عقیده الشیعه فی الإمام المهدی(ع)

0

 
الإعتقاد بإمامه الأئمه الإثنی عشر من أهل البیت(ع)من أصول مذهبنا ، بل هو محوره الذی سمی لأجله ( المذهب الإمامی ، ومذهب التشیع ، ومذهب أهل البیت(ع) . وسمینا لأجله ( الإمامیه ، والشیعه، شیعه أهل البیت(ع) ).
وأول الأئمه الأوصیاء المعصومین عندنا أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع)، وخاتمهم الإمام المهدی المنتظر محمد بن الحسن العسکری(ع) ، الذی ولد فی سنه ۲۵۵ هجریه فی سامراء ، ثم مدَّ الله فی عمره وغیَّبه إلى أن ینجز به وعده ویظهره ، ویظهر به دینه على الدین کله ، ویملأ به الأرض قسطاً وعدلاً کما ملئت ظلماً وجوْراً .
فالاعتقاد بأن المهدی الموعود(ع)هو الإمام الثانی عشر ، وأنه حیٌّ غائب جزء من مذهبنا . وبدونه لایکون المسلم شیعیاً اثنی عشریاً ، بل مسلماً سنیاً ، أو شیعیاً زیدیاً ، أو إسماعیلیاً .
ویستغرب بعض إخواننا اعتقادنا بإمامه الأئمه(ع)وبعصمتهم ، وبغیبه المهدی المنتظر أرواحنا فداه . ولکن المیزان فی الأمور الممکنه لیس هو الإستبعاد ولا الإستحسان ، بل ثبوت النص عن النبی(ص) ، وقد ثبتت عندنا النصوص المتواتره القطعیه ، الداله على إمامته وغیبته(ع) . ومتى ثبت النص وقام الدلیل ، فعلى المسلم أن یقبله ویتعبد به ، وعلى الآخرین أن یعذروه أو یقنعوه . ورحم الله القائل: نحن أتباع الدلیل… حیث ما مال نمیل
وإخواننا السنه وإن لم یوافقونا على انطباق المهدی الموعود على الإمام محمد بن الحسن العسکری(ع)، إلا أنهم یوافقوننا تقریباً على کل ما ورد بشأنه من الأحادیث الشریفه ، من البشاره به ، وحرکه ظهوره ، وتجدید الإسلام على یده وشموله العالم ، حتى أنک تجد أحادیثه(ع)واحده أو متقاربه فی مصادر الفریقین ، کما رأیت من مصادرنا ، وترى من عقیدتهم .
على أن عدداً من علماء السنه یوافقنا أی على أنه هو الإمام محمد بن الحسن العسکری(ع)، مثل الشعرانی وابن عربی وغیرهم ، ممن صرحوا بإسمه ونسبه ، وثبت عندهم أنه حیٌّ غائب(ع) . وقد ذکر أسماء مجموعه منهم صاحب کتاب ( المهدی الموعود).
وهذا الإشتراک فی عقیده المهدی(ع)بین جمیع المسلمین ، یجب أن یستثمره العلماء والعاملون لنهضه الأمه ، لأنه عقیده ذات تأثیر حیوی فی جماهیر المسلمین ، من شأنها أن ترفع مستوى إیمانهم بالغیب ، وبوعد الله تعالى لهم بالنصر ، وترفع معنویاتهم فی مقاومه أعدائهم ، والتمهید لإمامهم الموعود(ع) .
ولا یصح أن یکون عدم ثبوت انطباقه عندهم على الإمام محمد بن الحسن(ع) ، موجباً لانتقاد من یعتقد بذلک ، ویتقرب به إلى الله تعالى.
ولیس غرضنا هنا أن نطرح بحثاً کلامیاً فی عقیدتنا فی الإمام المهدی(ع). بل أن نعطی فکره عن هذه الروحیه الفیاضه التی تعیش بها أوساطنا الشیعیه عقیده المهدی(ع)التی کونت فی ضمیر المسلم الشیعی عبر الأجیال وتربیه الآباء والأمهات، مخزوناً عظیماً من الحب والتقدیس والتطلع إلى ظهوره(ع).
فالإمام المهدی أرواحنا فداه هو بقیه الله فی أرضه من أهل بیت النبوه ، وخاتم الأوصیاء والأئمه(ع) ، وأمین الله على قرآنه ووحیه ، ومشکاه نوره فی أرضه . ففی شخصیته تتجسد کل قیم الإسلام ومثله ، وشبَه النبوه وامتداد نورها .
وفی غیبته تکمن معان کبیره ، من الحکم والأسرار الإلهیه ، ومظلومیه الأنبیاء والأولیاء والمؤمنین ، على ید حکام الظلم وسلاطین الجور .
وفی الوعد النبوی بظهوره ، تخضرُّ آمال المؤمنین ، وتنتعش قلوبهم المهمومه ، وتقبض أکفهم على الرایه ، وإن عتت العواصف ، وطال الطریق . فهم وصاحبها على میعاد .
ولئن کان الشیعه معروفین بغنى حیاتهم الروحیه مع النبی وآله(ص) ، فإن شخصیه الإمام المهدی أرواحنا فداه ومهمته الموعوده ، بجاذبیتها الخاصه ، رافد حیوی فی إغناء روح الشیعی بالأمل والحب والحنین .
ینتقد البعض شده احترام الشیعه لعلمائهم ، بینما یعجب به آخرون ویقدرونه . ویزداد الإعجاب أو الإنتقاد إذا رأوا احترام الشیعه لمرجع التقلید نائب الإمام المهدی أرواحنا فداه ، وتقدیسهم له وتقیدهم بفتواه .
أما إذا وصل الأمر إلى الأئمه المعصومین(ع)فیتهمنا البعض بالمبالغه والمغالاه ، ویفرط فی التهمه فیقول إن الشیعه یؤلهون النبی(ص)والأئمه(ع) والمراجع.. ویعبدونهم ، والعیاذ بالله .
لکن المشکله لیست فی شده احترام الشیعه وإطاعتهم وتقدیسهم لعلمائهم وأئمتهم ، بل هی فی الواقع ابتعادنا جمیعاً عن النظره الإسلامیه إلى الإنسان والتعامل بها معه .
نلاحظ فی القرآن الکریم ثلاثه مذاهب فی مسأله قیمه الانسان: المذاهب البدوی الذی تذکره آیات الأعراب والمنادین من وراء الحجرات..
والمذهب المادی الذی تذکره آیات أعداء الأنبیاء(ع)وأصحاب الحضارات المادیه .
والمذهب الإسلامی ، الذی تذکره آیات تکریم الإنسان والتوجیه إلى عالمه العقلی والروحی والعملی .
وأحسبنا فی عالمنا الإسلامی نعیش تأثیرات کثیره للبداوه وللمادیه الغربیه فی نظرتنا إلى الأنبیاء والأئمه(ع)والأولیاء والشهداء والمؤمنین ، وإلى جمهورنا وشعوبنا الإسلامیه . بل إلى أنفسنا أیضاً !
لقد أوجد الإنحطاط الحضاری والتسلط الغربی فی مجتمعاتنا ظروفاً قاسیه سیاسیه واقتصادیه واجتماعیه ، لم تعد معها حیاه الانسان المسلم فی أصلها محترمه ، فکیف نطمح إلى احترام أبعاد وجوده الأخرى وتقدیسها ؟!
کما حول أذهاننا إلى أذهان بدویه تنزع دائماً إلى (السطحیه)وتعادی العمق والجمع والترکیب ، فترانا نرید الشئ ببعد واحد ، ونرفض أن تکون له أبعاد متعدده فی آن . ونرید فی قلوبنا لوناً واحداً من العاطفه ، ولا نسمح لها أن تحمل ألواناً متعدده فی آن .
وبهذا صرنا نرى فی الأولیاء والأئمه والأنبیاء صلوات الله علیهم ، ظاهر أمرهم وحالهم ، ولا نرى قممهم الشامخه، وعوالمهم العقلیه والروحیه العالیه.
فإذا رأى أحد شیئاً من ذلک نقول عنه مغال، وإذا جاش بذلک عقله أو قلبه نقول مجنون أو منحرف !
ویبلغ الأمر أقصى خطورته عندما نلبسه ثوباً دینیاً فنقاوم تقدیس الأولیاء والأئمه والأنبیاء(ع)بحجه أنه یتنافى مع تقدیس الله تعالى وتوحیده !!
فکأن معنى أنهم بشر صلوات الله علیهم أن نفهمهم ببداوه خشنه ، ونجعلهم حفنه من رمل الصحراء . وکأن الأمر یدور بین رمل الصحراء والسماء ، ولا ثالث . فلا ریاض ولا أنهار ، ولا روابی ولا قمم !
وکأن مثل النور الإلهی الذی حدثنا عنه الله تعالى فی سوره النور: ( مثل نوره کمشکاه فیها مصباح ) موجوده فی غیر أرضنا ، ومتجسد فی غیر هؤلاء العظماء ، صلوات الله علیهم .
أعتقد أنه کلما تقدمت المعرفه بالفلاسفه والمفکرین والعلماء ، اکتشفوا أبعاداً جدیده فی کلام النبی(ص)وأهل بیته(ع)، وعرفوا قیمته وقیمتهم أکثر ، وعرفوا أن شخصیه المعصوم یجب أن تفهم من کلام المعصوم !
صحیح أن الله تعالى قال لنبیه(ص)قل للناس أنا بشر مثلکم: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ یُوحَى إِلَیَّ أَنَّمَا إِلَهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ . (سوره فصلت:۶) ، لکنه قال لنا بذلک إن النبی مثلنا ولیس مثلنا ! وإن شخصیته مرکبه من جنبه بشریه یعاملنا بها ، وجنبه غیبیه یتلقى بها الوحی والعلم من رب العالمین !
وأنى لنا أن نفهم بفکرنا وعقولنا جنبه الغیب فی شخصیته ، إلا بکلام المعصوم الذی له نافذه مفتوحه على الغیب؟!
بل حتى المثلیه فی قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ ، تعنی أنه من وسطکم یعرف تفکیرکم وشعورکم ویدرک مشکلاتکم ، ولاتعنی أنه مثلنا بمستوانا ونوع تفکیرنا ومشاعرنا ، فإن له(ص)تفکیره ومشاعره وعالمه الأعلى الذی لانرتقی الیه ، کما أنه لا ینزل الى عوالمنا الدنیا !
فالنبی إذن بسبب رقیِّ فکره ومشاعره لیس مثلنا ، وبسبب أن شخصیته مفتوحه على الغیب ، لیس مثلنا !
فماذا بقی من المثلیه التی تمکننا من الإحاطه بحقیقه شخصیته(ص) ؟!
وکذلک هی شخصیات المعصومین من عترته(ع) .
ومن هنا نعرف لماذا اختار الله تعالى لفظ البشریه للمثلیه ، دون الإنسانیه!
أعتقد أنه قد آن لنا أن نجد ذاتنا الإسلامیه وإنساننا المسلم ، ونجد من جدید نبینا(ص)وأئمتنا(ع)، وأن نرفض السطحیه البدویه التی روج لها المتمسلفون فی فهم النبی وآله(ص) ، وأن ونتعامل معهم بما یلیق بغنى شخصیاتهم الربانیه ، ومقاماتهم العالیه ، لتمتلئ قلوبنا مجدداً بمخزون الحب والعشق المقدس لهم ، الذی یهیؤنا ویفتح لنا باب الحب والعشق الأکبر لمولاهم ومولانا تبارک وتعالى .
إن على الذی تحجبه الشجره عن الغابه أن یعذر من یرى الشجره والغابه معاً ، والجبال والسماء فوقها ! ومن یتصور أن تقدیس الأنبیاء والأئمه(ع)، والعیش فی عوالمهم ، مانعاً عن تقدیس الله تعالى وتوحیده ، علیه أن یعذر من یرى ذلک درجات من التعظیم شرعها الإسلام ، لتنتظم بها الحیاه ، وتفتح الطریق إلى تعظیم وتقدیس وتسبیح الذی لیس کمثله شئ ، تبارک وتعالى .
 
مقام الإمام المهدی (ع)عند الله تعالى
من المناسب قبل أن نقدم مقطوعات من الأحادیث والأدعیه والزیارات کنماذج عن عقیدتنا بالإمام المهدی أرواحنا فداه ، ومشاعرنا نحوه ، أن نذکر شیئاً من الأحادیث التی وردت فی مقامه(ع) عند الله تعالى .
فقد ورد فی مصادر الفریقین أن مقامه عظیمٌ عند الله تعالى ، وأنه من کبار ساده أهل الجنه ، وأنه طاووس أهل الجنه ، وأن علیه من نور الله تعالى جلابیب نور تتوقد ، وأنه ملهمٌ مهدیٌّ من الله تعالى وإن لم یکن نبیاً ، وأن الله تعالى یجری على یدیه کثیراً من الکرامات والآیات والمعجزات .
بل یدل الحدیث المعروف الذی صححه علماء الشیعه والسنه ، على أنه أرواحنا فداه فی مصاف الأنبیاء والرسل صلوات الله علیهم .
فعن النبی(ص)قال: ( نحن ولد عبد المطلب ساده أهل الجنه ، أنا وحمزه وعلی والحسن والحسین والمهدی ) ( الغیبه للطوسی ۱۳ ، وصواعق ابن حجر ۱۵۸) .
وقد وردت فی مصادرنا أحادیث مفصله فی فضائل الأئمه الاثنی عشر(ع) ومقامهم العظیم عند الله تعالى ، ومنها أحادیث خاصه بالإمام المهدی المنتظر أرواحنا فداه ، وأنه نور الله فی أرضه ، وحجته على خلقه ، والقائم بالحق ، وخلیفه الله فی الأرض ، وشریک القرآن فی وجوب الطاعه ، ومعدن علم الله تعالى ومستودع سره . إلى آخر ما فصلته کتب العقائد والتفسیر والحدیث .
وقال أکثر علمائنا بتفضیله على بقیه الأئمه بعد أمیر المؤمنین والحسن والحسین(ع)، ووردت به الروایه .
وقد ورد عند السنه تفضیله على أبی بکر وعمر ، فعن ابن سیرین ، قیل له: ( المهدی خیر أو أبو بکر وعمر؟ قال: أخیر منهما ویعدل بنبی) (ابن حماد ص ۹۸ ).
 
من کلمات الأئمه فی الإمام المهدی(ع)
من الملفت فی هذا المجال أن نجد أن الأئمه(ع)کانوا فی طلیعه المعبرین عن مشاعرهم وحبهم للإمام المهدی(ع)قبل ولادته ، إیماناً بوعد النبی(ص) به ، وتطلعاً إلى ولدهم الموعود ، وما سیحققه الله تعالى على یده .
ونکتفی من ذلک بذکر کلمات عن الإمام علی والإمام الصادق(ع).
قال أمیر المؤمنین(ع):
(ألا إن مثل آل محمد(ص)، کمثل نجوم السماء: إذا خوى نجم طلع نجم . فکأنکم قد تکاملت من الله فیکم الصنائع ، وأراکم ما کنتم تأملون ). (نهج البلاغه خطبه ۱۰۰ ) .
وقال(ع):( فانظروا أهل بیت نبیکم ، فإن لبدوا فالبدوا ، وإن استنصروکم فانصروهم . فلیفرجن الله بغتهً برجل منا أهل البیت، بأبی ابن خیره الإماء ، لا یعطیهم إلا السیف ، هرجاً هرجاً موضوعاً على عاقته ثمانیه أشهر ، حتى تقول قریش لو کان هذا من ولد فاطمه لرحمنا )
( یعطف الهوى على الهدى ، إذا عطفوا الهدی على الهوى . ویعطف الرأی على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأی . وتخرج له الأرض أفالیذ أکبادها ، وتلقی إلیه سلما مقالیدها . فیریکم کیف عدل السیره . ویحیی میت الکتاب والسنه) (خطبه ۱۳۸) .
( قد لبس للحکمه جنتها ، وأخذ بجمیع أدبها ، من الإقبال علیها والتفرغ لها ، فهی عند نفسه ضالته التی یطلبها ، وحاجته التی یسأل عنها. فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسیب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه . بقیهٌ من بقایا حجته ، خلیفهٌ من خلائف أنبیائه ).(خطبه ۱۸۲) .
عن سدیر الصیر فی قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصیر وأبان بن تغلب، على مولانا أبی عبد الله جعفر بن محمد(ع)فرأیناه جالساً على التراب وعلیه مسح خیبری مطوق بلا جیب مقصر الکمین ، وهو یبکی بکاء الواله الثکلى ، ذات الکبد الحرى ، قد نال الحزن من وجنتیه ، وشاع التغیر فی عارضیه ، وأبلى الدموع محجریه ، وهو یقول:
سیدی ، غیبتک نفت رقادی ، وضیقت علی مهادی ، وأسرت منی راحه فؤادی . سیدی غیبتک أوصلت مصابی بفجائع الأبد ، وفقد الواحد بعد الواحد یفنی الجمع والعدد ، فما أحس بدمعه ترقأ من عینی ، وأنین یفتر من صدری..
قال سدیر: فاستطارت عقولنا ولهاً وتصدعت قلوبنا جزعاً من ذلک الخطب الهائل والحادث الغائل ، وظننا أنه سمه لمکروهه قارعه ، أو حلت به من الدهر بائقه ، فقلنا: لا أبکى الله یا ابن خیر الورى عینیک ، من أی حادثه تستنزف دمعتک ، وتستمطر عبرتک ، وأیه حاله حتمت علیک هذا المأتم ؟!
قال: فزفر الصادق(ع)زفره انتفخ منها جوفه واشتد منها خوفه وقال: ویلکم إنی نظرت فی کتاب الجفر صبیحه هذا الیوم ، وهو الکتاب المشتمل على علم المنایا والبلایا والرزایا وعلم ما کان وما یکون إلى یوم القیامه ، الذی خص الله تقدس اسمه به محمداً والأئمه من بعده(ص)وتأملت فیه مولد قائمنا وغیبته ، وإبطائه وطول عمره وبلوى المؤمنین فی ذلک الزمان، وتولد الشکوک فی قلوبهم من طول غیبته ، وارتداد أکثرهم عن دینهم،وخلعهم ربقهالإسلام من أعناقهم، التی قال الله تقدس ذکره: (وَکُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِی عُنُقِهِ، الولایه ، فأخذتنی الرقه ، واستولت علی الأحزان .
فقلنا: یا بن رسول الله کرمنا وشرفنا باشراکک إیانا فی بعض ما أنت تعلمه من علم .
قال: إن الله تبارک وتعالى أدار فی القائم منا ثلاثه أدارها فی ثلاثه من الرسل، قدر مولده تقدیر مولد موسى(ع)، وقدر غیبته تقدیر غیبه عیسى(ع)، وقدر إبطاءه تقدیر إبطاء نوح(ع)وجعل من بعد ذلک عمر العبد الصالح أعنی الخضر دلیلاً على عمره .
فقلت: إکشف لنا یا بن رسول الله عن وجوه هذه المعانی .
قال: أما مولد موسى فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملکه على یده أمر بإحضار الکهنه فدلوه على نسبه وأنه یکون من بنی إسرائیل ، ولم یزل یأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من بنی إسرائیل حتى قتل فی طلبه نیفاً وعشرین ألف مولد ، وتعذر علیه الوصول إلى قتل موسى لحفظ الله تبارک وتعالى إیاه .
کذلک بنو أمیه وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملکهم والأمراء والجبابره منهم على ید القائم منا ، ناصبونا العداوه ، ووضعوا سیوفهم فی قتل آل بیت رسول الله (ص)وإباده نسله ، طمعاً منهم فی الوصول إلى قتل القائم(ع)، ویأبى الله أن یکشف أمره لواحد من الظلمه ، إلى أن یتم نوره ولو کره المشرکون .
وأما غیبه عیسى(ع)فإن الیهود والنصارى اتفقت على أنه قتل ، وکذبهم الله عز وجل بقوله 🙁 وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَکِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) کذلک غیبه القائم(ع)فإن الأمه تنکرها لطولها.
وأما إبطاء نوح(ع)فإنه لما استنزل العقوبه على قومه من السماء ، بعث الله عز وجل جبرئیل الروح الأمین بسبعه نویات فقال: یانبی الله إن الله تبارک وتعالى یقول لک: إن هؤلاء خلائقی وعبادی ولست أبیدهم بصاعقه من صواعقی إلا بعد تأکید الدعوه وإلزام الحجه ، فعاود اجتهادک فی الدعوه لقومک فإنی مثیبک علیه ، واغرس هذا النوى فإن لک فی نباتها وبلوغها وإدراکها إذا أثمرت الفرج والخلاص ، فبشر بذلک من تبعک من المؤمنین . فلما نبتت الأشجار وتأزرت وتسوقت وتغصنت وأثمرت وزهى الثمر علیها بعد زمن طویل ، استنجز من الله سبحانه وتعالى العده، فأمره الله تبارک وتعالى أن یغرس من نوى تلک الأشجار ویعاود الصبر والإجتهاد ، ویؤکد الحجه على قومه ، فأخبر بذلک الطوائف التی آمنت به ، فارتد منهم ثلاث مائه رجل وقالوا: ولو کان ما یدعیه نوح حقاً لما وقع فی وعد ربه خلف .
ثم إن الله تبارک وتعالى لم یزل یأمره عند کل مره أن یغرسها تاره بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرات ، فما زالت تلک الطوائف من المؤمنین ترتد منهم طائفه ، إلى أن عاد إلى نیف وسبعین رجلاً ، فأوحى الله عز وجل عند ذلک إلیه وقال: یا نوح الآن أسفر الصبح عن اللیل لعینک ، حین صرح الحق عن محضه وصفی من الکدر ، بارتداد کل من کانت طینته خبیثه . .
قال الصادق(ع): ( وکذلک القائم(ع)تمتد أیام غیبته لیصرح الحق عن محضه ، ویصفوا الایمان من الکدر ) . (البحار:۵۱/ ۲۱۹ – ۲۲۲) .
 
نماذج من الأدعیه له وزیارته(ع)
( اللهم کن لولیک الحجه بن الحسن ، صلواتک علیه وعلى آبائه ، فی هذه الساعه وفی کل ساعه ، ولیاً وحافظاً وقائداً وناصراً ، ودلیلاً وعیناً ، حتى تسکنه أرضک طوعاً ، وتمتعه فیها طویلا ) .
(اللهم وصل على ولی أمرک ، القائم المؤمل ، والعدل المنتظر ، وحفه بملائکتک المقربین ، وأیده منک بروح القدس یا رب العالمین .
اللهم اجعله الداعیَ إلى کتابک ، والقائمَ بدینک ، استخلفه فی الأرض کما استخلفت الذین من قبله ، مَکِّنْ له دینه الذی ارتضیته له ، أبدله من بعد خوفه أمناً ، یعبدک لا یشرک بک شیئاً . اللهم أعزه وأعزز به ، وانصره وانتصر به ، وافتح له فتحاً یسیراً ، واجعل له من لدنک سلطاناً نصیراً . اللهم أظهر به دینک وسنه نبیک(ص)، حتى لایستخفی بشئ من الحق مخافه أحد من الخلق .
اللهم إنا نرغب إلیک فی دوله کریمه ، تعز بها الإسلام وأهله ، وتذل بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فیها من الدعاه إلى طاعتک ، والقاده إلى سبیلک ، وترزقنا بها کرامه الدنیا والآخره .
اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه ، وما قصرنا عنه فبلغناه . اللهم الْمُمْ به شعثنا ، واشعب به صدعنا ، وارتق به فتقنا ، وکثر به قلتنا ، وأعزز به ذلتنا ، وأغن به عائلنا ، واقض به عن مغرمنا ، واجبر به فقرنا ، وسد به خلتنا ، ویسر به عسرنا ، وبیض به وجوهنا ، وفک به أسرنا ، وأنجح به طلبتنا ، وأنجز به مواعیدنا ، واستجب به دعوتنا وأعطنا به سؤلنا ، وبلغنا به من الدنیا والآخره آمالنا ، وأعطنا به فوق رغبتنا .
یا خیر المسؤولین وأوسع المعطین ، إشف به صدورنا ، وأذهب به غیظ قلوبنا ، واهدنا به لما اختلف فیه من الحق بإذنک ، إنک تهدی من تشاء إلى صراط مستقیم ، وانصرنا به على عدوک وعدونا إله الحق آمین .
اللهم إنا نشکو إلیک فقد نبینا صلواتک علیه وآله ، وغیبه ولینا ، وکثره عدونا ، وقله عددنا ، وشده الفتن بنا ، وتظاهر الزمان علینا ، فصل على محمد وآل محمد ، وأعنا على ذلک کله بفتح منک تعجله ، وضر تکشفه ونصر تعزه ، وسلطان حق تظهره ، ورحمه منک تجللناها ، وعافیه منک تلبسناها ، برحمتک یا أرحم الراحمین .
( اللهم صلِّ على محمد وعلیهم صلاهً کثیرهً دائمهً طیبه ، لا یحبط بها إلا أنت ، ولا یسعها إلا علمک ، ولا یحصیها أحد غیرک .
اللهم صلى على ولیک المحیی سنتک ، القائم بأمرک ، الداعی إلیک، الدلیل علیک، وحجتک على خلقک ، وخلیفتک فی أمرک ، وشاهدک على عبادک . اللهم أعزَّ نصره ، ومُدَّ عمره ، وزیِّنْ الأرض بطول بقائه .
اللهم اکفه بغی الحاسدین ، وأعذه من شر الکائدین ، وازجر عنه إراده الظالمین ، وخلصه من أیدی الجبارین . اللهم أعطه فی نفسه وذریته وشیعته ورعیته وخاصته وعامته وعدوه وجمیع أهل الدنیا ما تَقَرُّ به عینه ، وتُسَرُّ به نفسه ، وبلغه أفضل أمله فی الدنیا والآخره . إنک على کل شئ قدیر .
اللهم جدد به ما محی من دینک ، وأحی به ما بدل من کتابک ، وأظهر به ما غیر من حکمک ، حتى یعود دینک به وعلى یدیه غضاً جدیداً خالصاً مخلَصاً ، لاشک فیه ولا شبهه معه ، ولا باطل عنده ولا بدعه لدیه .
اللهم نوره بنوره کل ظلمه، وهد برکنه کل بدعه ، واهدم بعزته کل ضلاله واقصم به کل جبار ، وأخمد بسیفه کل نار ، وأهلک بعدله کل جبار ، وأجر حکمه على کل حکم ، وأذل لسلطانه کل سلطان .
اللهم أذن کل من ناواه ، وأهلک کل من عاداه ، وامکر بمن کاده ، واستأصل من جحد حقه واستهان بأمره ، وسعى فی إطفاء نوره ، وأراد إخماد ذکره ).
(اللهم لک الحمد على ماجرى به قضاؤک فی أولیائک ، الذین استخلصتهم لنفسک ودینک ، إذا اخترت لهم جزیل ما عندک من النعیم المقیم ، الذی لازوال له ولا اضمحلال ، بعد أن شرطت علیهم الزهد فی درجات هذه الدنیا الدنیه وزخرفها وزبرجها ، فشرطوا لک ذلک ، وعلمت منهم الوفاء به ، فقبلتهم وقربتهم ، وقدمت لهم الذکر العلی ، والثناء الجلی ، وأهبطت علیهم ملائکتک ، وأکرمتهم بوحیک ، ورفدتهم بعلمک ، وجعلتهم الذرائع إلیک ، والوسیله إلى رضوانک . فبعض أسکنته جنتک إلى أن أخرجته منها . وبعض حملته فی فلکک ونجیته ومن آمن معه من الهلکه برحمتک . وبعض اتخذته خلیلاً ، وسألک لسان صدق فی الآخرین فأجبته وجعلت ذلک علیاً ، وبعض کلمته من جشره تکلیماً ، وجعلت له من أخیه ردءاً ووزیراً . وبعض أولدته من غیر أب ، وآتیته البینات ، وأیدته بروح القدس. وکلاً شَرَعْتَ له شریعه ، ونهجْت له منهاجاً ، وتخیرت له أوصیاء ، مستحفظاً بعد مستحفظ ، من مده إلى مده ، إقامهً لدینک ، وحجهً على عبادک ، ولئلا یزول الحق عن مقره ، ویغلب الباطل على أهله ، ولا یقول أحد: لولا أرسلت إلینا رسولاً منذراً ، وأقمت لناً علماً هادیاً ، فنتبع آیاتک من قبل أن نذل ونخرى .
إلى أن انتهیت بالأمر إلى حبیبک ونجیبک محمد(ص)فکان کما انتجبته ، سید من خلقته ، وصفوه من اصطفیته ، وأفضل من اجتبیته ، وأکرم من اعتمدته ، قدمته على أنبیائک ، وبعثته إلى الثقلین من عبادک ، وأوطأته مشارقک ومغاربک ، وسخرت له البراق وعرجت به إلى سمائک ، وأودعته علم ما کان وما یکون إلى انقضاء خلقک .
فعلى الأطائب من أهل بیت محمد وعلی صلى الله علیهما وآلهما ، فلیبک الباکون، وإیاهم فلیندب النادبون ، ولمثلهم فلتذرف الدموع ، ولیصرخ الصارخون ، ویضج الضاجون ، ویعج العاجون .
أین الحسن ، أین الحسین ، أین أبناء الحسین ، صالحٌ بعد صالح ، وصادقٌ بعد صادق . أین السبیلُ بعد السبیل ، أین الخیرهُ بعد الخیره ، أین الشموسُ الطالعه ، أین الأقمارُ المنیره ، أین الأنجمُ الزاهره ، أین أعلامُ الدین ، وقواعدُ العلم .
أین بقیهُ الله التی لاتخلو من العتره الطاهره ، أین المعدُّ لقطع دابر الظلمه ، أین المنتظرُ لإقامه الأمْتِ والعِوج ، أین المرتجى لإزاله الجور والعدوان ، أین المدخر لتجدید الفرائض والسنن ، أین المتخیر لإعاده المله والشریعه ، أین المؤمّضل لاحیاء الکتاب وحدوده ، أین محیی معالم الدین وأهله ، أین قاصم شوکه المعتدین ، أین هادم أبنیه الشرک والنفاق .
أین معز الأولیاء ومذل الأعداء ، أین جامع الکلم على التقوى ، أین السبب المتصل بین أهل الأرض والسما ، أین صاحب یوم الفتح ، وناشر رایات الهدى ، أین مؤلف الشمل الصلاح والرضا ، أین الطالب بذحول الأنبیاء وأبناء الأنبیاء ، أین الطالب بدم المقتول بکربلاء .
بأبی أنت وأمی ونفسی لک الوقاء والحمى ، یا بن الساده المقربین ، یا ابن النجباء الأکرمین ، یاابن الهداه المهتدین یا ابن الخیره المهدیین . عزیزٌ علیَّ أن أرى الخلق ولا ترى ، ولا أسمع لک حسیساً ولا نجوى ، عزیز علی أن لاتحیط بی دونک البلوى ولا ینالک منی ضجیج ولا شکوى . بنفسی أنت من مغیب لم یخل منا ، بنفسی أنت من نازح لم ینزح عنا .
إلى متى أحار فیک یا مولای وإلى متى . وأی خطاب أصف فیک وأی نجوى . عزیزٌ علی أن أجاب دونک وأناغى . عزیز علی أن أبکیک ویخذلک الورى . عزیزٌ على أن یجری علیک دونهم ما جرى .
هل من معین فأطیل معه العویل والبکا ، هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا ، هل قذیت عین فتسعدها عینی على القذى ، هل إلیک یا ابن أحمد سبیل فتلقى ، هل یتصل یومنا منک بغده فنحظى ؟ ترى أترانا نحف بک وأنت تؤم الملأ ، وقد ملأت الأرض عدلاً ، وأذقت أعداءک هواناً وعقاباً ، واجتثثت أصول الظالمین ، ونحن نقول الحمد لله رب العالمین .
اللهم أنت کشاف الکرب والبلوى، وإلیک أستعدی فعندک العدوی ، وأنت رب الآخره والأولى .
اللهم ونحن عبیدک التائقون إلى ولیک ، المذکر بک وبنبیک ، الذی خلقته لنا عصمهً وملاذاً ، وأقمته لنا قواماً ومعاذاً ، وجعلته للمؤمنین منا إماماً ، فبلغه منا تحیهً وسلاماً .
اللهم وأقم به الحق ، وادحض به الباطل ، وأدِلْ به أولیاءک ، وأذلل به أعداءک ، وصل اللهم بیننا وبینه وصلهً تؤدی إلى مرافقه سلفه ، واجعلنا ممن یأخذ بحجزتهم ، ویکمن فی ظلهم ، وأعنا على تأدیه حقوقه إلیه ، والإجتهاد فی طاعته ، والإجتناب عن معصیته ، وامنن علینا برضاه ، وهب لنا رأفته ورحمته ودعاءه ، وخیر ما ننال به سعه من رحمتک ، وفوزا عندک ، واجعل صلواتنا به مقبوله ، وذنوبنا به مغفوره، ودعاءنا به مستجاباً ، واجعل أرزاقنا به مبسوطه ، وهمومنا به مکفیه ، وحوائجنا به مقضیه ، وأقبل إلینا بوجهک الکریم، واقبل تقربنا إلیک ، وانظر إلینا نظره رحیمه ، نستکمل بها الکرامه عندک ، ثم لا تصرفها عنا بجودک. واسقنا من حوض جده(ص)، بکأسه وبیده رَیَاً رویاً ، سائغاً هنیاً ، لا ظمأ بعده . یا أرحم الراحمین ) .
هذا غیض من فیض من آدابنا الشیعیه وأدبنا الشیعی مع الإمام المهدی الموعود أرواحنا فداه .
کما أن للشیعه فی مدحه وحبه من الشعر من قبل ولاته الى یومنا هذا ، مئات القصائد ، وفیها من عیون الشعر العربی، وآیات الشعر الفارسی والترکی والأوردی . وسنختم الکتاب بمقطوعات منها ، إن شاء الله .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.