مظاهر السلام فی القرآن الکریم

0

المقدّمه
سلم، السّلْمُ، السلامه، السلام فی اللغه التعری من الآفات الظاهره والباطنه(۱).
السلم والسلام والسلامه مصطلحات للسمو والتکامل فی کل شیء، فی الأفکار والعواطف والممارسات، فلا نقص ولا عیب ولا خلل فی جمیع الجوانب والمجالات، وهی مصطلحات تنطبق على کل ما هو موجود فی الحیاه وکلّ ما هو متعلق بوجود الأنسان.
فمبدأ الحیاه والکون والإنسان هو السلام وهو اسم من أسماء الله الحسنى، وهو واهب الأمن والأمان والطمأنینه، وهو مصدر السلامه للإنسان فی الحیاه الدنیا والحیاه الآخره وجنته هی دار السلام.
وهو سلامه للبدن من الآفات والنواقص، وسلامه للعقل من الضلاله والتیه والأوهام، وسلامه للقلب من الحقد والحسد والانتقام، وسلامه للجوارح من الظلم والاعتداء والاستغلال والاستعباد، وسلامه من الانحراف فی جمیع مجالاته.
وهو الاستسلام المطلق للخالق ولمن بعثه رسولاً وإماماً، وهو التعالی على النزاع والخصام والتنافس والعنف، وتضارب المصالح، وهو البراءه من الکذب والافتراء والتهم، والبراءه من الهموم والآلام والشدائد، وهو التعالی على الحرب والقتال.
فالسلم والسلام مصدر الأمن والاطمئنان العقلی والعاطفی والسلوکی فی جمیع المجالات.
وهذا ما سوف یتبین معنا فی هذا البحث.
مبدأ السلام المطلق
قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِی لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ}(۲).
السلام: لا یظلم أحداً، وجمیع الخلائق فی سلام من جهته، وأساساً فإنّ دعوه الله تعالى هی للسلامه، وهدایته ـ أیضاًـ باتجاه السلامه، والمقرّ الذی أُعدّ للمؤمنین هو بیت السلامه، وتحیه أهل الجنه هی السلام(۳).
الله تعالى هو السلام وهو واهب السلام والأمان والطمأنینه وإنّ دینه بمفاهیمه وقیمه وضع لسلامه الإنسان إن اتّبع هدایته، فهو العادل الرحیم الذی لا یظلم أحداً، بل یرید للإنسانیه أن تعیش الأمن والهناء والسعاده والسرور والعدل والقسط، فلا اضطراب ولا زعزعه روحیه أو نفسیه، فبذکره تطمئن القلوب.
قال تعالى: {أَلاَ بِذِکْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(۴).
وقال الإمام علی(علیه السلام): (ذکر الله دواء أعلال النفوس)(۵).
واطمئنان القلوب هو الهناء والراحه والسعاده وسلامه الإنسان من القلق والاضطراب.
والارتباط بمبدأ السلام والالتزام بمنهجه فی الحیاه یعطی للحیاه الأمل والتفاؤل والحرکه والفاعلیه، فیصبح الإنسان فاعلاً فی الحیاه یبنی ویعمّر ویصلح ویوجه نفسه والآخرین نحو الاستقامه فی جمیع المجالات.
ومن هنا نجد المجتمعات التی لا تؤمن بالله تعالى، ولا تتخذ دینه منهجاً فی الحیاه؛ تعیش القلق والاضطراب وتعیش التعاسه الحقیقیه وان تنعمت بالمأکل والمشرب؛ لأنها مسلوبه السلام والأمان والطمأنینه.
والسلام المطلق لا یظلم أحداً.
قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَکِنْ کَانُوا أَنفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ}(۶).
فما یتعرض له الإنسان والمجتمع من شدائد وعقوبات إنما یترتب على انحرافهم وما یمارسونه من استغلال واضطهاد وظلم واعتداء، وهی قمه العدل والعداله الإلهیه فهی إعاده لحقوق المظلومین، وتنبیه للمنحرفین للعوده إلى الاستقامه، وهی واقعه فی طریق السلام لجمیع الناس لکی لا تبقى عوائق وعراقیل تمنع منه.
منتهى السلام
منتهى السلام وعاقبته هی الجنّه التی أعدّت للصالحین والمتقین، وهی الجزاء العادل لهم الذی هیأه السلام المطلق لهم فی دار العدل والعداله.
إذن والسلام یرافق الصالحین والأولیاء فی جمیع مراحل الحیاه الأولى والآخره، وهذا ما أشارت إلیه الآیه الکریمه بحق النبی عیسى(علیه السلام).
قال تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَیْهِ یَوْمَ وُلِدَ وَیَوْمَ یَمُوتُ وَیَوْمَ یُبْعَثُ حَیّاً}(۷).
السلام قریب المعنى من الأمن، والفرق بینهما أن الأمن خلّو المحل مما یکرهه الإنسان ویخاف منه، والسلام کون المحل بحیث کلّ ما یلقاه الإنسان فیه فهو یلائمه من غیر أن یکرهه ویخاف منه…
سلام علیه یوم ولد فلا یمسه مکروه فی الدنیا یزاحم سعادته، وسلام علیه یوم یموت فسیعیش فی البرزخ عیشه نعیمه، وسلام علیه یوم یبعث حیّاً فیحیى فیها بحقیقه الحیاه ولا نصب ولا تعب(۸).
إذن والسلام یرافق الأولیاء والصالحین فی مراحلهم المختلفه وهی:
۱ ـ مرحله الولاده، والتی تمتد إلى الموت.
۲ ـ مرحله الموت والبرزخ.
۳ ـ مرحله الجزاء والثواب.
والسلام أو دار السلام مترتبه على العمل الصالح، بعد استجابه الدعوه الإلهیه والاهتداء بهدیها.
قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِیُّهُمْ بِمَا کَانُوا یَعْمَلُونَ}(۹).
دار السلام هی دار الأمن والأمان حیث لا حرب ولا سفک دماء، ولا نزاع ولا خصام، ولا عنف ولا تنافس قاتل ممیت، ولا تضارب مصالح، ولا کذب ولا افتراء، ولا اتهام، ولا حسد ولا حقد، ولا هم ولا غم، بل الهدوء والطمأنینه والهناء(۱۰).
ودار السلام هی الجنّه الموعوده.
قال تعالى: {وَاللَّهُ یَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَیَهْدِی مَنْ یَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِیمٍ}(۱۱).
والدعاء: تکوینی وتشریعی، والتکوینی: هو إیجاد ما یریده لشیء کأنه یدعوه إلى ما یریده، أی یدعوکم إلى الحیاه الأخرویه فتستجیبون إلى قبولها، وتشریعی: وهو تکلیف الناس بما یریده من دین بلسان آیاته(۱۲).
والسلام فی المنتهى لا یعطى جزافاً، وإنّما یعطى لمن تبنى الإسلام منهجاً له فی الحیاه وجسّد مفاهیمه وقیمه فی عقله وقلبه وضمیره وإرادته وسیرته، وصبر على التکلیف والمسؤولیه، وصبر على أهواء النفس ورغباتها التی تدعوه للراحه والاسترخاء، وصبر على الأذى والعذاب الذی تعرض له من قبل أعداء الله تعالى، وصبر على المعوقات والعراقیل وصبر على التضحیه بالمال والعیال والتضحیه بالنفس، وصبر على طول الطریق وعلى قله الناصر وضعف المعین.
قال تعالى: {سَلاَمٌ عَلَیْکُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}(۱۳).
هذه السلامه جاءت بعد ما صبرتم على الشدائد وتحملتم المسؤولیات الجسام والمصائب، ولکم هنا کامل الطمأنینه والأمان، فلا حرب ولا نزاع، وکل شیء یبتسم لکم، والراحه الخالیه من المتاعب ـ هنا ـ معدّه لکم(۱۴).
وما أروع ما یخاطب به الإنسان فی ذلک الیوم الرهیب فیسمع النداء والترحیب والاستقبال لیستبشر بالسلام والسلامه والأمان.
قال تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِینَ}(۱۵).
تشیر الآیه إلى نعمتین معنویتین مهمتین أخریتین: (السلامه)، و(الأمن)، السلامه من أیّ أذىً وألم، والأمن من کلّ خطر(۱۶).
وما أعظم السلام حینما یصدر من السلام المطلق بلا واسطه حیث تتجلى رحمته وألطافه وکراماته لتحیط من أخلص له تعالى فی الحیاه الدنیا لتکون کلمته هی العلیا وکلمه أعدائه هی السفلى.
قال تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِیمٍ}(۱۷).
إنّ سلام الله الذی بشره على المؤمنین فی الجنه، هو سلام مستقیم بلا واسطه، سلام منه تعالى، وأی سلام ذلک الذی یمثّل رحمته الخاصه؛ أیّ أنه ینبعث من مقام رحیمیته، وجمیع ألطافه وکراماته مجموعه فیه، ویا لها من نعمه عظیمه(۱۸).
وهنالک النموذج الأعلى للسلام والأمان والراحه الأبدیه فهو سلام من الله تعالى وسلام من الملائکه وسلام الآخرین المتبادل.
قال تعالى: {لاَ یَسْمَعُونَ فِیهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِیماً* إِلاَّ قِیلاً سَلاَماً سَلاَماً}(۱۹).
والمعنى: أنهم لا یسمعون شیئاً إلا السلام، سلام وتحیه من الله، ومن الملائکه المقربین، وسلامهم وتحیتهم لبعضهم البعض فی تلک المجالس العامره المملوءه بالصفاء والتی تفیض بالودّ والأخوه والصدق(۲۰).
وقال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِیهَا سُبْحَانَکَ اللَّهُمَّ وَتَحِیَّتُهُمْ فِیهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ}(۲۱).
والمعنى: لا یواجهون بقلوبهم التی هی ملأى بالخیر والسلام أحداً إلا بخیر وسلام(۲۲).
السلام على المرسلین
الرساله مسؤولیه وتکلیف على من اختاره الله تعالى لتبلیغها، وتجسید مفاهیمها فی الواقع بجمیع مجالاته ومظاهره، وهی عمل دؤوب ومتواصل لا یتوقف، ولا یتخلله التردد أو التراجع أو النکوص، وهو عمل ملیء بالمصاعب والعراقیل، یواجه أصنافاً من الناس تقترب وتبتعد عنه، ویواجه التکذیب والاستهزاء والاتهام والتشویه، ویواجه الأذى والمعاناه من حصار وملاحقه واعتقال وتهجیر وقتل، وهذا ما تعرض له المرسلون على مرّ التأریخ، فلم یواجهوا إلا الصعوبات والعراقیل، ولکنهم حولوها إلى أُنس ومتعه ولذه؛ لأنها واقعه فی طریق التکلیف والمسؤولیه الإلهیه.
وجزاؤهم على ذلک هو السلام من مصدر ومبدأ السلام، وهو السلام الشامل الکامل الذی لا یقتصر على جانب واحد أو ناحیه واحده من حیاتهم.
والسلام کجزاء دعوه للاقتداء بمن منحهم الله تعالى هذا الوسام الخالد، والذی ترتب على الإیمان المطلق وتجسیده فی صوره عملیه بالعقیده والمنهج والواقع الخارجی.
قال تعالى: {سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِی الْعَالَمِینَ}(۲۳).
إنّ الله یبعث بالسلام والتحیات لنبیّه نوح، السلام الذی سیبقى یُهدى إلیه من قبل الأمم الإنسانیه لحین قیام الساعه، والملفت للنظر أنّه من النادر أن یوجد فی القرآن سلام بهذه السعه على أحد(۲۴).
ولکی تکون خصوصیات نوح(علیه السلام) مصدر اشعاع للآخرین، أضاف القرآن الکریم: {کَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ} و {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِینَ}(۲۵).
وقال تعالى: {سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِیمَ * کَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ}(۲۶).
وقال سبحانه وتعالى: {سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا کَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِینَ}(۲۷).
وقال تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِینَ}(۲۸).
والسلام هو من عند الله العظیم والرحیم، السلام الذی هو رمز لسلامه الدین والإیمان والرساله والاعتقاد والمذهب، السلام الذی یوضّح النجاه والأمن من العقاب والعذاب فی هذه الدنیا وفی الآخره(۲۹).
والسلام الممنوح للمرسلین بعد الآلام والمعاناه فی سبیل أداء المسؤولیه والتکلیف، هو سلام شامل ومنه السلام والأمن من العذاب بمختلف ألوانه، حیث تتدخل الولایه التکوینیه لإنهاء العذاب وإبعاده عن المرسلین.
قال تعالى: {قِیلَ یَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَبَرَکَاتٍ عَلَیْکَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَکَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ یَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِیمٌ}(۳۰).
السلام هو السلامه أو التحیه غیر أنّ ذکر مسّ العذاب یؤید کون المراد به السلامه من العذاب(۳۱).
وقال تعالى: {قُلْنَا یَا نَارُ کُونِی بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِیمَ}(۳۲).
خطاب تکوینی للنار تبدلت به خاصه حرارتها وإحراقها وافنائها برداً وسلاماً بالنسبه إلى إبراهیم(علیه السلام) على طریق خرق العاده(۳۳).
الاستسلام للدین والانتماء إلیه
الإسلام من السلام وهو الاستسلام لله تعالى، والاستسلام لمن بعثه رسولاً، والاستسلام للعقیده والشریعه والمنهج الإلهی فی الحیاه، والإسلام بنفسه سلام لمن آمن به وانتمى إلیه بعد مراعاه مفاهیمه وقیمه وتجسیدها فی الواقع بممارسات ومشاعر وعلاقات وارتباطات، وبعمل إیجابی فی مکنونات الضمیر وفی عالم الواقع.
والاستسلام للدین والانتماء إلیه لیس بمستوى واحد، فالمستسلمون یختلفون من حیث القناعه والقبول والرضى، والإسلام قد راعى هذا الاختلاف، فهو یتقبل الإسلام والاستسلام الظاهری ابتداءً باللسان أو بالقلب واللسان، أو بالقلب واللسان والواقع السلوکی.
مستویات الاستسلام والانتماء
أولاً: الاستسلام الآنی
الإسلام دین السلام والرحمه والرأفه واللطف؛ لذا یکتفی من الإنسان بما یظهره لسانه ولا یفتش عن القلوب، ولا یحقق فیها، والاستسلام هنا کان لنرتب الأحکام والعلاقات علیه، فما دام قد شهد به فإنه یتمتع بشرسف الانتماء على أساس الظاهر.
قال تعالى: {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَتَبَیَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَیْکُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَیَاهِ الدُّنْیَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ کَثِیرَهٌ کَذَلِکَ کُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَیْکُمْ فَتَبَیَّنُوا إِنَّ اللَّهَ کَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیراً}(۳۴).
تأمر هذه الآیه الکریمه المسلمین أن یستقبلوا بکل رحابه صدر أولئک الذین یظهرون الإسلام، وأن یتجنبوا إساءه الظنّ بإیمان أو إسلام هؤلاء، وتؤکد الآیه بعد ذلک محذره وناهیه عن أن تکون نعم الدنیا الزائله سبباً فی اتهام أفراد أظهروا الإسلام أو قتلهم على أنّهم من الأعداء والاستیلاء على أموالهم(۳۵)، والاکتفاء بالإسلام الظاهری یرشدنا إلى التعامل الأخوی مع الآخرین، فلا یجوز تکفیرهم ولا یجوز الاعتداء علیهم ما داموا یشهدوا الشهادتین، ویبقى حسابهم على الله تعالى فی الدار الآخره.
ثانیاً ـ الاستسلام الاضطراری
الاستسلام والخصوع والانقیاد الاضطراری لیس له أثر ولا قیمه فی ظروف إنتهاء الحیاه الدنیا؛ لانّ الإنسان مکلف فی هذه الحیاه بالإیمان والاستسلام والانقیاد والخضوع لله تعالى ولمن نصّبه والسیر على مفاهیم وقیم الدین الحنیف، أمّا فی غیر هذه الدنیا فلا ینفع کلّ ذلک.
قال تعالى: {وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ یَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا کَانُوا یَفْتَرُونَ}(۳۶).
صدر الآیه یشیر إلى إسلامهم، وذیلها إلى کون ذاک الإسلام إضطراراً لا ینفعهم؛ لأنهم کانوا یرون لله إلوهیه ولشرکائهم إلوهیه فاختاروا تسلیم شرکائهم وعبادتهم على التسلیم لله، ثمّ لمّا ظهر لهم الحقّ یوم القیامه … فلم یبقى التسلیم إلاّ لله سبحانه، فسلموا له مضطرین وانقادوا له کارهین(۳۷).
قال تعالى: {الَّذِینَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِکَهُ ظَالِمِی أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا کُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(۳۸).
ألقوا السّلم أی: (الاستلام وهو الخصوع والانقیاد، والمعنى: الکافرون هم الذین تتوفاهم الملائکه … أنّهم ظالمون لأنفسهم بکفرهم بالله فألقوا السلم وقدموا الخضوع والانقیاد مظهرین بذلک أنهم ما کانوا یعملون من سوء…)(۳۹).
ثالثاً: الاستسلام العملی
الاستسلام العملی: هو الهدایه إلى الاستقامه والسلامه فی جمیع الأمور، بحیث تتجسد المفاهیم والتصورات والقیم والأحکام فی ممارسات عملیه متوجهه إلى ما یریده الله تعالى فی هذه الحیاه، والهدایه الحقیقیه والواقعیه هی التجسید العملی للإستلام والانتهاء والولاء.
قال تعالى: {یَهْدِی بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَیُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَیَهْدِیهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِیمٍ}(۴۰).
المراد بالهدایه هو الإیصال إلى المطلوب، وهو أن یورده الله تعالى سبیلاً من سبل السلام أو جمیع السبل أو أکثرها.
والسلام هو السلامه والتخلی من کل شقاء یختل به أمر سعاده الحیاه فی الدنیا أو آخره، فیوافق ما وصف القرآن الإسلام لله والإیمان والتقوى بالفلاح والفوز والأمن(۴۱).
رابعاً: الاستسلام للقیاده الربّانیه
الاستسلام العملی ینبغی أن یکون إستسلاماً حقیقیاً، فلا تکفی الصلاه وسائر العبادات، ولا یکفی الدعاء وذکر الله وقراءه القرآن، وإداء الواجبات والمندوبات، ولا تکفی السیره الحسنه والسلوک الحسن ما لم یکن صاحبه مندکاً اندکاکاً کاملاً بالمنهج المرسوم له، ومنه طاعه القیاده الربّانیه المتمثله برسول الله’ والاستسلام لها فی جمیع الأمور فی أوامرها ونواهیها، وفی مواقفها العملیه، والاستسلام لمن ینصّبه لمقام الإمامه والخلافه بأمر من الله تعالى، والرجوع إلیه لمقام الإمامه والخلافه بأمر من الله تعالى، والرجوع إلیه فی جمیع الأمور، والسلام فی الحیاه الدنیا والسلام فی الحیاه الآخره یترتب على هذه الحقیقه وهی الاستسلام المطلق لرسول الله’ وتسلیم الأمور إلیه وعدم الرد علیه فی قضیه من القضایا شرعیه کانت أم موقفاً سیاسیاً أو مشابه ذلک.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِیماً}(۴۲).
الصلاه کلّما نسبت إلى الله سبحانه فإنّها تعنی (إرسال الرحمه)، وکلّما نسبت على الملائکه فإنّها تعنی (طلب الرحمه) والتعبیر بـ (یصلّون) وهو فعل مضارع یدلّ على الاستمرار، یعنی أن الله وملائکته یصلّون علیه دائماً وباستمرار صلاه دائمه خالده.
ومعنى (سلّموا) فتعنی التسلیم لأوامر نبیّ الإسلام الأکرم(۴۳).
وفی روایه عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّ أبا بصیر سأله: قد عرفت صلاتنا على النبیّ فکیف التسلیم؟ قال: (هو التسلیم له فی الأمور)(۴۴).
وأرشد القرآن الکریم المسلمین إلى أن التسلیم لأوامر وحکم رسول الله’ بعد الرجوع إلیه هو علامه الإیمان الحقیقی، فلا یکفی الإسلام الظاهری أو شهاده اللسان، ما لم یتجسد بالتحاکم إلیه والتسلیم لحکمه فی جمیع الأمور، والإیمان الحقیقی هو التسلیم عن قناعه ورضا وقبول، فیتسلم وهو واع ویطیع وهو مستبشر، فلا یطیع أو یستسلم عن کراهیه وانزعاج أو استسلاماً لما یسمى بالأمر الواقع.
وقد وردت آیات عدیده تأمر بطاعه رسول الله’ وهی طاعه مقرونه بطاعه الله تعالى فی جمیع الأمور، ویأتی بعد الطاعه الاستسلام الواقعی الذی لا حرج فیه ولا انزعاج ولا تردّد، ویبدأ بالطاعه النفسیه ثمّ الطاعه العملیه المتجسده فی الواقع.
قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّکَ لاَ یُؤْمِنُونَ حَتَّى یُحَکِّمُوکَ فِیمَا شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لاَ یَجِدُوا فِی أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُوا تَسْلِیماً}(۴۵).
ومعنى ذلک: إنّ المسلمین الواقعیین مکلفون دائماً بتنمیه روح الخضوع للحقّ، والتسلیم أمام العدل فی نفوسهم.
والآیه تبیّن علائم الإیمان الواقعی الراسخ فی ثلاث مراحل:
الأولى: التحاکم إلى النبی’.
الثانیه: عدم الشعور بالحرج أو الانزعاج تجاه أحکامه.
الثالثه: تطبیق الأحکام تطبیقاًَ کاملاً ویسلموا أمام الحق تسلیماً مطلقاً(۴۶).
سلام التحیه
السلام هو المحور الذی یبتدأ منه الإنسان وینتهی إلیه، وهو التعبیر الجامع لکلّ ما یتعلق بالکون والحیاه والإنسان، وهو الهدف والغایه والوسیله، وقد أولاه القرآن الکریم أهمیه بالغه؛ لأنه حیاه الروح والعقل وحیاه القلب وحیاه الإنسانیه التی تُنشد الأمن والاطمئنان.
وقد جعل القرآن الکریم السلام تحیه المسلمین، لکی یستشعروا السلام فی علاقاتهم وروابطهم، ویجعلوه فکراً فی عقولهم وعاطفه فی قلوبهم وسلوکاً فی مواقفهم، ولتکون حیاتهم أمناً وطمأنینه، والسلام یستلزم تعمیق الألفه والموده والمحبّه والأخوه فی صفوف المجتمع؛ لتنتهی الأحقاد والعداوات والنزاعات والصراعات، وینتهی القلق والاضطراب.
وما أجمل التحیه التی تبدأ بالسلام فهی تربط الإنسان بالسلام المطلق وهو الله تعالى، وتربطه بمصیره فی الیوم الآخر، وتربطه فی الحیاه الاجتماعیه السلیمه.
والسلام تحیه الأنبیاء وتحیه الأمم السالفه التی بالله تعالى.
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِیمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ}(۴۷).
أی تسالموا هم وإبراهیم(علیه السلام)، فقالوا: سلاماً أی سلّمنا علیک سلاماً، وقال إبراهیم: سلام أی علیکم سلام.
والسلام الواقع فی تحیه إبراهیم(علیه السلام) نکره، ووقوعه نکره فی مقام التحیه دلیل على أن المواد به الجنس أو أن له وصفاً محذوفاً للتفخیم ومزید التکریم والتقدیر: علیکم سلام زاکٍ طیب أو ما فی معناه.
ولذا ذکر بعض المفسرین: أنّ رفع السلام أبلغ من نصبه، فقد حیّاهم بأحسن من تحیتهم فبالغ فی إکرامهم(۴۸).
والسلام یأتی دلیلاً على القبول والترحیب والتفاهم والمحبّه، وعلى الاحترام والتکریم، وإقامه علاقات الرحمه بین القائد المعصوم وأتباعه المؤمنین، وهو رساله الله تعالى لعباده المؤمنین.
قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَکَ الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِآیَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَیْکُمْ کَتَبَ رَبُّکُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَهَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْکُمْ سُوءاً بِجَهَالَهٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِیمٌ}(۴۹).
ومعنى السلام: أن یتلطف بهم ویسلّم علیهم ویبشر من تاب منهم عن سیئه توبه نصوحه بمغفره الله ورحمته فتطیب نفوسهم ویسکن طیش قلوبهم.
ویحتمل أن یکون هذا السلام من الله بوساطه رسوله’ أو أنه من الرسول’ مباشره، وهو ـ على کلا الاحتمالین ـ دلیل على القبول والترحیب والتفاهم والمحبّه(۵۰).
والسلام هو تحیه لزیاره بیوت المؤمنین لتعمیق علاقات المودّه والرحمه والمحبه والصداقه الخالصه، وهو مقرون بالاستئناس؛ لکی تکون البدایه سلاماً وسلماً وسلامه.
قال تعالى: {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُیُوتاً غَیْرَ بُیُوتِکُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ}(۵۱).
السلام مع غیر المؤمنین
الإسلام دین السلام ودین الأمان والتآلف ودین اللطف والرحمه، جاء من أجل هدایه الإنسان لیعیش السلامه فی فکره وعاطفته وسلوکه، ولیعیش مجتمعه بأمان واطمئنان بعیداً عن القلق والاضطراب، وجاء الإسلام من أجل انقاذ الإنسان من جمیع ألوان العبودیه والاضطهاد والظلم والعدوان لیعیش الناس بسلام وأمان.
والإسلام یرید الخیر والسلامه للجمیع بما فی ذلک الذین یقفون حائلاً دون تحقیق الخیر والسلامه لهم وللمجتمع، فهو یواجههم من أجل أن یکونوا عناصر خیره سلیمه فی أفکارها وممارساتها، ولذا فهو یعود إلى الأصل وهو السلام إن وجد رغبه فی صفوف الأعداء.
فنبی الله إبراهیم(علیه السلام) یخاطب أباه بالسلام والإحسان والرفق لا بالعقوبه والانتقام، ولم یقابله بالمثل؛ لأنّه جاء للهدایه ولیس للانتقام.
{قَالَ سَلاَمٌ عَلَیْکَ سَأَسْتَغْفِرُ لَکَ رَبِّی إِنَّهُ کَانَ بِی حَفِیّاً}(۵۲).
قابل إبراهیم(علیه السلام) أباه فیما أساء إلیه وهدده وفیه سلب الأمن عنه من قبله بالسلام الذی فیه إحسان وإعطاء أمن(۵۳).
وفی حرکته الاجتماعیه والسیاسیه، فلا یشغل نفسه بالجدال والمماراه الفارغه، ولا فی اللغو وطائل الحدیث الذی لا نفع فیه، ولا فی اللغو وطائل الحدیث الذی لا نفع فیه، ولا ینشغل عن مسؤولیته وتکلیفه فی الحیاه الاجتماعیه والسیاسیه، ولا یهدر وقته وطاقته فی حوار أو نقاش غیر مجدی.
قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَکُمْ أَعْمَالُکُمْ سَلاَمٌ عَلَیْکُمْ لاَ نَبْتَغِی الْجَاهِلِینَ}(۵۴).
والمعنى لسنا أهلاً للکلام البذیء، ولا أهلاً للجهل والفساد، ولا نبتغی ذلک، إنّما نبتغی العلماء وأصحاب الضمائر الحیّه والعاملین المؤمنین الصادقین.
وعلى هذا فبدلاً من أن یهدروا قواهم فی مواجهه الجاهلین عمی القلوب وأهل الکلام البذیء یمرون علیهم کراماً لیؤدوا أهدافهم ومناهجهم الأساسیه… إنّ هؤلاء حین یواجهون الجاهلین لا یسلّمون علیهم سلام تحیه واستقبال، بل سلام وداع(۵۵).
والسلام وإن کان سلام وداع ومفارقه إلا أنه سلام واقعی تملأه الرحمه واللطف والرفق بالمخالفین والجاهلین والمنحرفین، لکی یشعروا عظمه الإسلام الذی جاء لهدایتهم لا للانتقام منهم.
قال تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ یَعْلَمُونَ}(۵۶).
أمر بالإعراض عنهم واقناط من إیمانهم، وقوله (قل سلام) أی وادعهم موادعه ترک من غیر همّ لک فیهم(۵۷).
السلام مع المحاربین
شرّع القتال والجهاد من أجل حمایه العقیده والشریعه وحمایه الکیان الإسلامی وحمایه أفراده ورد العدوان الواقعی أو المحتمل الوقوع، والدفاع عن المظلومین والمستضعفین، وقد شرّع الجهاد من أجل إزاله العوائق التی تقف فی طریق وصول الهدایه والخیر والسلام والأمان إلى جمیع الناس بما فی ذلک الذین یحاربونه، فهو جاء لهدایتهم لا لقتالهم، ولذا یدعو إلى السلم والمصالحه فی أقرب فرصه ممکنه؛ لأنّه لا یرغب فی استمرار القتال.
ویأمر القرآن الکریم بجهاد أضاف من المعادین للإسلام ویستثنی من یرید السلام، وفی ذلک قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِینَ یَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ مِیثَاقٌ أَوْ جَاءُوکُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ یُقَاتِلُوکُمْ أَوْ یُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَیْکُمْ فَلَقَاتَلُوکُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوکُمْ فَلَمْ یُقَاتِلُوکُمْ وَأَلْقَوْا إِلَیْکُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَکُمْ عَلَیْهِمْ سَبِیلاً * سَتَجِدُونَ آخَرِینَ یُرِیدُونَ أَنْ یَأْمَنُوکُمْ وَیَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ کُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَهِ أُرْکِسُوا فِیهَا فَإِنْ لَمْ یَعْتَزِلُوکُمْ وَیُلْقُوا إِلَیْکُمْ السَّلَمَ وَیَکُفُّوا أَیْدِیَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَیْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِکُمْ جَعَلْنَا لَکُمْ عَلَیْهِمْ سُلْطَاناً مُبِیناً}(۵۸).
تؤکد الآیه الأولى على أنّ (الله لا یسمح للمسلمین بالمساس بقوم عرضوا علیهم الصلح وتجنبوا قتالهم، وأنّ المسلمین مکلفون بأن یقبلوا دعوه الصلح هذه، ویصافحوا الید التی امتدت إلیهم وهی ترید الصلح والسلام)(۵۹).
واشترط القرآن الکریم على الطائفه الأخرى ثلاثه شروط من أجل أن تبقى فی مأمن من انتقام المسلمین وهی:
۱ ـ اعتزال المسلمین.
۲ ـ مصالحتهم.
۳ ـ الکف عن إیذائهم.
وإذا رفضت هذه الطائفه الشروط المذکوره وأصرت على العصیان والتمرد فالمسلمون مکلفون عند ذلک بإلقاء القبض على أفرادها وقتلهم أینما وجدوا.
والسلام هو الأصل فی العلاقات بین المسلمین وخصومهم وأعدائهم، فالإسلام یرید السلام والأمان لجمیع الناس لکی یتنعموا بنعمه الإسلام التی تسعى للأمن والسلام، ولا یلجأ إلى الأسلوب المسلّح إلا بعد أن تستنفذ جمیع الوسائل والأسالیب المتاحه السلیمه.
ولذا فإنّ طلب الصلح من قبل الآخرین ینبغی مقابلته بالمثل؛ لأنّه تشجیع لهم للعوده إلى الأصل وهو السلام والسلامه.
قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ}(۶۰).
والمعنى: (إن مالوا إلى الصلح والمسالمه فمل إلیها وتوکّل فی ذلک على الله ولا تخف من أن یضطهدک أسباب خفیه عنک على غفله منک وعدم تهیؤ لها فإن الله هو السمیع العلیم لا یغفله سبب ولا یعجزه مکر بل ینصرک ویکفیک…)(۶۱).
شمولیه السلام
السلام فی الإسلام یتمیز بالشمولیه کشمولیه الإسلام، فهو یرید السلامه للإنسان فی جمیع مقومات شخصیته، وینظر إلیه من جمیع جوانبه، فهو مخلوق من روح وعقل وغرائز وجسد متعدد الجوارح، فهو یرید السلامه للروح والجسد ویسعى لا شباعها لکی لا یبقى حرمان وإحباط وقلق واضطراب، وهو یواکب حرکه الإنسان منذ مرحلته الجنینیه إلى نهایه عمره وحیاته بعد الموت.
والسلام شامل للحیاه الاقتصادیه فلا سرقه ولا غصب ولا اعتداء واستغلال ولا ربا ولا احتکار.
وهو شامل للحیاه الاجتماعیه فلا خوف ولا نزاع ولا صراع ولا عدوان.
وهو شامل للحیاه السیاسیه فلا عبودیه ولا اضطهاد ولا ظلم ولا تمییز، وشامل للقضاء فلکل شخص أو إنسان حقّه غیر منقوص.
وهو شامل لسکنات الإنسان وحرکاته وأوضاعه النفسیه لکی یکون کل ما یفکر به أو یصدر منه سلیماً یحیطه السلام والرأفه.
فینبغی أن یکون السلام شعاراً مجسداً فی الواقع ابتداءاً بالتحیه وانتهاءاً بالعلاقات لکی یکون البدء بالسلام والانتهاء بالسلام.
ــــــــــــ
۱ ـ الراغب الأصفهانی، المفردات فی غریب القرآن: ۲۴۷٫
۲ ـ سوره الحشر: ۲۳٫
۳ ـ ناصر مکارم الشیرازی، الأمثل فی تفسیر کتاب الله ۱۴: ۱۰۴٫
۴ ـ سوره الرعد: ۲۸٫
۵ ـ عبد الواحد الأمدی، تصنیف غرر الحکم: ۱۸۸٫
۶ ـ سوره النمل: ۱۱۸٫
۷ ـ سوره مریم: ۱۵٫
۸ ـ محمد حسین الطباطبائی، المیزان فی تفسیر القرآن ۱۴ :۲۱٫
۹ ـ سوره الأنعام: ۱۲۷٫
۱۰ ـ تفسیر الأمثل ۴: ۲۱۵٫
۱۱ ـ سوره یونس: ۲۵٫
۱۲ ـ تفسیر المیزان۱۰: ۳۸٫
۱۳ ـ سوره الرعد: ۲۴٫
۱۴ ـ تفسیر الأمثل۶ :۴۳۵٫
۱۵ ـ سوره الحجر: ۴۶٫
۱۶ ـ تفسیر الأمثل ۶ :۶۲۷٫
۱۷ ـ سوره یس.
۱۸ ـ تفسیر الأمثل۱۱ :۱۶۸٫
۱۹ ـ سوره الواقعه: ۲۵ ـ ۲۶٫
۲۰ ـ تفسیر الأمثل۱۳: ۳ ـ ۵٫
۲۱ ـ سوره یونس: ۱۰٫
۲۲ ـ تفسیر المیزان۱۰ :۱۷٫
۲۳ ـ سوره الصافات: ۷۹٫
۲۴ ـ تفسیر الأمثل۱۱ :۲۷۰٫
۲۵ ـ سوره الصافات: ۸۰ ـ ۸۱٫
۲۶ ـ سوره الصافات: ۱۰۹ ـ ۱۱۰٫
۲۷ ـ سوره الصافات: ۱۲۰ ـ ۱۲۲٫
۲۸ ـ سوره الصافات: ۱۸۱٫
۲۹ ـ تفسیر الأمثل۱۱ :۳۰۶٫
۳۰ ـ سوره هود: ۴۸٫
۳۱ ـ تفسیر المیزان۱۰ :۲۲۹٫
۳۲ ـ سوره الأنبیاء: ۶۹٫
۳۳ ـ تفسیر المیزان ۱۴: ۳۰۵٫
۳۴ ـ سوره النساء: ۹۴٫
۳۵ ـ تفسیر الأمثل ۳ :۲۶۰٫
۳۶ ـ سوره النحل: ۸۷٫
۳۷ ـ تفسیر المیزان ۱۲ :۳۲۱٫
۳۸ ـ سوره النحل: ۲۸٫
۳۹ ـ تفسیر المیزان ۱۲ :۲۳۳٫
۴۰ ـ سوره المائده: ۴۰٫
۴۱ ـ تفسیر المیزان ۵ :۲۴۹٫
۴۲ ـ سوره الأحزاب: ۵۶٫
۴۳ ـ تفسیر الأمثل ۱۰: ۴۷۳٫
۴۴ ـ الطبرسی، مجمع البیان ۸ :۳۶۹٫
۴۵ ـ سوره النساء: ۶۵٫
۴۶ ـ تفسیر الأمثل ۳ :۱۹۲٫
۴۷ ـ سوره هود ۶۹٫
۴۸ ـ تفسیر المیزان ۱ :۳۰۸٫
۴۹ ـ سوره الأنعام: ۵۴٫
۵۰ ـ تفسیر المیزان ۷ :۱۰۶، تفسیر الأمثل ۴ :۹۱٫
۵۱ ـ سوره النور: ۲۷٫
۵۲ ـ سوره مریم: ۴۷٫
۵۳ ـ تفسیر المیزان ۱۴ :۵۹٫
۵۴ ـ سوره القصص: ۵۵٫
۵۵ ـ تفسیر الأمثل ۹ :۵۹۵٫
۵۶ ـ سوره الزخرف: ۸۹٫
۵۷ ـ تفسیر المیزان ۱۸ :۱۲۹٫
۵۸ ـ سوره التوبه: ۹۰ ـ ۹۱٫
۵۹ ـ تفسیر الأمثل ۳ :۲۴۴٫
۶۰ ـ سوره الأنفال: ۶۱٫
۶۱ ـ تفسیر المیزان ۹ :۱۲۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.