ـ ۵۴٫
[۷] . النازعات / ۵ .
[۸] . الأنعام / ۶۱ .
[۹] . طه / ۵۰ .
[۱۰] . السجده / ۷ .
[۱۱] . الأحقاف / ۳ .
[۱۲] . نهج البلاغه، الخطبه ۱۹۰ .