شبهات حول الخاتمیه ۲

0

الشبهه الثالثه:
وقد تمسکت هذه الفرقه بظاهر آیتین اُخریین:
الاُولى: قوله سبحانه: (وَلِکُلِّ اُمّه رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِیَ بَیْنَهُم بِالقِسْطِ وَهُمْ لاَ یُظْلَمُون) (یونس ـ ۴۷).
الثانیه: قوله سبحانه: (قُلْ لاَ أَمْلِکُ لِنَفْسِـی ضَـرّاً وَلاَ نَفْعَاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ لِکُلِّ اُمّه أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ یَسْتَأْخِرُونَ سَاعهٌ وَلاَ یَسْتَقْدِمُون) (یونس ـ ۴۹).
تقریر هذه الشبهه أنّ اللّه حدد حیاه الاُمم بحد خاص، والاُمّه الإسلامیه إحدى هذه الاُمم، فلها أجل خاص، ومده محدوده، ومعه کیف یدعی المسلمون دوام دینهم وبقاءه إلى یوم القیامه؟
وروی عن رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ أنّه سئل عن أجل الاُمّه الإسلامیه، فأجاب ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ بقوله: إن صلحت اُمّتی فلها یوم، وإن فسدت فلها نصف یوم (۲).
الجواب:
لا أدری ماذا یرید القائل من الاستدلال بهاتین الآیتین: أمّا الآیه الاُولى، أعنی قوله سبحانه: (ولکل اُمّه رسُول)فصریح الآیه هو أنّ اللّه سبحانه یبعث إلى کل اُمّه،
__________________________
۱- اللوامع الالهیه فی المباحث الکلامیه ص ۲۲۵٫
۲- الفرائد ص ۱۷ الطبعه الحجریه.
(۱۸۵)
مثل اُمّه نوح وعیسى وموسى، رسولاً یدعوهم إلى دین الحق ویهدیهم إلى صراطه، وأمّا أمد رساله الرسول وکمیتها، فالآیه غیر ناظره إلیه، لا صریحاً ولا تلویحاً لا مفهوماً ولا منطوقاً ولا مانع من أن یکون إحدى هذه الرسالات غیر محدوده بحد خاص، ویکون صاحبها خاتم الرسل ودینه خاتم الأدیان، وقد دلّ القرآن على أنّ نبی الإسلام هو ذاک، کما تقدمت دلائله.
ونظیر ذلک قوله سبحانه: (وَلَقَد بَعَثْنَا فی کُلِّ اُمّه رَسُولاً أَنِ اعْبُدوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّْت َعَلْیِه الضَّلالَه) (النحل ـ ۳۶).
أتجد من نفسک أنّ الآیه تشیر إلى تحدید الشریعه بعد الإسلام، لا ، لا تجده من نفسک، ولا یجد ذلک أیضاً کل متحرر عن قید العصبیه.
وأمّا الآیه الثانیه، فکشف الغطاء عن محیا الحق، یحتاج إلى توضیح وتحقیق معنى «الاُمّه» الوارده فی الکتاب والسنّه، فنقول:
قال الراغب: الاُمّه، کل جماعه یجمعهم أمر ما: أمّا دین، أو مکان، أو زمان، وهذا الجامع ربّما یکون اختیاریاً وقد یکون تسخیریاً (۱).
هذه الحقیقه التی کشف عنها الراغب، هو الظاهر من الکتاب والسنّه وموارد الاستعمال وصرّح بها الجهابذه من اللغویین، ودونک توضیح ما أفاده الراغب:
الجامع الدینی ، کما فی قوله سبحانه: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَیْنِ لَکَ وَمِن ذُرِّیَّتِنَا اُمَّهً مُسْلِمَهً لَکَ) (البقره ـ ۱۲۸) وقوله سبحانه: (کُنْتُمْ خَیْرَ اُمَّه اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوف) (آل عمران ـ۱۱۰).
الجامع الزمانی کقوله سبحانه: (وَلِکُلِّ اُمَّه أَجَلٌ فَإِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ یَسْتَأْخِرُونَ
______________________________
۱- المفردات للراغب ص ۲۳ ماده «اُم» وکان الأولى أن یضیف إلى هذه الجوامع لفظ «أو غیره» إذ لا ینحصر الجامع بهذه الثلاثه ولیس المقصود أنّ هذه الجوامع داخله فی مفهموم «الاُمّه» حتى یقال: أنّ توصیف الاُمّه فی الآیه بکونها «مسلمه» دلیل على خروجها عن مفهوم الآیه، بل المراد أنّ هذه الجوامع تکون مصححه، لاطلاقها على الجماعه.
(۱۸۶)
سَاعَهً وَلاَ یَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف ـ ۳۴) وفسّـرها المفسرون بلازم المعنى وقالوا: بعد حین، أی بعد انقضاء أهل عصر، کأنّه یجمعهم زمان واحد فی مستوى الحیاه، ومثله قوله سبحانه: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلى اُمَّه مَعْدُودَه لَیَقُولُنَّ مَا یَحْبِسُهُ ألا یَوْمَ یَأْتِیهِمْ لَیْسَ مَصْرُوفاً َعْنُهْم وَحَاقَ بِهِمْ مَا کَانُوا بِهِ یَسْتَهْزِئُون) (هود ـ ۸) وفسره فی الکشاف بلازم المعنى، وقال: إلى جماعه من الاوقات.
الجامع المکانی: نحو قوله سبحانه: (وَلَمَا وَرَدَ مَاءَ مَدْیَنَ وَجَدَ عَلَیْهِ اُمّهً مِنَ النَّاسِ یَسْقُون) (القصص ـ ۲۳) أی وجد حول البئر جماعه یسقون مواشیهم، فالجهه الجامعه لعدّهم اُمّه واحده، إنّما هی اجتماعهم فی مکان واحد، أو غیرها من الجهات التی یمکن أن تجمع شمل الأفراد والآحاد.
الجامع العنصری والوشیجه العنصریه، والرابطه القومیه کما فی قوله سبحانه: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَیْ عَشْـرَه أَسْبَاطاً اُمَماً) (الأعراف ـ ۱۶۰).
وقوله: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فی الأرْضِ اُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِکَ) (الأعراف ـ ۱۶۸) فبنوا إسرائیل کلهم أغصان شجره واحده، یجمعهم ترابط قومی ووشیجه عنصریه، إلاّ أنّه کلّما ازدادت الشجره نموّاً ورشداً إزدادت أغصاناً وأفناناً، فعد کلّ غصن مع ما له من الفروع، أصلاً برأسه وهم مع کونهم اُمماً اُمّه واحده أیضاً یربطهم الجامع العنصری.
القرآن یتوسّع فی استعمال الاُمّه:
إنّ القرآن یتوسّع فی استعمال الکلمه فیطلقها على الفرد، إذا کان ذا شأن وعظمه تنزیلاً له منزله الجماعه کقوله سبحانه: (إنَّ إِبْرهِیمَ کَانَ اُمّهً قانِتاً للّهِ حنَیِفاً) (النحل ـ ۱۲۰) أی قائماً مقام جماعه فی عباده اللّه، نحو قولهم فلان فی نفسه قبیله، وروى أنّه یحشر «زید بن عمرو» اُمّه وحده.
بل یتوسّع ویستعمله فی صنوف من الدواب، إذا کانت تجمعهم جهه خاصه ،
(۱۸۷)
کقوله سبحانه: (وَمَا مِن دَابّه فی الأرْضِ وَلاَ طَائِر یَطِیرُ بِجَنَاحَیْهِ إِلاَّ اُمَمٌ أَمْثَالُکُم) (الأنعام ـ ۳۸).
فعدّ اللّه کل صنف من الدواب والطیور اُمماً، لما بینها من المشاکله والمشابهه حیث الخلق والخلق، فهی بین ناسجه کالعنکبوت، وبانیه کالسرفه، ومدخره کالنمل ومعتمده على قوت وقتها کالعصفور والحمام، إلى غیر ذلک من الطبائع التی یخصص بها کل نوع (۱).
ویمکن أن یقال: إنّ ما ألمحنا إلیه من موارد الاستعمال للفظ «الاُمّه» لیست معانی مختلفه، حتى یتصور أنّ اللفظ وضع علیها بأوضاع متعدده، بل کلها مصادیق لمعنى وسیع وضع علیه اللفظ (الاُمّه) وهو کل اجتماع من الانسان وغیره من الحیوان، یجمعهم أمر ما من الزمان والمکان والدین والعنصر وغیرها.
الاُمّه: الطریقه والدین:
نعم للاُمّه معنى آخر اُستعملت فیه، فی الکتاب والسنّه، وهو الطریقه والدین، کقوله سبحانه: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنا عَلَى اُمّه وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُون) (الزخرف ـ ۲۲) وقوله سبحانه: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى اُمّه وَإِنَّا علَىَ آثَارِهِم مُقْتَدُون) (الزخرف ـ ۲۳).
قال الجوهری فی صحاحه: الاُمّه، الطریقه والدین، یقال لا اُمّه له، أی لا دین ونحله، قال الشاعر:
وهل یستوی ذو اُمّه وکفور …
وقال الفیروز آبادی: الاُمه ـ بالکسر ـ الحاله والشرعه والدین ویضم.
هذه هی الاُمه ومعناها وقد عرفت أنّه لم یستعمل فی الکتاب إلاّ فی هذین المعنیین (الجماعه والدین) وقد ذکروا لها معانی اُخرى یمکن ارجاعها إلى ما ذکرناه.
______________________

۱-المفرىات الراغب ص ۲۳٫
(۱۸۸)
فلنرجع إلى مفاد الاُمّه:
إذا عرفت ما ذکرناه: فلنرجع إلى مفاد الاُمّه فنقول قوله سبحانه: (ولکل اُمّه أجل …) یحتمل فی بادئ الأمر أن یراد منها الطریقه أو الجماعه، ولکن الأوّل مدفوع بما فی ذیله: (فإذا جاء أجلهم …) إذ یجب حینئذ أن یقول: فإذا جاء أجلها بإفراد الضمیر، لو صح إطلاق الأجل على الدین والشریعه (۱) فلا مناص من حمل الآیه على المعنى الثانی: أعنی الجماعه، التی یربطهم فی الحیاه أمر ما، والمراد أنّ کل کتله من الناس إذا طویت صحیفه حیاتهم وانتهت مده عیشهم لا یمهلون بعد شیئاً، فلا یستقدمون ولا یستأخرون بل یتوفّاهم ملک الموت الذی وکل بهم، فلا إمهال ولا تأخیر، فالآیه ناظره إلى بیان أمر تکوینی جرت علیه مشیئته سبحانه وهو أنّ حیاه الاُمم فی أدیم الأرض محدود إلى أجل لا یمهلون بعده ولیس فیها أی نظر إلى توقیت الشرائع وتحدیدها وتتابع الرسل ونزول الکتب.
وأمّا حملها على خصوص الاُمّه الدینیه أی الاُمّه التی یجمعها دین واحد فیحتاج إلى الدلیل والقرینه(۲) وقد عرفت أنّ الاُمّه عباره عن الجماعه التی یجمعهم أمر ما، سواء أکان ذلک الجامع زماناً أو مکاناً أو اتحاداً فی الشغل والمهنه أو دیناً، أو عنصراً، إلى غیر ذلک من عشرات الوحدات الجامعه بین المتشتتین من الناس.
وقد تکرر مضمون الآیه فی الذکر الحکیم بصور مختلفه کلها تهدف إلى ما ذکرناه، وأوضحناه، ودونک بعضها:
(وَ مَا أَهْلَکْنَا مِن قَرْیَه إِلاَّ وَلَهَا کِتَـبٌ مَعْلُومٌ (۳) * مَا تَسْبِقُ مِنْ اُمّه أَجَلَهَا وَمَا
__________________________________
۱- سیوافیک أنّه لم یستعمل الأجل فی القرآن فی أمد الأدیان.
۲- وعلى فرض شمول الآیه للاُمه الدینیه بعمومها، فمن أین وقف المستدل على أنّه جاءأجلهم ولماذا لا یمتد إلى یوم القیامه کما سیوافیک بیانه تحت عنوان «سؤال من المستدل».
۳- أی مکتوب معلوم کتب فیه أجلها.
(۱۸۹)
یَسْتَأخِرُون) (الحجر۴ـ۵)، وقوله سبحانه: (ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرین * ما تسبق من اُمّه أجلها وما یستأخرون) (المؤمنون ۴۲ـ۴۳).
وقریب منه قوله سبحانه: (فَیَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِی إِلى أَجَل قَرِیب فَأَصَّدَّقَ وَأَکُنْ مِنَ الصالحِین * وَلَن یُؤَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللّهُ خَبِیرٌ بِمَـا تَعْمَلُونَ) (المنافقون : ۱۰ ـ۱۱)، وقوله سبحانه: (یَغْفِرْ لَکُمْ مِن ذُنُوبِکُمْ وَیُؤخِّرْکُمْ إِلَى أَجَل مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللّهِ إِذَا جَاءَ لاَ یُؤَخَّرُ لَوْ کُنتُمْ تَعْلَمُون) ( نوح ـ ۴).
نظره فی موارد استعمال الأجل فی القرآن:
ویؤید ذلک أنّه لم یستعمل «الأجل» فی الذکر الحکیم فی أجل الشرائع، وانتهاء أمدها، بل قصر استعماله على موارد اُخرى، لبیان آجال الدیون، والعقود کقوله تعالى: (إِذَا تَدَایَنتُم بِدْین إلَى أَجَل مُسَمّىً فَاکْتُبُوه) (البقره ـ ۲۸۲).
وقوله سبحانه: (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَهَ النِّکَاحِ حَتَّى یَبْلُغَ الکِتَـبُ أَجَلَه) (البقره ـ ۲۳۵).
أو بیان انتهاء استعداد الاشیاء للبقاء کقوله سبحانه: (هُوَ الذِی خَلَقَکُم مِن طِین ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِندَه) (الأنعام ـ ۲) وقوله سبحانه: (سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ کُلٌّ یَجْرِی لَِأجَل مُسَمّىً) (الرعد ـ ۲).
وأمّا قوله سبحانه: (وَمَا کَانَ لِرَسُول أَن یَأْتِیَ بِآیَه إِلاَّ بِاذْنِ اللّهِ لِکُلّ أَجَل کِتَـب) (الرعدـ ۳۸) فیحتمل وجوهاً:
۱ـ إنّ لکل وقت حکماً خاصاً مکتوباً معیناً، کتب وفرض فی ذلک الأجل، دون غیره لأنّ الفرائض تختلف حسب اختلاف الأوضاع والأحوال، فلکل وقت حکم یکتب ویفرض على العباد حسب مقتضیات المصالح.
۲ـ ما فسر به أمین الإسلام وهو قریب ممّا ذکرناه آنفاً، وقال إنّ لکل وقت کتاباً خاصاً، فللتوراه وقت وللانجیل وقت وکذلک القرآن، فالفرق بینه وبین ما ذکرناه هو
(۱۹۰)
أنّه حمل الکتاب على الکتاب المصطلح، ونحن حملنا على الحتم والفرض.
۳ـ انّ المراد منه: انّ لکل أجل مقدر کتاب أثبت فیه، فللاجال کلّها کتاب کتب فیه.
۴ـ انّ لکل أمر قضاه اللّه کتاب کتب فیه، وأبعد الوجوه هو الأخیر، إذ هو تفسیر بالأعم، وهو سبحانه یقول: (لکل أجل کتـب) ولم یقل لکل أمر کتاب وأقرب الوجوه هو الأوّل بقرینه قوله سبحانه: (وما کان لرسول أن یأتی بآیه إلاّ بأذن اللّه لکل أجل کتـب) (الرعد ـ ۳۸) فلقد کانوا یقترحون على النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ بعض الآیات، فأجابهم سبحانه بأنّ لکل وقت حکماً خاصاً، کتبه اللّه لذلک الوقت، ولایجری إلاّ فیه.
وعلى أی وجه من الوجوه الأربعه، فلا تدل الآیه على أنّ لکل دین أجلاً وأمداً، إلاّ على الوجه الثانی، ودلالته علیه إنّما هی بالالتزام لا بالمطابقه لأنّه إذا کان لکل وقت کتاباً خاصاً مثل التوراه والإنجیل یدل بالملازمه على أنّ لکل وقت شریعه ودیناً.
وأمّا على ما فسّـرنا الآیه به فمآله إلى أنّ لکل وقت حکماً، والحکم لیس نفس الدین والشریعه، بل جزء منه وتکون الآیه دالّه على رد من زعم امتناع وقوع النسخ فی الشریعه الواحده.
وأمّا على المعنى الثالث والرابع، فعدم دلالته على أنّ لکل دین أجلاً، واضح لا یحتاج إلى البیان.
سؤال من المستدل:
وفی الختام نسأل المستدل هب أنّ الآیه بصدد بیان آجال الشرائع وتحدیدها وأنّ لکل دین واُمّه دینیه أجلاً، ولکنّه من أین وقف على أنّ الإسلام قد انتهى أمده وجاء أجله، وأنّه لا یمتد إلى یوم القیامه، إذ لنا أن نقول: إنّ أمد الإسلام ینتهی بانتهاء نوع الانسان، فی أدیم الأرض وقیام القیامه، وحضور الساعه، فلو دلّت الآیه على أنّ لدین الإسلام أو الاُمّه الإسلامیه أجلاً قطعیاً فنستکشف ببرکه الآیات الدالّه على اختتام النبوّه
(۱۹۱)
والرساله عن امتداد تلک الرساله إلى الیوم الذی تنطوی فیه صحیفه حیاه الانسان فی هذه السیاره، وأنّ أجله وأجلها واحد.
الاکذوبه التی نسبها إلى رسول اللّه:
هلم نسأله، عن مصدر الاکذوبه التی نسبها الکاتب إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ وقال: أنّه بعد ما نزلت آیه: (ولکل اُمّه أجل) طفق أصحابه یسألونه عن أجل الاُمّه الإسلامیه، فأجابه بقوله: إن صلحت اُمّتی فلها یوم وإن لم تصلح فلها نصف یوم (۱).
فقد أعتمد الکاتب فی نقله على نقل الشعرانی، ولیس فی لفظه ما یدل على سؤال أصحابه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ عن أجل الاُمّه الإسلامیه بعد نزول الآیه، وإنّما هو اکذوبه نحتها الکاتب ونسبها إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ (۲).
نعم تفسیر الیوم بألف عام، کما نقله الشعرانی عن تقی الدین رجم بالغیب إذ کما یمکن تفسیره بألف مستند إلى قوله سبحانه: (وَاِنَّ یَوْماً عِندَ رَبِّکَ کَأَلْفِ سَنَه مِمّا تَعُدُّون) (الحج ـ ۴۷) یمکن تفسیره بخمسین ألف سنه، استناداً إلى قوله سبحانه: (تَعْرُجُ المَلاَئِکَهُ وَالرُّوحُ إِلَیْهِ فی یَوْم کانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِینَ أَلْفَ سَنَه) (المعارج ـ ۴).
وأمّا ما رواه العلاّمه المجلسی، مسنداً عن کعب الأحبار، على نحو یشعر بکون تفسیر الیوم بألف عام، من الحدیث، فمما لا یقام له وزن، فإنّ کعب الأحبار وضّاع
____________________________
۱- الفرائد صفحه ۱۷ الطبعه الحجریه.
۲- ودونک نص الشعرانی فی کتابه الیواقیت والجوهر التی ألّفها عام ۹۵۵ هـ قال فی بیان أنّ جمیع أشراط الساعه حق: انّه لابد أن یقع کلّها قبل قیام الساعه وذلک کخروج المهدی (عج) ثمّ الدجال، ثمّ نزول عیسى، وخروج الدابه و … حتى لو لم یبق من الدنیا إلاّ مقدار یوم واحد، فوقع ذلک کلّه، قال الشیخ تقی الدین بن أبی المنصور فی عقیدته: وکل ذلک تقع فی المائه الأخیره (هذا تخرص من الرجل وتنبؤ منه، أعاذنا اللّه منه) من الیوم الذی وعد به رسول اللّه بقوله فی اُمّته: إن صلحت اُمّتی فلها یوم وإن فسدت فلها نصف یوم، یعنی من أیام الرب المشار إلیه بقوله تعالى: (وانّ یوماً عند ربِّکَ کألف سنه ممَّا تعدون) لاحظ الیواقیت ج۲ ص ۱۶۰ ونقل عن بعض العارفین أنّ أوّل الألف محسوب من وفاه علی بن أبی طالب.
(۱۹۲)
کذّاب مدلس، لم تخرج الیهودیه من قلبه، تزیا بزی الإسلام فأدخل الإسرائیلیات والقصص الخرافیه، فی أحادیث المسلمین فلا یقام لحدیثه وزن ولا قیمه، فلنضرب عنه صفحاً.
أضف إلیه أنّ الرجل لم یسنده إلى الرسول ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ ولا إلى الولی، فکیف یکون حجّه؟
ثم إننا نسأل صاحب الفرائد (۱) ومن مشى مشیه، ونقول: إنّ رسول اللّه قال (بزعمکم): إن صلحت اُمّتی فلها یوم … فهل صلحت الاُمّه الإسلامیه فی هذه القرون العشره ومشت سبل الصلاح والسلام، وازدهر فیهم العدل والإحسان، أو شاع فیهم الجور والطغیان والقتل الذریع وسفک الدماء وحبس أبریاء الاُمّه واعتقالهم ونهب أموالهم … وعند ذاک یلزم انتهاء أمد الإسلام بإنقراض خمسمائه عام، التی هی نصف یوم، من الیوم الربّانی، لأنّه لم تصلح الاُمّه بعد لحوق الرسول بالرفیق الأعلى ولکن الکاتب لا یرضى به لأنّه لا یوافق ما یدعیه ویرتئیه.
وأعجب من ذلک أنّه جعل مبدأ ذلک الیوم الربّانی (ألف عام) العام الذی تمّت فیه غیبه ولی اللّه الأعظم، الحجه بن الحسن العسکری (عجل اللّه فرجه) لا عام بعثه الرسول ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ أو هجرته أو وفاته، أو سنه صدور الحدیث. أوما کانت الاُمّه العائشه فی هذین القرنین ونصف من الاُمّه الإسلامیه؟! (سله أنا لا أدری ولا المنجّم یدری) أظنّک أیها القارئ الکریم لا یفوتک سر هذا الجعل، وإنّه لماذا جعل مبدأ ذلک الیوم الربّانی، عام غیبه الولی، أعنی عام ۲۶۰ من الهجره النبویه، ذلک العام الذی غاب فیه خاتم الأوصیاء عن الأبصار إلى الوقت الذی لا یعلمه إلاّ هو سبحانه، فقد عمد بذلک إلى أن ینطبق مبدأ خروج الباب (۲) على اختتام ألف عام (۳).
فقد خرج «الباب» وادّعى ما ادّعى، مفتتح عام ۱۲۶۰ من الهجره النبویه.
_________________________
۱- أبو الفصل الجرفادقانی.
۲- المراد منه «علی محمد» الشیرازی الملقّب بالباب، عند الفرق الضالّه البابیه والازلیه والبهائیه.
۳- فالرجل قد وضع فکره معینه، ثمّ أراد تصیّد الأدلّه لاثباتها، ولکن الباحث المخلص یتجرّد عن کلّ هوى ومیل شخصی، ویتابع النصوص ومفادها، فما أدت إلیه بعد التمحیص، تکون هی النتیجه التی ینبغی علیه اعتبارها حقیقه راهنه.
الشبهه الرابعه:
 
استدل صاحب «الفرائد» بآیه رابعه، زعم دلالتها على عدم انقطاع الوحی والرساله بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ وهی قوله سبحانه: ( یَوْمَئِذ یُوَفِّیهِمُ اللّهُ دِینَهُمُ الحَقَّ وَیَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِین)(النور ـ۲۵).
قال : إنّ صیغه «یوفیهم» تبشّـر عن دین حق یوفیه سبحانه على من یشاء من عباده فی الأجیال الآتیه بعد الإسلام، ولیس لک أن تحمله على الإسلام وتفسّـره به، لأنّه قد أکمل نظامه وتمت اُصوله وفروعه عام حجه الوداع بنص الذکر الحکیم، کما قال سبحانه: (الیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإِسلاَمَ دِیناً) (المائده ـ ۳) وهو سبحانه یخبر فی هذه الآیه عن وقوع الأمر (توفیه الدین الحق) فی الجیل الآتی (۱).
الجواب:
هذا مبلغ علم الرجل ومقیاس عرفانه بالکتاب وغوره فی الأدب العربی وقد کان فی وسع الرجل أن یرجع إلى أحد التفاسیر، أو إلى ابطال العلم وفطاحل الاُمّه وکانت بیئه مصر (۲) تجمع بینه وبین فطاحلها وأعلامها العارفین، هذا هو أمـین الإسلام الطبرسـی، فسّـره فی مجمعه بقوله: یتم اللّه لهم جزائهم الحق، فالدین بمعنى الجزاء (۳)، وقال الزمخشری: الحق، صفه الدین وهو الجزاء (۴) لا الطریقه والشریعه.
____________________________

۱- الفرائد صفحه ۱۲۲ الطبعه الحجریه.
۲- فقد ألّف «الفرائد» بمصر، أیام اقامته هناک، وفرغ منه عام ۱۳۱۵٫
۳- مجمع البیان ج۷ ص ۱۳۴٫
۴- الکشاف ج۳ ص ۲۲۳٫
(۱۹۴)
ولیت الکاتب، أمعن النظر فی الظرف (یوم) الوارد فی الآیه المتقدمه أعنی قوله سبحانه: (یَوْمَ تَشْهَدُ عَلَیْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَیْدِیهِمْ وَأَرْجُلُهُم…) ففی أی یوم تشهد ألسنه المجرمین وأیدیهم على أعمالهم الإجرامیه، فهل هذا الیوم إلاّ یوم البعث؟ ففی ذلک الیوم یوفیهم اللّه جزاء الطغاه العصاه المفترین الکذّابین المبدعین، الجزاء الحق الذی یستحقّونه بأعمالهم. ففی یوم واحد تشهد ألسنتهم وأیدیهم وأرجلهم، ویوفی اللّه دینه الحق والجزاء الذی یستحقّونه.
على أنّ سیاق الآیه یوضح المقصود، فإنّ الآیه وردت فی الذین یرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، فعاتبهم بالآیات القوارع المشحونه بالوعید الشدید، والعتاب البلیغ، والزجر العنیف، لإستعظام ما رکبوا من ذلک، وما أقدموا علیه، إذ قال سبحانه: (إِنَّ الذِینَ یَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِی الدُّنْیَا وَالآخِرَهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِیمٌ * یَوْمَ تَشْهَدُ عَلَیْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأْیِدِیهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا کَانُوا یَعْمَلُونَ * یَوْمَئِذ یُوَفِّیهِمُ اللّهُ دِینَهُمُ الحَقَّ وَیَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِین) (النور: ۲۳ ـ ۲۵).
ترى أنّه سبحانه حکم على هؤلاء العصاه اللاعبین باعراض الناس وحرماتهم بأحکام ثلاثه:
۱ـ اللعن علیهم فی الدینا والآخره.
۲ـ شهاده أعضائهم على أعمالهم الإجرامیه.
۳ـ توفیه جزائهم الحق فی ذلک الیوم.
ومع ذلک کیف عمی بصر الرجل وبصیرته، وأرخى قلمه ولسانه، وفسّـر الآیه برأیه الباطل؟

الشبهه الخامسه:
قد عرفت ما لدى الکاتب ومن لفّ لفه من شبهات تافهه، أو تأویلات کاذبه اختلقوها لاغواء السذّج من الناس. هلم معی نقرأ آخر شبهه للقوم، وهی الاستدلال
(۱۹۵)
بالآیه التالیه: (یُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَـاءِ إِلى الأرْضِ ثُمَّ یَعْرُجُ إِلَیْهِ فی یَوْم کَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَه ممّا تَعُدُّون)(السجده ـ ۵).
فقد فسّـر صاحب الفرائد (۱) تدبیر الأمر بانزال الشریعه من السماء إلى الأرض وجعل عروجه فی یوم کان مقداره ألف سنه، بإندراس الشریعه تدریجاً طول هذه المده بابتعاد الناس عن الدین، ورفضه فی مراحل الحیاه، وصیروره القلوب مظلمه بالمعاصی، مدلهمّه بالخطایا، مریضه بشیوع الفساد والفوضى، فیبعث اللّه عند ذلک رجلاً آخر یجدد الشریعه ویؤسّسها ویذهب بظلمات القلوب، وعلى هذا فلا تدوم الشریعه أی شریعه کانت إلاّ یوماً ربّانیاً، وهو ألف سنه ممّا تعدون (۲).
الجواب:
ما ذکره بصوره الشبهه، لا یصح إلاّ بعد تسلیم اُمور، لم یسلم واحد منها:
۱ـ إنّ التدبیر عباره عن نزول الوحی وبلوغ الشریعه إلى النبی.
۲ـ إنّ الأمر فی الآیه هو الشریعه والطریقه.
۳ـ العروج هو انتهاء أمد الرساله وانقضاء استعداد بقاء الشریعه واندراسها بشیوع الفساد والمعصیه بین الاُمّه.
ولیس أی واحد منها صحیحاً ولا قابلاً للقبول:
أمّا الأوّل: فلأنّ التدبیر فی اللغه والکتاب عباره عن الإداره على وجه تستوجبه المصلحه، وتقتضیه الحکمه وأین ذاک عن نزول الشریعه من السماء إلى الأرض، باحدى
_______________________
۱- الفرائد الطبعه الحجریه.
۲- ثمّ إنّه جعل مبدأ ذلک الیوم الربّانی عام غیبه ولی اللّه الأعظم المهدی (عج) عن الأبصار حتى یطابق مختتمه مفتتح عام ظهور الباب، هذا مصداق واضح للتفسیر بالرأی، وکأنّه قد قرر النتیجه أوّلاً ثمّ راح یتفحّص عن دلیل یوصل إلیها فلم یجد دلیلاً، إلاّ بتحریف کلام اللّه وتأویله السخیف.
(۱۹۶)
الطرق المقرره فی محلها.
وإن شئت قلت: التدبیر هو التفکیر فی عاقبه الاُمور ودبرها، کما قال سبحانه: (فَالـمُدَبِّراتِ أَمْراً) (النازعات ـ ۵) أی الملائکه الموکله بتدبیر الاُمور.
وقوله سبحانه: (أَفَلاَ یَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَمْ على قُلُوب أَقْفَالُها) (محمد ـ ۲۴).
وقوله سبحانه: (کِتَـبٌ أَنزَلنَاهُ إِلیَکَ مُبَارَکٌ لِیَدَّبَّروُا آیَاتِهِ وَلِتَذَکَّرَ اُولُوا الألْبَاب) (ص ـ ۲۹) إلى غیر ذلک.
أو لیس تفسیر التدبیر بالنزول عند ذاک یکون تفسیراً بالرأی الذی نهى عنه رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ وأوعد علیه النار وقال: من فسّـر القرآن برأیه فلیتبوّأ مقعده من النار (۱).
وأمّا الثانی: فلأنّ الأمر فی القرآن لم یستعمل بمعنى الشریعه والأحکام الالهیه من واجب وحرام ومکروه ومستحب ومباح، وسائر الأحکام الوضعیه الجاریه فی العقود والایقاعات والسیاسات.
هؤلاء هم أصحاب المعاجم وأعلام اللغه، لا تجد أحداً منهم فسر الأمر بالشریعه بل تدور معانیه بین الشأن والشیء والتکلیف.
سؤال: إذا اعترفتم بأنّ التکلیف من معانیها، کما یقال أمرته: إذا کلّفته، فیصح تفسیره بالشریعه، إذ الشریعه عباره عن تکالیف یوجهها الشارع إلى عباده؟
الجواب: انّ حمل الأمر فی الآیه على الأمر والتکلیف التشریعی خلاف مساق آیات السوره، بل خلاف صریح سائر الآیات الوارده فی هذا المضمار فلحاظ السیاق یدفعنا إلى أن نحمل الأمر على التکوینی الذی هو عباره عن إرادته الفعلیه ومشیئته التکوینیه الجاریه فی صحیفه الکون والوجود، فإنّ کل ما یسیطر على العالم، من نظام وسنن وقوانین، کلّها بأمر تکوینی وإراده فعلیه منه سبحانه کما یصرح به قوله سبحانه: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَیْئاً أَن یَقُولَ لَهُ کُن فَیَکُونُ * فَسُبْحَانَ الذِی بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَـیْء وإِلَیْهِ تُرْجَعُون) (یس: ۸۲ ـ ۸۳).
_______________________
۱- حدیث متفق علیه ورواه الفریقان بصور مختلفه.
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.