بطله کربلاء
والأشهر الثلاثه التی رافقت خلالها أمها الزهراء بعد وفاه رسول الله (صلى الله علیه وآله) ورأت أمها تدافع عن مقام الخلافه الشرعی، وتطالب بحقها المصادر ، وتعترض على ما حصل بعد الرسول من تطورات ، وتصارع الحسرات والآلام التی أصابتها .
والفتره الحساسه الخطیره التی عاصرت فیها حکم أبیها علی وخلافته وما حدث فیها من مشاکل وحروب.
ثم مواکبتها لمحنه أخیها الحسن وما تجرع فیها من غصص وآلام کل تلک المعایشه للأحداث والمعاصره للتطورات . . کان لإعداد السیده زینب لتؤدی امتحانها الصعب ودورها الخطیر فی ثوره أخیها الحسین بکربلاء .
وما کان للسیده زینب أن تنجح فی أداء ذلک الأمتحان ، وممارسه ذلک الدور لو لم تکن تمتلک ذلک الرصید الضخم من تجارب المقاومه والمعاناه ، ولو لم یتوفر لها ذلک الارث الکبیر من البصیره والوعی .
وواقعه کربلاء تعتبر من أهم الأحداث التی عصفت بالأمه الإسلامیه بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله) .
ففی واقعه کربلاء تجلى تیار الرده الى الجاهلیه والأنقلاب على الأعقاب ووصل الى قمته وذروته من خلال المعسکر الأموی . . کما تجسد وتبلور خط الرساله والقیم الالهیه فی الموقف الحسینی العظیم .
وواقعه کربلاء شرعت للأمه مقاومه الظلم والطغیان ، وشقت طریق الثوره والنضال أمام الطامحین للعداله والحریه .
وکان للسیده زینب دور أساسی رئیسی فی هذه الثوره العظیمه .
فهی الشخصیه الثانیه على مسرح الثوره بعد شخصیه أخیها الإمام الحسین (علیه السلام) .
ومن یقرأ أحداث کربلاء ویقلب صفحات کتابها ، یرى السیده زینب الى جانب الحسین فی اغلب الفصول والمواقف ، بل انها قادت مسیره الثوره بعد استشهاد الإمام الحسین وأکملت حلقاتها .
ولولا کربلاء لما بلغت شخصیه السیده زینب هذه القمه من السمو والتألق والخلود . . ولولا السیده زینب لما حققت کربلاء أهدافها ومعطیاتها وآثارها فی واقع الأمه والتاریخ .
لقد أظهرت کربلاء جوهر شخصیه السیده زینب ، وکشفت عن عظیم کفاءاتها وملکاتها القیادیه ، کما أوضحت السیده زینب للعالم حقیقه ثوره کربلاء ، وأبعاد حوادثها .
وحقاً انها بطله کربلاء وشریکه الحسین .
قبل أن نتحدث عن دور السیده زینب فی ثوره کربلاء ، لابد من قرائه بعض سطور کتاب الثوره الحسینیه ، لتوضیح خلفیات ذلک الدور الزینبی .
طبیعه الحکم الأموی
فی شهر ( جمادی الأول ـ سنه ۴۱ هـ ) وبعد صلح الإمام الحسن تم لمعاویه ما کان یریده ویسعى الیه ، فقد أصبح هو الخلیفه والحاکم على الأمه الإسلامیه جمعاء .
ودخلت الأمه فی نفق الحکم الأموی ، حیث لم تعد مبادئ الإسلام وأنظمته هی المرجع والمقیاس ، وإنما هی اراده الحاکم یعمل کیف یشاء وما یشاء ، وحتى لا تزاحمه أی اراده اخرى ولا یجرأ أحد على معارضته فقد بدأ فی تنفیذ مخطط لتصفیه کل رجالات المسلمین الأحرار الشرفاء وکان من ضحایا ذلک المخطط .
الإمام الحسن بن علی حیث دسّ الیه السم ، وحجر بن عدی الصحابی الجلیل ، وعبد الرحمن بن حسان العنزی ، وصیفی بن فسیل الشیبانی ، وقبیصه بن ربیعه ، وشریک بن شداد الحضرمی ، وکدام بن حیان العنزی ، ومحرز بن شهاب التمیمی ، والصحابی العالم رشید الهجری والصحابی العظیم عمرو بن الحمق الخزاعی ، واوفى بن حصن ، وجویریه بن مسهر العبدی ، وعبدالله بن یحیى الحضرمی (۱) ، وغیرهم من شخصیات الأمه وأفاضلها المخلصین .
کما عمل الحکم الأموی على تعبئه أجواء الرأی العام ضد أهل البیت (علیهم السلام) ، وسن سب الإمام علی بن أبی طالب على المنابر وفی خطب الجمعه ، وفرض ذلک على جمیع عماله وولاته ومن أبى منهم عزله ، وبقی ذلک سنّه الى عهد عمر بن عبد العزیز حیث أمر بإلغائه حین تولى الخلافه سنه ( ۹۹ هـ ) أی أن سب الإمام علی استمر أکثر من نصف قرن من سنه ( ۴۱ الى سنه ۹۹ هـ ) .
وازدادت الضغوط القمعیه على أهل البیت وشیعتهم من قبل الحکم الأموی ، فقد رفع معاویه مذکره الى جمیع عماله وولاته جاء فیها : أنظروا الى من قامت علیه البینه انه یحب علیاً وأهل بیته فامحوه من الدیوان واسقطوا عطاءه ورزقه .
ثم شفع ذلک بنسخه أخرى جاء فیها : ومن أتهمتموه بموالاه هؤلاء القوم فنکلوا به واهدموا داره .
وتحدث الإمام الباقر عما جرى على أهل البیت وشیعتهم من الأضطهاد والأذى فی زمن معاویه ، فقال : « وقتلت شیعتنا بکل بلده وقطعت الأیدی والأرجل على الظنه ، وکان من یذکر بحبنا والإنقطاع الینا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره » (2) .
اضافه الى اظهار الفساد والمخالفه للدین ، کتعطیل الحدود وممارسه الخلاعه والمجون ، واستلحاق معاویه لزیاد بن أبیه ، والجرأه الصریحه على مخالفه الأحکام الشرعیه من قبل معاویه حتى فی العبادات کالأذان فی صلاه العید والخطبه قبل صلاه العید ، وأخذ الزکاه من الأعطیه ، والتطیب فی الاحرام واستعمال أوانی الذهب والفضه ، ولبس الحریر .
وقد ساءت أوضاع الناس الاقتصادیه لأن معاویه کان یستأثر هو ومن حوله بأموال المسلمین ویضعون علیهم مختلف الضرائب ، وکان معاویه یرى لنفسه الحق فی التصرف کما یشاء فی ثروات الأمه بینما یتضور الفقراء والمستضعفون جوعاً وحرماناً ، وینقل عنه قوله .
الأرض لله وأنا خلیفه الله فما أخذت من مال الله فهو لی وما ترکته کان جائزاً لی (۳) .
وذکر ابن حجر أنه جاء بسند رجاله ثقات : إن معاویه خطب یوم جمعه فقال : إنما المال مالنا ، والفیء فیئنا فمن شئنا أعطیناه ، ومن شئنا منعناه (۴) .
وفی ( ربیع الأبرار ) قال : خطب معاویه فقال : إن الله ( تعالى ) یقول : ( وإن من شیء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (۵) فعلام تلومننی اذا قصرت فی إعطائکم (۶) .
کما سلط معاویه على الأمه ولاه جفاه قساه نشروا الرعب والبطش ، وحکموا الناس بالأرهاب والقمع مثل سمره بن جندب والذی استعمله زیاد على البصره نائباً عنه فأسرف فی قتل الأبریاء وازهاق الأنفس بغیر حق ، فقد حدث محمد بن سلیم وقال : سألت أنس بن سیرین : هل کان سمره قتل أحداً ؟ .
فاندفع أنس بحراره والتأثر بادیاً علیه قائلاً : وهل یحصى من قتل سمره بن جندب ؟ استخلفه زیاد على البصره وأتى الکوفه فجاء وقد قتل ثمانیه آلاف من الناس .
فقال له زیاد : هل تخاف أن تکون قد قتلت أحداً بریئاً ؟ .
فأجابه سمره : لو قتلت الیهم مثلهم ما خشیت (۷) .
ومن ولاه معاویه الظالمین : بسر بن أرطاه ، والذی وجهه الى الیمن ففعل فیها الأفاعیل المنکره التی لم یشهد التاریخ نظیراً لها فی فظاعتها وقسوتها ، وذکر الرواه أن بسر بن أرطاه قتل ثلاثین ألفاً من المسلمین عدا من أحرقهم بالنار (۸) .
ومن أخطر ولاه معاویه وأکثرهم جوراً وظلماً زیاد بن أبیه وقد ولاه معاویه البصره والکوفه وسجستان وفارس والسند والهند .
هکذا عاشت الأمه الإسلامیه فی ظل الحکم الأموی ، وبمراجعه بسیطه لکتب التاریخ یرى الأنسان صور الظلم الفظیعه البشعه التی سجلها الأمویون فی تاریخ حکمهم الأسود .
یزید بن معاویه حاکماً :
واستکمالاً لمشروع الرده الى الجاهلیه ختم معاویه بن أبی سفیان حیاته باستخلاف ولده یزید على الأمه ، لیبدأ بذلک عهد الملک العضوض والحکم الوراثی العائلی ، خلافاً لما أقره الإسلام وتعود علیه المسلمون .
ولم تکن لدى یزید أدنى مؤهلات الحکم والخلافه ، فقد کان کلفاً بالصید لاهیاً به ، وکان یلبس کلاب الصید الأساور من الذهب والجلال المنسوجه منه ، ویهب لکل کلب عبداً یخدمه (۹) ، کما کان ولعاً بالقرود وله قرد یجعله بین یدیه ویکنیه بأبی قیس ، ویسقیه فضل کأسه (۱۰) کما کان مدمناً على شرب الخمر (۱۱) .
یقول الحسن البصری ضمن تعداده لموبقات معاویه : واستخلاف ابنه بعده سکیراً خمیراً یلبس الحریر ویضرب الطنابیر (۱۲) .
وقد اعترض کبار الصحابه على معاویه حینما أراد مبایعه ولده یزید بولایه العهد ، وعقد مجلساً فی المدینه المنوره ضم نخبه من أفاضل الصحابه لیخبرهم برغبته فی تعیین ولده یزید ولیاً لعهده ، فانبرى له عبدالله بن جعفر بن أبی طالب زوج السیده زینب قائلاً بعد حمد الله والثناء علیه :
« أما بعد : فإن هذه الخلافه إن أخذ فیها بالقرآن فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فی کتاب الله ، وإن اُخذ فیها بسنه رسول الله فأولوا رسول الله ، وإن أخذ فیها بسنه الشیخین أبی بکر وعمر فأی الناس أفضل وأکمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول ؟ وأیم الله لو ولوه بعد نبیهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ، ولاُطیع الرحمن ، وعُصی الشیطان ، وما اختلف فی الأمه سیفان ، فاتق الله یا معاویه فانک قد صرت راعیاً ونحن رعیه فانظر لرعیتک فانک مسؤول عنها غداً » (13) .
واندفع عبدالله بن عمر فقال بعد حمد الله والصلاه على نبیه : « أما بعد : فإن هذه الخلافه لیست بهرقلیه ولا قیصریه ، ولا کسرویه ، یتوارثها الأبناء عن الآباء ، ولو کان کذلک کنت القائم بها بعد أبی ، فوالله ما أدخلنی مع السته من أصحاب الشورى ، الا أن الخلافه لیست شرطاً مشروطاً ، وإنما هی فی قریش خاصه لمن کان لها أهلاً ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم ممن کان أتقى وأرضى » (14) .
وبنفس المضمون تکلم عبدالله بن عباس ، وعبدالله بن الزبیر ، الا أن معارضه هؤلاء الصحابه وغیرهم من أعیان الأمه لم تؤثر فی عزم معاویه على فرض ولده حاکماً من بعده ، بل شهر سلاح التهدید أمام المعارضین ، وقال ناطق بإسم معاویه فی حضوره وهو یزید بن المقفع : أمیر المؤمنین هذا ـ وأشار الى معاویه ـ فان هلک فهذا ـ وأشار الى یزید ـ ومن أبى فهذا ـ واشار الى السیف ـ (۱۵) .
ومات معاویه فی شهر رجب سنه : ( ۶۰ هـ ) وأصبح ولده یزید خلیفه وحاکماً على المسلمین .
الحسین یرفض البیعه :
وکتب یزید الى الوالی الأموی على المدینه الولید بن عتبه بن أبی سفیان یطلب الیه أخذ البیعه قسراً من کبار الصحابه وفی مقدمتهم الإمام الحسین (علیه السلام) .
وفی منتصف اللیل استدعی الإمام الحسین الى مجلس الولید ، وطلب منه البیعه الى یزید ، فأجاب الإمام : « إن مثلی لا یبایع سراً ، ولا یجتزی بها منی سراً ، فاذا خرجت الى الناس ودعوتهم للبیعه ، دعوتنا معهم کان الأمر واحداً » .
وقبل الولید کلام الإمام الحسین لکن مروان بن الحکم والذی کان جالساً الى جانب الولید رفض ما قاله الإمام وطالب الولید بإجبار الحسین على البیعه فوراً ! ! .
ورداً على هذا التهدید أعلن الإمام الحسین موقفه الرافض لبیعه یزید قائلاً : « أیها الأمیر إنا أهل بیت النبوه ، ومعدن الرساله ، ومختلف الملائکه ، ومحل الرحمه ، بنا فتح الله ، وبنا ختم ، ویزید رجل فاسق ، شارب خمر ، قاتل النفس المحرمه ، معلن بالفسق ، ومثلی لا یبایع مثله ، ولکن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أینا أحقّ بالخلافه والبیعه » (16) .
ــــــــــــــــــ
(۱) ( حیاه الإمام الحسن ) القرشی ج ۲ ، ص ۳۵۸ ، الى ۳۸۵ . راجع تراجم المذکورین وکیفیه قتلهم.
(۲) المصدر السابق ص ۳۵۶ .
(۳) ( النصائح الکافیه لمن یتولى معاویه ) محمد بن عقیل ص ۱۳۱ ـ ۱۳۴ .
(۴) ( النصائح الکافیه لمن یتولى معاویه ) محمد بن عقیل ص ۱۳۱ ـ ۱۳۴ .
(۵) سوره الحجر ، الآیه ( ۲۱ ) .
(۶) ( النصائح الکافیه لمن یتولى معاویه ) محمد بن عقیل ص ۱۳۱ ـ ۱۳۴ .
(۷) ( حیاه الإمام الحسن ) القرشی ج ۲ ، ۱۹۴ .
(۸) المصدر السابق ص ۱۹۹ .
(۹) المصدر السابق ص ۱۸۱ .
(۱۰) المصدر السابق ص ۱۸۲ .
(۱۱) المصدر السابق ص ۱۸۳ .
(۱۲) المصدر السابق ص ۱۸۴ .
(۱۳) ( حیاه الإمام الحسین ) القرشی ج ۲ ، ص ۲۰۵ .
(۱۴) المصدر السابق ص ۲۰۷ .
(۱۵) المصدر السابق ص ۲۰۳ .
(۱۶) المصدر السابق ص ۲۵۵ .